العصر الرقمي والعالم العربي.. نظرة مستقبلية وناقوس خطر*

“المدارنت”..
قريباً جداً سيصبح معظم سكان الأرض متّصلين بـ”الإنترنت”، وستصبح أجيال الاتصالات الحديثة متاحة ليستفيد منها الجميع، وليس فقط سكان شمال وغرب الكرة الارضية.
هذه الثورة المعلوماتية والتجمعات الرقمية الناشئة منها، والتي يمكن أن يطلق عليها “الممالك أو الدول الإفتراضية”، ستؤدي الى تراجع جزئي لما يسمى بالسيادة الوطنية للدول الحقيقية على أراضيها. وبذلك تكون السيادة القادمة مقسّمة ما بين الجغرافيا السياسية والجغرافيا الافتراضية بما ينذر بنهاية السيادة الوطنية الكاملة باتجاه الدول العالمية الإفتراضية أو الرقمية. وهذا ما أكّده كلٌّ من إريك شميدت وجاريد كوين في كتابهما “العصر الرقمي الجديد – إعادة تشكيل مستقبل الأفراد والأمم والأعمال، بأنّ الدول وخلال السنوات القادمة ستخضع فيها سيادتها الوطنية لعوالم وضربات الممالك الأفتراضية.
كل دولة يتعين عليها ممارسة طريقتين مختلفتين من سياساتها المحلية والخارجية، تركز إحداهما على العالم الحقيقي بينما تُخصّص الثانية للعالم الإفتراضي. وقد تبدو هذه السياسات متضاربة، فبينما تستخدم الحكومات اليد الغليظة في العالم الحقيقي للدولة قد تحافظ على يدٍ حريرية في العالم الافتراضي أو العكس. الحكومات تفضل بالطبع العالم الحقيقي بما تملكه من ادوات القوة والقمع بينما تفضل الشعوب العالم الإفتراضي بما يوفره لها من فضاءات واسعة من الحرية والتواصل والمراوغة. وستبقى هذه المعادلة قائمة ما بقى الإنترنت والفضاء الإفتراضي… وهل لن يبقى!
“حضارة العالم الحقيقي”، التي تطورت عبر آلاف السنين، ستنافسها “حضارة العالم الافتراضي” الناشئة، وفي طور التشكّل. هاتان الحضارتان مجبورتان، ولا مناص على التعايش والتنافس وربما التآمر على بعضهما البعض. ستؤثر كلُ منهما على الأخرى، وربما نتوقع تأثيراً أكبر للعالم الإفتراضي على العالم الحقيقي. وسيتحدد شكل عالمنا الكلي (الحقيقي والإفتراضي)، بناءً على صيغة التوازن الذي ستتوصلان اليه، ما بين التكامل في العديد من المجالات والتصادم في مناطق معينة. وسيؤثّر ذلك بالطبع على سلوك الجميع من أفراد وجماعات وشركات ومنظمات وحكومات مع هذا الواقع الجديد الذي يفرض العيش والتنافس في عالميْن. وسيتوجب على كل شخص أو كيان معين إكتشاف وصياغة معادلته الخاصة التي تحقق مصالحه في العالم الكلي.
بالنسبة للأفراد، فسيعني تواجدهم في العالم الكلي حيازة هويتين: الأولى مادية في العالم الحقيقي، والثانية إفتراضية في العالم الإفتراضي. وستطغي كل هوية على الأخرى حسب أولويات الفرد و مصالحه. وبينما يمكن بسهولة نسبية التحقّق من أي تزوير قد يحدث، بقصد أو من دونه على الهوية المادية في العالم الحقيقي، فإن التحقّق من ذلك في العالم الإفتراضي يعتبر تحديا حقيقياً وصعباً! قد يكون لكل فرد أو كيان هوايا إفتراضية مختلفة ولا حصر لها على حسب نشاطه في العالم الإفتراضي، ولا شك أنّ ذلك يشكّل إحدى التحديات الكبري التي تحتاج للمعالجة.
ستحدث التغييرات التاريخية بوتيرة أسرع، وسيتأّثّر بها كل شخص في العالم الكلي، سواء كان من أكثر الناس نفوذاً أو من أقلهم. سيتمكن الجميع من الوصول الى موارد لا تنضب من المعلومات التي تروي ظمأهم المعرفي والعلمي بصورة لم تكن لتتوفر لهم في السابق، وسيتمتع جيل العصر الرقمي الجديد بسلطة لم تتوفر لأي جيل سبقه من البشر. وسنتوقف عن وصف البدء بالمشاريع طويلة الأمد بالقول: “إنها الخطوة الأولى في طريق الألف ميل”. الطريق ستكون أقصر من ذلك بكثير لما للفضاء الافتراضي من إمكانات هائلة في سرعة إنبات ونمو، وإيصال الأفكار. ما أنتجه الفكر البشري منذ فجر الحضارة حتى يومنا هذا سيتم إنتاج أضعافه من الأفكار والإبداعات الجديدة في فترات قصيرة نسبياً. ذلك بسبب توقّع إنضمام مليارات أخرى من البشر للفضاء الإفتراضي عبر اتساع دائرة إنتشار الانترنت وسهولة الاتصال به في جنوب و شرق الكرة الارضية.
لكن يجب الإنتباه أن للعالم الإفتراضي جانيه المظلم أيضًا، حيث ستظل مقارنة محاسنه ومساوئه على البشر، وأيهما أكبر موضع تساؤل. ولا يملك أحد، سواء كان فرداً أو كياناً أو دولة، في العصر الرقمي الجديد ترَف الإختيار ما بين الإنضمام للعالم الإفتراضي أم عدمه! عالمٌ تتصارع فيه الجيوش الافتراضية وتلعب دوراً لا يقل أهمية عن دور مثيلاتها التقليدية في العالم الحقيقي. ستشن دول صغيرة هجمات إفتراضية على بلدان ما كانت تحلم باستهدافها عسكريا أو مجرد رفع رأسها أمامها. والهجمات السايبرية المتنوعة كالتجسس الرقمي والتخريب والتسلل وغيرها قد تشل المفاصل الأساسية والحيوية للدول الحقيقية أو قد تسيطر عليها. ويمكن لها أن تقطع شبكات الكهرباء وتلوّث المياه وتخرج قطارات مملوءة بالركاب أو حتى بمواد خطرة عن مسارها. كما يمكن لها أن تضرب أسواق الأسهم أو أن تقوم بإختراق قواعدالبيانات الحساسة للدولة الحقيقية او للشركات وسرقتها أو تدميرها.
في عصرنا الرقمي الجديد، يتوجب تدريس تقافة الأمن و الخصوصية الرقمية وكيفية التحكم بإعداداتها في المراحل المدرسية المبكّرة. ويتوجب أيضاً إعطاء الطلاب شرحاً وافياً لمحاذير ومخاطر العالم الأفتراضي مع أمثلة من الحياة الواقعية في حال لم يحافظوا على خصوصياتهم وأمنهم. ولكن هل سيستطيع الانسان السيطرة على العالم الإفتراضي، ومنع الأمور من الإفلات بإتجاهٍ معاكسٍ للمصلحة البشرية؟ هنا يُطرح التساؤل الجدي مثلما طُرح بقوة عن أمكانية إفلات الروبوتات، المبرمجة بتقنيات الذكاء الإصطناعي الحديثة عن السيطرة البشرية في المستقبل! هنا يجب العمل على إبقاء اليد البشرية مُشرعةً لتفصل بين إستخدامات الخير و الشر!
ليس ما ذُكر أعلاه للعلم فقط، ولن يكون له معنى، أو التأثير المطلوب، اذا لم تُتّخذ خطوات عملية للتحضير له ومواجهته في العصر الرقمي العربي. ولذلك انطلقت مبادرة “الوطن العربي الإفتراضي”، والتي تمثّل مساراً عملياً مبنيّاً على مراحل للتنفيذ مع جدول زمني. مبادرة الوطن العربي الإفتراضي في العصر الرقمي الجديد لها هدفين مركزيّين: الأول مرحلي وهو بناء الوطن العربي الموحّد في عقول أبنائه، على أمل تجسيده كواقع على الأرض، والثاني مستمر ومتجدّد يتمثّل في النموذج المستقبلي للوطن العربي في العالم الكلّي (بفرعيه الحقيقي والإفتراضي). النموذج المستقبلي في العالم الحقيقي تمّ إيجاز بعض أهم أساسياته. أمّا النموذج المستقبلي في العالم الإفتراضي فيمثل تحدياً اضافياً، يفرضه العصر الرقمي الجديد بكل جوانبه الإيجابية والسلبية، ويمكن إيجاز بعض أهم بنوده كما يلي:
كما هو الحال في النموذج المستقبلي للوطن العربي في العالم الحقيقي والذي يفرض وجود كيان عربي حقيقي موحّد نظراّ للحقائق التي تتميّز بها الأرض العربية كملتقى لثلاث قارات العالم القديم، وكخازنة لثروات طبيعية هامة ومتنوعة وكنقطة تقاطع للحضارات العالمية الرئيسية القديمة، وكمهد للأديان السماوية، ما جعلها “بؤرة كامنة لصراع الحضارات”! ونظراً لأن العلاقات البينيّة بين الدول في العالم الكلي (الحقيقي والإفتراضي)، هي مزيج من المصالح والتآمر، مهما كانت الدول حليفة في الظاهر، فإنه لا عجب أن يكون التآمر على المنطقة العربية في العالم الحقيقي بصورة أكثر تركيزا. وبما أنّ العالم الإفتراضي هو عبارة عن كيانات موازية للعالم الحقيقي، فانها تعكس حقائقه المميزه. ولذلك، فإنّ نفس هذه الحقائق تفرض وجود كيان إفتراضي عربي موحّد، كنموذج مستقبلي للوطن العربي في العالم الإفتراضي. الكيانات الإفتراضية العربية المشتّتة والتابعة لأجندات غير منسّقة، والتي تتبع كل دولة عربية بهيئتها المتفرقة، لن تستطيع مواجهة التحديات العالمية الضخمة في عصر التجمعات العالمية الكبرى، أُنظر إلى الإتحاد الأوربي كمثال، ويجب الإنتباه إلى أنّ التآمر في العلاقات البينيّة بين الكيانات الإفتراضية في العالم الإفتراضي، سيكون أكبر بكثير، يكاد يكون هو الطاغي من عنصر المصالح، وأكبر أيضا مما هو في العالم الحقيقي.
العصر الرقمي الجديد هو عصرُ تتصارع فيه الجيوش الإفتراضية، وتلعب دوراً لا يقل أهمية عن دور مثيلاتها التقليدية في العالم الحقيقي. وكما هو الحال بالنسبة إلى النموذج المستقبلي للوطن العربي في العالم الحقيقي الذي يفرض وجود جيش عسكري موحّد (متفرّع إلى قطاعات مختلفة من الأذرع العسكرية)، فإنّ النموذج المستقبلي للوطن العربي في العالم الإفتراضي يفرض أيضا وجود جيش إفتراضي موحّد لمواجهة الهجمات السايبرية المتنوعة (متفرّع إلى قطاعات مختلفة من الأذرع الإلكترونية حسب نوعية المواجهات والتحديات).
يتوجب على كل مواطن في العالم العربي الكلّي حيازة هويتين: الأولى مادية في العالم العربي الحقيقي، والثانية إفتراضية في العالم العربي الإفتراضي. الهوية الإفتراضية ربما يمكن استنساخها لعدة هوايا كلٌ حسب التجمّع الرقمي الذي يرغب بالولوج إليه، مما يشكّل تحديا” مستداماً يُفرض مواجهته إلى جانب مواجهة، والتعامل مع، كم كبير و متنوّع من التزوير بأشكال مختلفة وفي مجالاتٍ متعددة.
ربما أكبر الأخطار التي يمثّلها العصر الرقمي الجديد، الذي بدأه الغرب العالمي، هو قدرته على الولوج بسهولة إلى عقول وإحساس المواطنين في كافة انحاء العالم. ومن ثمّ نشر تقافته وأفكاره الخاصة والتي بالتأكيد يتعارض بعضها مع ثقافات وأفكار وعادات وقيَم كثير منهم. وما يخصّنا نحن في العالم العربي فإن ذلك من شأنه تدمير كثير من عاداتنا وتقاليدنا وقيَمنا العربية والإسلامية التي تمثّل ركائز مجتمعاتنا! هنا يُدَق ناقوس الخطر. فممالك العالم الإفتراضي الغربي- والأمريكي على وجه الخصوص مثل فيسبوك وانستغرام (ميتافيرس) وتويتر ويوتيوب وغيرها أصبحت تسيطر بشكل كبير على عقول الكثير من أبنائنا وبناتنا، وتنشر ما تراه من ثقافات و قيَم غريبة عنا و بعضها يتعارض بشكل كبير مع ثقافاتنا و قيمنا. و مع ذلك لم نجد أي تحرك يُذكر من حكومات الدول العربية لمواجهة هذا الغزو الثقافي المَهول أو حتى الحد من تأثيره! ولذلك فإن من أهم مهام النموذج المستقبلي للوطن العربي في العالم الإفتراضي، هو بناء خطة منهجية متكاملة لإنشاء وسائل تواصل عربية متنوعة (كيانات إفتراضية تمثّل أذرع تابعة للوطن العربي الإفتراضي)، ومُتَحكّم بها بشكل تراعي التقاليد والقيَم العربية وتحافظ على أجيالنا الحالية والمستقبلية. هذا لا يعني السعي لغلق النطاق العربي وعزله عما يجري في أماكن أخرى من العالم، ولكن إحداث توازن بين فضاء إفتراضي متاح للجميع على قدم المساواة و بين المحافظة على الخصوصيات المحلية.
لا تقتصر أهمية وضرورة إنشاء وسائل تواصل عربية للمحافظة على التقاليد والقيم العربية والإسلامية لمجتمعاتنا فحسب، ولكن أيضا لمواجهة التحيّز الذي تمارسه الممالك الإفتراضية الغربية تجاه القضايا والمصالح العربية وتحكّمها في المحتويات المنشورة لصالح أعداء وخصوم الأمة العربية. ولا يفتقر العالم العربي – بالطبع – للكفاءات القادرة على إنجاز ذلك، ولا إلى التمويل اللّازم. وقد شاهد العالم كيف أن تضارب المصالح حتى داخل الدولة نفسها، أدّى إلى أن تقوم كيانات إفتراضية عملاقة كفيسبوك وتويتر وغوغل، بطرد أقوى رئيس دولة في العالم، الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب، من ممالكها، مما أدّى لقيامه بإنشاء كيانه الإفتراضي الخاص.
الأنظمة العربية الحاكمة على قدرٍ من الدّراية والذكاء يسمح لها بالإستنتاج أنّ الوضع العربي لا يمكن أن يستمر بشكله الحالي في العصر الرقمي الجديد، وتعرف أنّه من الأفضل لها بل ويتوجّب عليها أن تجاري التطورات المتسارعة في العالم الكلّي (الحقيقي والإفتراضي). والأنظمة تدرك جيداً أنّ المواطن العربي في جيل العصر الرقمي الجديد سيتمتع بقوة وقدرة على المراوغة لم تعهدها من قبل في الأجيال السابقة التي تعودت على ترويضها. وكونها جزءاً من الشعب العربي، وتعرف أنَ التغيير حتمي، فمن المنطق أن يكون بالتوافق و التنسيق التام مع رغبة الشعب، والاّ مزيدٌ من التشتت و الإندثار لا سمح الله تعالى.
التطورات المثيرة والمقلقة التي قد يحملها مستقبل العصر الرقمي الجديد، قد يترك البشر بأسئلة أكثر من الإجابات. ولا يزعم كاتب المقال إمتلاكه الإجابات الكاملة لكثير من الأسئلة في الوقت الحاضر، وليس مطلوب منّا ذلك! ولكن هذه هي الفكرة، نحن في أفضل حالاتنا عندما نسأل “كيف ذلك وما التالي؟”، ذلك يُحفّز التفكير! وهكذا تأتي الإجابات تدريجياً وفي الوقت الناسب… المصدر: “رأي اليوم”.




