العـقـليــة العـربـيــة المُـقـدِّســة
خاص “المدارنت”.


كتب د. محمد الحسامي... إن القدسِيات والقداسات والمقدّسات الزائفة، بمختلف أسمائها ومسمياتها وأشكالها وأنواعها وصورها ومنابعها وحالاتها وماضيها وحاضرها ومظاهرها ونتائجها الكارثية الوخيمة على الأمة، أفراد وجماعات وكيانات، أكانت تخصّ وتختصّ بالفرد أو الجماعة أو الايديولوجية أو المنطقة الجغرافية التي يتم وتتم تقديسه/تقديسها من قبل العقلية العربية، تعتبر من أهم وأخطر الإشكاليات العديدة والكثيرة والمتنوعة، التي تعاني منها العقلية العربية، كصورة من صور الوعي التقديسي الفردي والجمعي الاجتماعي عموما، والنخبوي منه على وجه الخصوص، ماضيا وحاضرا، تعوّقها عن التحرر والتحرير والخلاص والتخلص منها والكفر البواح بها.
تلك القدسيات والقداسات والمقدسات الزائفة، تعتبر من ضمن تلك الأشياء التي شكلت ذلك الوعي للأمة، ألا وهو وعي التخلف ووعي الظلامية (الوعي التقديسي)، الى جانب شيء مهم، وهو تلك المفاهيم الخاطئة والمقلوبة للحياة برمتها، ولكل ما يتصل بها، وشكل ذلك الوعي وفقا لها وعلى أساسها وفي إطارها وتحت رعايتها وفي كنفها.
ذلك الوعي المتجذر في الشخصية الفردية والشخصية العامة (الجمهور)، والمتحكم بها والمسيطر عليها والمسير لها في جميع الأمور الحياتية المختلفة، وفي جميع جوانبها ومناحيها ومستوى كل الأصعدة لها.
ذلك الوعي، اذا أردنا بأن نتخلص منه ونتحرر خلاصا وتحررا حقيقيا، فإنه ليس أمامنا إلا القيام بعملية تفكيكية – إحلالية له، تفكيكية لمكوناته المتخلفة. وأهمها تلك القدسيات الزائفة، وتلك المفاهيم الخاطئة والمقلوبة، وإحلالية بديلا لها وبدلا عنها تلك القدسيات الحقيقية، وتلك المفاهيم الصحيحة والسوية.
كل ذلك، لا يمكن له بأن يكون ويصير ويصبح واقعا ملموسا ومعاشا، إلا عبر القيام أولا بثورة فكرية تنويرية، قبل أن تكون حداثية، تستهدف ذلك الوعي. وأهم شرط للقيام بتلك الثورة الفكرية، هو الشعور والإحساس شعورا وإحساسا حقيقيا من قبل من يتولون القيام بها، بالحاجة الماسة والضرورية لها، وعيا قبل سلوكا، وبأننا كأمة في أمسّ الحاجة إلى تلك الثورة، التي تخرجنا جميعا كأمة، أفرادا وجماعات ومجتمعات وشعوب، مما نحن فيه وعليه، ومهمة القيام بها في الدرجة الأولى تستدعي وتتطلب وجود نخبة ما تقوم بها، شرط أن تشعر تلك النخبة وتحسّ بالحاجة الماسة والضرورة القصوى لها، وعيا ووجدانا، ومن ثم القيام بها، بما يتطلبه ذلك من توفر للظروف الموضوعية لذلك، ذاتية خاصة بتلك النخبة، وغير ذاتية، خاصة بالآخر المعني بالأمر من تلك الثورة الفكرية التنويرية.
فالحاجة هي وعي النقص كما يقول الفيلسوف الألماني هيجل.. وعليه: إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو :من أين تبدأ تلك الثورة الفكرية التنويرية؟
من وجهة نظري الشخصية المتواضعة، وبحسب الأرضية المعرفية المتواضعة التي أزعم بأنني امتلكلها، أرى بأن البداية لتلك الثورة، لا بد أن تكون في الأساس وتقوم على تفكيك ذلك الوعي واللاوعي الجمعي الاجتماعي عموما، والنخبوي منه على وجه الخصوص، عبر القيام بسلسلة من العمليات التفكيكية المتتالية والمتتابعة والمتزامنة، مع مراعاة الظروف الموضوعية لما يترتب على تلك العملية التفكيكية وما ينتج عنها، وقبل كل ذلك، وجود البديل القادر على الإحلال محلها، عبر عملية إحلالية متزامنة ومترافقة مع تلك العملية التفكيكية.
بمعنى أن تكون عملية تفكيكية وعملية إحلالية، ترافقها وتكون بديلة لها في نفس الوقت. بحيث تشكل أخيرا وعيا تنويريا، عبر سلسلة من العمليات المتتالية والمتتابعة لتنوير الوعي.
ويمكن القيام بذلك، بواسطة وسيلتين هما:
الوسيلة الأولآ: تفكيك تلك القدسيات الزائفة
وذلك، عبر القيام بتفكيك قداسة العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، تلك العادات والتقاليد والأعراف التي اكتسبت قدسيتها تلك، من خلال تجذرها في الوعي الجمعي الاجتماعي عبر قرون من الزمن، وانتقلت من جيل إلى آخر، وتوارثت عبر الأجيال المتلاحقة، من دون أن يلتفت إليها أحد، لا بالنقد الإيجابي أو السلبي، مما جعلها أخيرا تكتسب قدسيتها تلك، وتدخل في خانة المقدسات، وينظر إليها من خلال تلك القدسية، وينظر إلى من يحاول المساس بها، إما بالنقد أو المناقشة حولها، أو حتى مجرد التفكير في ماهيتها ومصدرها وأثرها، باعتباره مسّاً لقدسيتها تلك، بما يترتب على ذلك من عقوبات عليه.
وما كان لها بأن تكون كذلك، لولا الاستغلال السيء للمعتقدات الدينية لأفراد المجتمع، عبر ربط تلك القدسية بقداسة المعتقد، باعتبارها جزءا منه ومكونا أساسيا من مكوناته، ومن خالفها يعتبر مخالفا لذلك المعتقد الديني، بما يترتب على ذلك من آثار على من يقوم بذلك وبما ينتج عنه.
الوسيلة الثانية: تفكيك المفاهيم والمصطلحات الخاطئة والمقلوبة في الوعي الجمعي الاجتماعي
تلك المفاهيم والمصطلحات الخاطئة والمقلوبة، التي شكلت الوعي الجمعي الاجتماعي عبر قرون، والتي تحولت مع مرور الزمن وبفعل عوامل عديدة ومتنوعة، لعل أبرزها وأهمها، تلك العوامل الاستبدادية والاستعبادية والتسلطية والطغيانية من قبل تلك السلطات الاستبدادية.. إلخ، المتعاقبة عبر التاريخ وحتى يومنا هذا، وذلك لكي تحافظ على بقائها واستمراريتها وديمومتها، ومن أخطر الأمور التي أدت إلى تفاقم أمرها والرضى بها والقبول وحتى التسليم بها باعتبارها قضاء وقدرا إلهيا، لا مجال للإنفكاك عنها أو رفضها ومعارضتها ومجابهتها ومقاومتها والتصدي لها، كل ذلك ما كان له بأن يحدث ويصير، لولا الشرعنة الدينية لتلك الأعمال والتصرفات من قبل تلك السلطات، والذي كان لفقهاء السلطات والسلاطين الدور المهم والأساسي في ذلك. بحيث أصبح مجرد التفكير بمحاولة تصحيح تلك المفاهيم والمصطلحات الخاطئة والمقلوبة، ومحاولة إعادتها إلى المسار الصحيح لها، أمرا غير مقبولا بل ومرفوضا، ليس من قبل تلك السلطات، التي ترى في ذلك خطرا جسيما يهدد بقائها ووجودها، إنما كذلك من قبل معظم المعنيين بالأمر من العامة، ومن فئة ليست بالقليلة مما تسمى النخبة، وذلك بفعل وعي التخلف، ووعي الظلامية المسيطر عليهم والمتحكم بهم، وعيا وفكرا وعقلا، سلوكا وعملا.
الخلاصة :”ثورة فكرية تنويرية عنقودية، تتفجر في شتى النواحي، لتشكل منطلقات متوازية، تحفظ التوازن وتحافظ علي وحدة الصف، بقاسم مشترك عاقل، مراعيا الفوارق والخصوصيات، حيث لا تشكل عوائق في طريق الثورة والتغيير المستمر، مع مراعاة أولويات الهدم والبناء في حالات الترميم والإحلال، على أن يكون الإنسان الفرد أولا، حرية وكرامة وحقوقا ومساواة وعدالة وإخاء، هو وسيلتها والهدف منها وغايتها المرجوة.
بكم يتجدد الأمل.. ويتحقق.



