مقالات

“العقد الاجتماعي” الصادر عن “مجلس سوريا الديموقراطية” تحت المجهر!

محمد علي صايغ/ سوريا

خاص موقعيّ “المدارنت” و”ملتقى العروبيّين”

.. عندما تضعف الأمم أو الدول، تزداد أطماع الدول الأخرى الأقوى في فرض الهيمنة عليها واستغلالها، ويزداد التنافس في فرض النفوذ وتقسيمها وتمزيقها..
منذ عقدين تقريباً؛ طرحت (وزيرة خارجية أميركية سابقة) كونداليزا رايس/ ومن ورائها الإدارة الأمريكية، رؤيتها للشرق الأوسط الجديد في إعادة إنتاج جديد للخرائط في المنطقة العربية وما حولها، بديلا عن “سايكس/ بيكو” الذي استنفذ زمانه وأغراضه..
ورغم كل الصراعات والحروب الجارية اليوم وتداخل الملفات وتعقيدها، فلا تزال الإدارة الأمريكية/ الغربية؛ تدفع تلك الصراعات نحو تحقيق مخططاتها في إثارة النعرات الطائفية والإثنية، والدفع بها نحو مزيد من التناحر وبلورة الاصطفافات المناطقية؛ تمهيداً لعمليات تقسيم الدول وتجزئتها، وفرض واقع جديد أو سلطات الأمر الواقع المرتبطة بأجنداتها ومصالحها..
ويعتبر ما يطلق عليه “القضية الكردية” في العراق وسوريا، وتجذير الصراع الشيعي/ السنّي نموذجا لهذا التوجه الأمريكي/ الغربي، بخاصة بعد سنوات عديدة من الحرب والاحتراب؛ وإطلاق العنان لمفاهيم دينية وطائفية وأقلوية؛ باتت تطغى على الكثير من وسائل الإعلام في منطقتنا ودولنا، وتسويقها بشكل مركز ومكثف مع دعم تلك الأقليات بعناصر القوة والدعم لفرض تغييراً ينسجم ويتطابق مع رؤية ومصالح ومخططات الإدارة الأمريكية.
ويأتي العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية “المعدل” الذي صدر عن مجلس سوريا الديموقراطية، وجناحها العسكري قوات سوريا الديموقراطية (مَسد/ قَسد)، وما تضمنه هذا العقد الاجتماعي من مفاهيم ومواد ليصب في هذا الاتجاه..
وحتى لا يكون الموقف من العقد الاجتماعي عاماً؛ ويستند إلى استنتاجات تحليلية غير واقعية، لا بد من التوقف عند مفاهيم ونصوص المواد الواردة في نصّ وثيقة العقد الاجتماعي المعدل، وصولا إلى تفنيد هذه النصوص والمآلات التي يراد تحقيقها من وراء تطبيقه وتنفيذه..
1 – مفهوم العقد الاجتماعي، يتلخص في إيجاد معادلة موضوعية بين الحاكم والمحكوم, ووضع إطار لتنظيم العلاقة بينهما, وصولاً إلى إقامة مجتمع منظم وفق قواعد ثابتة، أي هو العقد الذي التف حوله المجتمع بكافة قواه السياسية والمدنية لتأسيس كيانهم السياسي،
في حين أن دستور الدولة مجموعة القواعد الأساسية التي تنظم العلاقة بين مختلف سلطات الدولة، وتحدد اختصاصاتها وطرق ممارستها للصلاحيات المخولة إياها وتحديد آليات عملها, وتحديد الحقوق والواجبات للمواطنين وكيفية الوصول إليها وتنفيذها مع ضمانات حماية هذه الحقوق والحريات. وتبعاً لذلك فإن العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية؛ يختلف تماماً عن العقد الاجتماعي كاصطلاح ومضمون، إذ هو دستور بكافة أركانه وقواعده، ويتضمن خصائص دستور أيّ دولة مستقلة، له مقدمة (الديباجة)، ومبادئ أساسية، وفصل حقوق وحريات، وفصل للمؤسسات المختلفة بما فيها مجلس شعب ومجلس تشريعي ومؤسسات أخرى عديدة، ثم أحكام انتقالية..
ويبدو أنه قد لجأت هذه القوى الكردية إلى طرحه باسم العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية؛ لعدم نضج الظروف لطرحه كدستور، لما قد يثير حالياً من إشكالات محلية وإقليمية ودولية. ولكن مجمل نصوص العقد الاجتماعي المعدل تشير بوضوح إلى مشروع تأسيس دولة بكافة أركانها وشروطها.
2 – تعتبر السيادة من أهم صفات السلطة, ووجود الإقليم والشعب ليس كافيا لسيادة الدولة ووجودها، فلا بد من سلطة سياسية كهيئة حاكمة تضمن سلامة الدولة واستقلالها واستقرارها، وأمنها وأمانها، وقدرتها على سنّ القوانين التي تحترم المواطنين بما يحقق العدالة والمساواة. في حين أن العقد الاجتماعي “المعدل” وإن قرر أن مقاطعات الإدارة الذاتية جزء من سوريا الديموقراطية، تقوم على نظام ديموقراطي في شمال وشرق سوريا، واتفاق مكونات مجتمع الإدارة الذاتية الديموقراطية مع إرادة بقية المكونات السورية؛ لتكون ضمن سوريا الديموقراطية. فإن هذا العقد الاجتماعي لم يتطرق إلى شكل العلاقة التي تربط الحكم الذاتي بالدولة السورية، أو آليات وحدود العلاقة مع الحكومة السورية.
3 – في العقد الاجتماعي الجديد، تم تحديد التسمية للإدارة الذاتية بإسم ”إقليم شمال وشرق سوريا”؛ بإدارة الإدارة الذاتية الديموقراطية، وأن شكل نظام الحكم هو النظام “الكونفدرالي”.
وهنا لا بد من التوقف عند مفاهيم اللامركزية الإدارية، الإدارة الذاتية الديموقراطية، والاتحاد “الفدرالي”، والاتحاد “الكونفدرالي”.
اللامركزية الادارية: تقوم على اعتراف السلطة المركزية بوجود مصالح محلية متمايزة عن المصالح العامة للدولة؛ يجب مراعاتها، ووجود سلطة مركزية؛ تقوم بالإشراف على الإدارات المحلية، مما يستدعي اكساب السلطات المحلية شخصية معنوية خاصة؛ تقوم على الانتخاب الشعبي، وتمتعها بالاستقلال المالي والإداري.
الإدارة الذاتية: مفهوم غير واضح, ومصطلح لا يوجد له مدلول قانوني في القانون الدولي, إذ لا يوجد في القانون الدولي مُسمّى الإدارة الذاتية. ويعتبر لدى بعض المنشئين الأوائل لهذا المصطلح نوع من الادارة المحلية ضمن قانون الادارة المحلية للسلطة المركزية في الدولة. كما أن مفهوم الادارة الذاتية الديموقراطية مفهوم غامض ومبهم حتى لدى الاحزاب الكردية السورية التي أعلنت عن العقد الاجتماعي.
ومع ذلك فقد تعددت رؤى الاحزاب الكردية للإدارة الذاتية؛ حيث أن “حزب يكيتي” يعتبرها نوعًا من “الفيدرالية”؛ تيمناً بـ”كردستان العراق”, بينما “الحزب الديموقراطي التقدمي”، يعتبرها نوع من الادارة المحلية ضمن قانون الادارة المحلية السوري, في حين “حزب الوحدة” يعتبرها نوع من الادارة اللامركزية التي تعتمد على إدارة المناطق الكردية من الشعب الكردي، ولو كانوا ذوي أكثرية عربية لأن القضية قضية شعب وأرض.
الاتحاد الفيدرالي: هو اندماج مجموعة من الدول أو الولايات في دولة واحدة؛ حيث تفقد هذه الدولة أو الولايات شخصيتها, ولا يصبح لها سيادة مستقلة. وتصبح دولة الاتحاد السلطة الأعلى على الولايات المكونة لها, وتكون مسؤولة عن كافة الشؤون الخارجية والجيش والدفاع في السلم والحرب، وبعضاً مهماً من الشؤون الداخلية التي تديرها حكومات محلية تعمل تحت إشراف حكومة مركزية واحدة لدولة الاتحاد.
الاتحاد الكونفدرالي: وهو اتفاق يتمّ بين دولتين أو أكثر في مجالات متعددة؛ مع احتفاظ كل دولة بسيادتها واستقلالها. فالدول المنضوية تحت الاتحاد؛ لا تفقد شخصيتها ولا يترتب على “الكونفدرالية” قيام شخصية دولية جديدة في الساحة الدولية. ويعتبر مواطني كل دولة من دول الاتحاد أجانب بالنسبة للدولة الأخرى. ولكل دولة سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية. ويمكن لكل دولة الانسحاب من الاتحاد.
ومن مقارنة المفاهيم السابقة؛ نجد أن العقد الاجتماعي السابق يتطابق مع الاتحاد “الفيدرالي”، في حين أن العقد الاجتماعي الحالي “المعدل”؛ يعتمد الاتحاد “الكونفدرالي” الذي يعطي إقليم شمال وشرق سوريا كل أركان الدولة المستقلة، وبما يوضح بشكل جلي أن الإدارة الذاتية الديموقراطية جسم انفصالي عن الدولة السورية.
4 – العقد الاجتماعي السابق كان يحتوي على ثلاثة أقاليم: عفرين، الجزيرة، والقامشلي، بينما في العقد الحالي، يتكون الإقليم من سبعة مقاطعات: الجزيرة، دير الزور، الرقة، الفرات، منبج، عفرين و الشهباء والطبقة، وأغلب هذه المقاطعات ذات أغلبية عربية، وهم يصرّون على أنهم “شعوب” شمال وشرق سوريا، ويزعمون أنهم متفقون أو متوافقون مع بقية الأقليات الأخرى ضمن الإقليم، ثم يؤكدون على: ”نحن شعوب شمال وشرق سوريا”، ويصرون على علم وشعار وقسم خاص.
علاوة على ذلك؛ فإن العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية يعتبر انضمام كل المكونات التي حددوها في عقدهم/ دستورهم أمر محسوم ضمن إطار الادارة الذاتية الديموقراطية من دون أخذ رأي أياً من تلك المكونات؛ بما يفرض على تلك المقاطعات القبول بعملية قسرية لا ديموقراطية, وترسيخ لأمر واقع تم تحديده بناء على أوهام تاريخية أو تمدد جغرافي, واستغلالاً للوضع الهشّ في الدولة السورية ضمن ظروف الازمة الراهنة.
5 – يعتمد العقد الاجتماعي الحالي على مبدأ “التوافق” في القرارات التي تمسّ المكونات.. وبالتالي، لا يصدر أي قرار أو حتى قانون داخل الإقليم أو على مستوى الدولة السورية، إلا بالتوافق “بما يعني بالمحصلة عدم الوصول إلى قانون أو قرار”، أيّ كما يجري بلبنان بما يعرف بـ”الثلث المعطل”.
وهم بالمقابل داخل الإقليم فإن المكونات “غير الكردية”، يكون تمثيلها حسب ديموغرافية المقاطعات (أي حسب التشكيل السكاني لمكون ما وثقله وحجمه)، أيّ ضمن العقلية الإثنية، وليس على أساس المواطنة المتساوية.
6 – يعتبرون الدفاع عن الإدارة الذاتية حق وواجب تجاه أي خطر داخلي أو خارجي، استناداً إلى نظامهم “الكونفدرالي”، (بينما في الاتحاد “الفيدرالي” مثلا؛ يكون رد الأخطار الخارجية والداخلية المحدقة بالاتحاد من صلاحيات المركز وليس لأي إقليم من الأقاليم). كما ينصّ العقد الاجتماعي على أن تحرير الأراضي المحتلة؛ وعودة أهلها إلى مناطقها مسؤولية الإدارة الذاتية (طبعا المقصود هنا عفرين). أيّ ليس من مسؤولية الدولة السورية في حال قيام “الكونفدرالية” (لا سمح الله).
7 – الغريب حقاً أنه في العقد الاجتماعي الحالي؛ وجود نصّ خاص بالديانة الأيزيدية وحمايتها والحفاظ عليها من دون بقية الديانات؟! وكأن باقي الديانات درجة ثانية، والتركيز على الديانة الأيزيدية يثير الكثير من التساؤلات..
8 – هناك مؤسسات متعددة وكثيرة في العقد الاجتماعي الحالي ومحدد؛ لكل منها صلاحياته، ومن ضمن المؤسسات: قوات حماية المجتمع، وقوات سوريا الديموقراطية  الجيش)، ووحدات حماية المرأة، وجهاز المخابرات الوطني، وقوات الأمن الداخلي، وهناك أيضا مكتب خاص للنقد والمدفوعات المركزي وغيرها..
والجيش والمخابرات الوطنية والنقد الوطني، لا تكون إلا من اختصاص مركز الاتحاد في الاتحاد “الفيدرالي”، أو في اللامركزية الإدارية السياسية، بينما عقدهم الاجتماعي يثبت مشروع دولة بكل خصائصها؛ بما ينسجم مع تبنيهم شكل حكم الاتحاد “الكونفدرالي”..
وتأكيداً على استقلالية سلطات الإدارة الذاتية؛ فقد منحها العقد الاجتماعي/ الدستور صلاحيات واسعة تنفيذية وتشريعية وقضائية، كإصدار العفو العام وإعلان حالة السلم والحرب والقيام بأعمال الديبلوماسية  بين الدول (سفارة)، وإعلان حالة الطوارئ، الخ…
9 – لا يتحدث العقد الاجتماعي المعدل؛ عن العلاقة التي تربط  الإدارة الذاتية أو إقليم شمال وشرق سوريا مع بقية الأقاليم أو مع مركز الاتحاد “الكونفدرالي”، ولكنه أشار بنصّ عام واحد وهو: يحدَّد شكل العلاقة في جمهورية سوريا الديموقراطية فيما بين الإدارة الذاتية الديموقراطية لشمال وشرق سوريا مع المركز والمناطق الأخرى على جميع المستويات وفق دستور ديموقراطي توافقي.
وكما أشرنا سابقًا؛ فإن أي قرار أو قانون يحتاج لموافقة الثلث المعطل، الذي يمثله إقليم شمال وشرق سوريا.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو: من فوض تلك القوى الكردية على إدخال كافة الإثنيات والقوميات الأخرى؛ ضمن الحدود التي فرضوها فرضاً, وعلى أي أساس افترضوا أن تلك المقاطعات قابلة وموافقة على الادارة الذاتية الديموقراطية عبر دستور (عقد اجتماعي) تمّ إنشاؤها بشكل منفرد.
10 – ثم يطرحون بالعقد الاجتماعي تبنيهم لنظام ديموقراطي بيئي، من دون توضيح ما هو هذا النظام الديموقراطي البيئي، وعلى أيّ مرتكزات أو محددات يقوم هذا النظام؟!..
11 – ينصّ العقد الاجتماعي الحالي في “المادة 133” على أن هذا العقد الاجتماعي قابل للتعديل في حال تمّ التوافق على دستور ديموقراطي في سوريا.
أي أن تعديل العقد الاجتماعي؛ له حالة تعديل واحدة فقط؛ وهي إذا تم (التوافق) على الدستور السوري العام. وإذا لم يتم التوافق على دستور توافقي، يتجاوز إرادة الأغلبية التصويتية للشعب السوري.. هل سوف يعملون على إعلان الانفصال عن الوطن السوري وإعلان دولتهم المستقلة؟!
12 – وأخيرا؛ وكما يبدو فإن هذا العقد الاجتماعي جاءت صياغته من قبل “مجلس سوريا الديموقراطية”، ومن ورائها “قوات سوريا الديموقراطية”، من دون وجود أو إشراك لبقية القوى الكردية، ولا حتى إشراك المكونات الأخرى العربية أو السريانية أو الآشورية وغيرها.. وهم يعملون على فرضه بالقوة وبسلطة الأمر الواقع المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية ودول التحالف الغربي.
13 – وختاماً.. يمكن القول بأن حق تقرير مصير الأكراد في سوريا، مرتبط بحق تقرير مصير مشروع الأغلبية في سوريا, وبأنه عندما تنجز الأغلبية مشروعها في الدولة/ الأمة, فإن من حق الأكراد أن يقرروا مصيرهم إما بالبقاء في الدولة/ الأمة،  متمتّعين بكافة الحقوق والواجبات كمواطنين متساوين, أو تقرير مصيرهم بإرادتهم الحرة، وإلا فإن كل مكون يبقى مفتوحاً أمامه طريق إنشاء دولته الخاصة به، وتحويل سوريا إلى دول وكانتونات لا حصر لها.
ونعود إلى المقدمة لنقول: إن طرح العقد الاجتماعي لإقليم شمال وشرق سوريا، ورفع السقف إلى ما يتطابق مع تأسيس دولة مستقلة؛ قد يكون لأحد اعتبارين:
1 – إما أن هذا المشروع قد تمّ بإيعاز واضح من الإدارة الأمريكية، انسجاما مع المخططات الأمريكية في تقسيم المنطقة، ومنها تقسيم سوريا إلى دول متعددة؛ بعد أن تم إيصالها إلى وضعية الدولة الفاشلة.
2 – وإما أن رفع السقف كثيراً من أجل التفاوض على عدم إنزال سقف مطالباتهم – تحت أي اعتبار – عن نظام الاتحاد “الفدرالي”، تمهيدا للانتقال لاحقا إلى تأسيس دولتهم المستقلة؛ وفق حلمهم الذي جسّدوه في عقدهم الاجتماعي الأخير..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى