العقلية العربية النخبوية الحاضرة بين “الايديولوجيات” والواقع!

خاص “المدارنت”..
لكل جماعة من الجماعات ايديولوجيتها الخاصة, وبخاصة في المجتمعات غير المتجانسة اجتماعيا, دينية كانت تلك الايدلوجية (مذهبية, مللية, نحلية, سواء في إطار الدين الواحد أو تعدده في نفس المجتمع) أو غير دينية (عرقية, اثنية, قومية..إلخ)
تلك الايديولوجية هي التي تحدد العلاقة بين أية جماعة وأخرى, سواء كانت تلك العلاقة إيجابية أو سلبية (الوعي النمطي تجاه الآخر في إيجابيته أو سلبيته)..
ذلك الوعي النمطي بثقافته وبعقليته وبأفكاره النمطية, ومن ثم بسلوكياته وتصرفاته وممارساته الفعلية على أرضية الواقع المعاش والملموس للجماعات المتجذر فيها والمسيطر عليها والمتحكم بها ويحكمها, عمليا لا لفظيا وقوليا, هو الذي يحدد تلك الايديولوجية من حيث إيجابيتها أو سلبيتها..
وإذا نظرنا وتمعنا وبعمق إلى ما نحن فيه.. وعليه.. في واقعنا المعاش وبحيادية وبتجرد من كل الثقافات العصبية المقيتة وبنظرة إنسانية أخلاقية، لوجدنا أن ذلك “الوعي النمطي السلبي”(ايديولوجية الجماعة)، متمثلا بالصورة النمطية السلبية تجاه بعضنا البعض بما هو عليه من سمات وخصائص ومظاهر، والتي أشرنا إليها سابقا ضمن هذه السلسلة، متفشيا ومتجذرا في واقعنا المعاش، وعيا وسلوكا، قولا وعملا، وبأننا جميعا ومن دون استثناء محرومين من أبسط الحقوق الإنسانية وموصومين وموصوفين بأبشع الأفكار والصور والكلمات والعبارات والاوصاف السلبية من قبل بعضنا البعض، وبأن ما نحن فيه.. وعليه.. – إذ أن ذلك ليس خافيا على أحد منا ولا يحتاج هنا إلى الشرح والتوضيح- إنما ذلك يتجسد وبصورة واضحة ويومية في حياتنا ومعيشتنا اليومية وسلوكنا وتصرفاتنا، ذلك الواقع الذي نعيشه ونعانى منه ونتجرع ويلاته وأوجاعه وآلامه ونحلم بتغييره.
إن الحكم على أي جماعة من الجماعات لا يتم وفقا لما تعتقده هي وتقوله عن نفسها.. بل من خلال النظر إلى الواقع الذي تعيشه، وذلك من خلال النظر إلى التناغم أو التنافر بين ذلك الاعتقاد والقول وبين ماهو على أرض الواقع الذي تعيشه, ممارسة وتصرفا وسلوكا يوميا لا قولا, سواء داخل الجماعة نفسها أو مع غيرها من الجماعات الأخرى في إطار المجتمع الواحد أو خارجه..
اذ أن هناك فرقا كبيرًا، وكبيرًا جدًا، بين ان نسقط الواقع على الايديولوجية التي نتبناها وننظر إليها ونتعامل معها وفقا له ومتطلباته..
وبين ان نسقط الايديولوجية التي نتبناها على الواقع وننظر إليه ونتعامل معه وفقا لها ومتطلباتها…
فليس عيبا بأن تندثر تلك الايديولوجية.. وتصبح تاريخا، إذ ان لكل مرحلة زمنية ايديولوجيتها الخاصة بها، ولكل مجتمع ايدلوجيته الخاصة به، تتناسب مع تطوره وفقا لحاجاته وحاجياته وإحتياجاته، تعبر عنه في كل مرحلة زمنية تطورية يمر بها..، فهذه سنن الله في ذلك..
لكن العيب كل العيب ان يظل المؤمنون بها يجترونها في وعيهم وأفكارهم وعقلياتهم، ومن ثم أقوالهم وأفعالهم وسلوكياتهم وتصرفاتهم بإعتبارها نصوصا مقدسة، لا يجوز المساس بها، نقدا أو إلغاء، متناسين التطور الزمني والحاجياتي والاحتياجاتي للمجتمعات البشرية، ومن دون ان يفكروا ولو مجرد تفكير في مراجعاتها، تطوريا أو تبديلا، ويكونوا في هذه الحالة قد حكموا على ما تبقى منها.. بالاندثار، وحكموا على أنفسهم في العيش، وعيا ووجدانا، في صنميتها… بعيدين كل البعد عن الواقع الزمني والمكاني الذي يعيشون فيه..
وإذا ثبت ملاءمة ايديولوجية ما من الايديولوجيات لمجتمع من المجتمعات، فليس ذلك دليلا على أنها تكون ملائمة لمجتمع أخر، حتى لو كان ذلك المجتمع يتوافق مع درجة تطوره مع الأخر، فلكل مجتمع خصوصيته النفسية والثقافية والعقائدية والدينية، فما الحال إذا كان هنالك فارقا كبيرًا، وكبيرًا جدًا، بين درجة التطور لذلك المجتمع وذاك…
فما الايديولوجية الحقيقية، إلا تلك التي تكون نابعة من المجتمع ذاته، مصدرا لها، تعبر عنه وتتوافق وتتناسب مع درجة تطوره واحتياجاته وحاجياته، تتطور مع تلك الحاجات والاحتياجات..
إن هذا لا يعني الرفض المطلق لتلك الايديولوجية أو تلك، بل إنه يمكن الاستفادة من تلك.. وتلك.. أو تلك.. ولكن في بعض منها بما يتناسب ويتوافق مع الواقع الاجتماعي للمجتمع ودرجة تطوره.. أما النقل النصّي والحرفي الكامل لها، فهذا مالا تقبله صيرورة المجتمعات البشرية في أي مرحلة من مراحلها التطورية…
وذا نظرنا إلى العقلية العربية الحاضرة الخاصة بالمؤمنين بالايديولوجيات المختلفة، لوجدنا بأنها جميعها تتبنى تلك الايديولوجيات نصًا حرفيًا مقدسًا، سواء تلك التي اندثرت في مجتمعاتها الأصلية التي نشأت فيها وترعرت، وكانت مصدرًا لها ومنبعًا، أو تلك التي نشأت وترعرت في مجتمعنا العربي في فترات زمنية سابقة، ولم يتبقى منها إلا الأثر القليل كممارسة واقعية على أرضية الواقع المعاش والملموس، وتحولت فيها إلى صنمية ايديولوجية متحجرة بكل سماتها وخصائصها ومظاهرها، وبكل نتائجها الكارثية والوخيمة على الأمة، تؤمن بها، رافضة رفضا تاما تطوريها وتطورها عبر مراجعتها مراجعة نقدية علمية منهجية، وفقا للمنهج العلمي المتبع في دراسة صيرورة المجتمعات البشرية وتطورها وفقا لتطور حاجياتها وحاجاتها وإحتياجاتها.. ووفقا لزمنية ذلك كله، فما بالها بالاعتراف بفشلها..
تلك الصنمية الايديولوجية.. التي تعتبر مظهرا من مظاهر وعي التخلف المقدس.. الذي أفرزها مع غيرها من المظاهر والظواهر الأخرى..
ومن دون الدخول في جدلية التعاريف المختلفة، لغوية كانت أم اصطلاحية لكلمتيّ “الصنمية” و”الايديولوجية”.. وكذلك التعاريف المختلفة الأخرى، فإنني أستطيع شخصيا، ومن وجهة نظري الشخصية المتواضعة وبحسب الأرضية المعرفية المتواضعة التي أدّعي بأنني أمتلكها، ونتيجة لما اعانيه شخصيا جراء ذلك، بأن أعرف الصنمية الايديولوجية كما يأتي:
هي تلك الحالة الاعتقادية الإيمانية، قناعة وتسليما وقولا وعملا وتصرفا وسلوكا، من قبل فرد أو جماعة أو فئة أو طائفة أو حزب، بتلك الايديولوجية التي يعتنقها وينتمي إليها “دينية كانت أم غير دينية”، مذهبية كانت أم حزبية، قومية كانت أم أممية، ممثلة برموزها وجماعاتها والمنتمين إليها والمؤمنين بها، والتي يكون مستعدا للتضحية في سبيلها وافناء حياته في سبيلها من دون البحث عن صوابيتها من عدمه، ومن دون القبول بالحديث والتحدث عن سلبياتها، فهي هالة مقدسة بالنسبة له لا يجوز المساس بها والتعدي عليها والتعرض إليها بأي مكروه من وجهة نظره الخاصة، حتى لو اندثرت وأصبحت أثرا بعد عين، وحتى لو أثبتت الشواهد التاريخية فشلها وعدم ملائمتها للواقع والوضع الراهن، إلا أنها تظل متجذرة في ذلك الوعي وتلك المعتقدات والأفكار رفضا لأيّ محاولة من شأنها تطويرها وتعديلها، عندئذ وحينئذ وساعتئذ ووقتئذ يكون من الصعوبة بمكان إخراج حامليها والمؤمنين بها مما هم فيه.. وعليه.. وما كان لذلك بأن يكون ويحصل ويتم، لولا الجمود والتحجر الذي أصاب حامليها والمؤمنين بها بما ينتج عنها من معاداة الآخر الغير منتمي إليها، وغير المؤمن بها، ومحاربته بل قد يصل الأمر إلى القضاء عليه متى ما كان ذلك ممكنا ومتاحا، من دون أن يشفع له أي رابط يربطه مع حاملي ومعتنقي تلك الايديولوجيات، أسريا كان أم عائليا أم عشائريا أم مناطقيا وجهويا أم دينيا أو مذهبيا..الخ، بمعنى أن الرابط الإنساني هنا ينعدم انعداما تاما لديهم..
والأدهى والأخطر من ذلك، أن تلك الصنمية الايديولوجية ممثلة برموزها وجماعاتها تضحّي أولا بمن ينتمون إليها في سبيل صنميتهم الايديولوجية، من دون أي وازع ديني أو اخلاقي أو إنساني تجاههم…
ووفقا لهذا التعريف، لا سبيل أمامنا جميعا كأفراد أولًا، ونخبا ثانيًا، ومجتمعات وأوطانًا وأمة ثالثًا، إذا أردنا الخروج والتخلص من تلك الصنمية الايديولوجية، وعيًا قبل سلوكا، قولا قبل عملا، إلا العمل وبكل الإمكانيات الممكنة والسبل المتاحة، كل بحسب قدرته وقدراته وإمكانياته ومسؤليته وموقعه وبحسب الأمانة التي ارتضينا بأن نحملها بمحض إرادتنا، على التخلص منها، وعيا قبل سلوكا، قولا قبل عملا، وذلك عبر الإيمان بحرية الإنسان الفرد وكرامته وإنسانيته وآدميته وبأن الحياة قائمة على التعدد والتعددية، (ولقد كرمنا بني آدم) (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا…) صدق الله العظيم.
هذا أولا..
ثانيا: إن أيّ ايديولوجية، لا تكون نابعة من وحي الواقع المعاش لأمتنا، ومعبرة عنه وتحترم خصوصياتها الروحية والمعنوية والمادية في إطار التكامل والتعاون الإنساني الحضاري حاضرا ومستقبلا، مهما كانت إيجابياتها وصلاحياتها للموقع الذي نشأت فيه وترعرعت ونمت، ومهما كانت الحقبة الزمنية التي وجدت فيها، ماضوية ذاتية كانت أم ماضوية وحاضرية غير ذاتية، لا يمكن لها بأن تعبر تعبيرًا حقيقيًا ووفقا للمنهج العلمي التحليلي والواقعي عن أمتنا، إنما يكون ذلك في إطار الاستفادة منها جميعها… وبأن القانون الجدلي للحياة هو التطور والتغيّر والتغيير وليس التحجّر والجمود..
وبأن.. وبأن.. وبأن.. وقبل ذلك كله والأهم من كل ذلك: لن يكون ممكنا ومتاحا ويتمّ ويحصل، إلا إذا شعرنا وأدركنا وأحسسنا بأننا في أمس الحاجة إلى ذلك كله, فـ”الحاجة هي وعي النقص”، كما يقول الفيلسوف الألماني هيجل، يتم كل ذلك كجزء من عملية تفكيكية/ إحلالية لذلك الوعي “وعي التخلف المقدس..”…
يقول الزعيم الراحل جمال عبدالناصر رحمة الله عليه:
“لقد كان أعظم الملامح في تجربتنا الفكرية والروحية، إننا لم ننهمك في النظريات بحثاً عن حياتنا.. وإنما انهمكنا في حياتنا ذاتها بحثاً عن النظريات..”.
ترى أين العقلية العربية النخبوية؟! في وقتنا الحاضر من هذه المقولة، بخاصة اليسارية والقومية منها، وعلى وجه الخصوص.. الناصرية؟!
قال الله تعالى في كتابه الكريم: “.. بلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ..”.
وقال أيضًا على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام مخاطبا قومه: “.. هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون”..
صدق الله العظيم



