مقالات

الغزو الروسي لسوريا.. على الصعيد الانساني.. (الجزء (22).

الكاتب العربي الراحل محمد خليفة/ السويد

خاص “المدارنت”..

 وعلى الصعيد الانساني أكدت المراجع المسؤولة في الأمم المتحدة أن نظام الاسد ما زال يفرض الحصار القاتل وسلاح التجويع على عشرات البلدات والقرى رغم ما تضمنه قرار مجلس الامن 2254 وقرار الهدنة واتفاق ميونيخ وتعهده المسبق بتسهيل وصول المعونات الانسانية للمحاصرين. هذا الخرق بالذات استفز كيري فدعا النظام السوري لـ(التحلي ببعض الأخلاق)! في رد فعل غاضب بسبب تقارير ذكرت أن النظام عرقل وصول المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة بعد بدء تنفيذ اتفاق الهدنة . فقال في تصريح : هناك تقارير تفيد بأن قوات النظام تعرقل وصول بعض المساعدات بل وتقوم بسرقتها!.

وأفادت مصادر محلية أن المساعدات وصلت إلى بلدة معضمية الشام فقط، من بين 18 منطقة محاصرة.

وأضافت أن (الشاحنات احتوت على مواد غذائية وتنظيف , ولم تشمل الأدوية التي يحتاجها المرضى المزمنون).

ووفقاً لأرقام برنامج الأغذية العالمي يعيش 486 ألف و700 سورياً في 18 منطقة تحاصرهم قوات النظام وحزب الله ، منها بلدة مضايا التي تم حصارها لمدة ثمانية أشهر، حيث أدى نقص الغذاء والدواء إلى وفاة  عشرات المدنيين فيها، واستفزت صورهم مشاعر الرأي العام العالمي . وكانت الامم المتحدة  تأمل  بإيصال مساعدات إلى المعضمية ( الاثنين 29 فبراير) ثم المدن الأربع الزبداني وكفريا والفوعة ومضايا (يوم الأربعاء 2 مارس) واخيرا كفر بطنا (يوم الجمعة 4 مارس).

 وصرح يعقوب الحلو منسق الأمم المتحدة  في سوريا إن المنظمة الدولية وهيئات الإغاثة الشريكة تعتزم تقديم مساعدة لإنقاذ أرواح 154 ألف شخص في مناطق محاصرة خلال الأيام الخمسة المقبلة . وأضاف أنه بدون عملية سياسية ذات مغزى, فإن وقف القتال وإيصال المساعدات لا يكفي لإنهاء الأزمة. وأكد الحلو أنه في حال موافقة أطراف الصراع فإن الأمم المتحدة مستعدة خلال الربع الأول من 2016 لايصال معونات لنحو 1.7 مليون شخص في مناطق يصعب الوصول إليها من سوريا.

 جمعة القيامة 

 هكذا مرت الايام الستة الاولى من الهدنة متعثرة, وما إن حل اليوم السابع, أي يوم الجمعة السابق (4 آذار / مارس) حتى حدث ما لم يكن بحسبان أحد, لا النظام وحلفاؤه, ولا الثوار وأصدقاؤهم, ولا دول العالم وخاصة روسيا وايران.

حدثت (القيامة) كما أسماها كثيرون, قيامة الشعب السوري من تحت الرماد والركام والحرائق والخرائب, نهض السوريون أو بالأحرى من بقي منهم في عدد كبير من المدن والبلدات والاحياء المدنية ونزلوا الى الشوارع في يوم الجمعة للتظاهر معبرين عن ارادتهم السياسية بكل حرية, مثلما كانوا يفعلون في الشهور الاولى من الثورة عام 2011, ورفعوا مئات الشعارات واللافتات والصور التي تترجم تطلعاتهم ومواقفهم.. بل ومشاعرهم وأذواقهم واحلامهم, وهي في الغالب تدور حول الحرية والكرامة والتغيير.

دار الزمن دورة كاملة إذن , وعاد السوريون الى الشارع في يوم جمعة أسموه (جمعة ثورتنا مستمرة) وتظاهروا بعشرات الآلاف أو مئاتها, ومن كل الفئات الاجتماعية والعمرية, وجابوا الشوارع في نفس المدن والاحياء التي انطلقت منها الانتفاضة الأولى, قبل خمس سنوات, مدن ريف دمشق, كدوما وداريا وحرستا والهامة, وفي ريف حمص وخاصة الرستن, ودرعا وخاصة بصرى الشام, وأحياء حلب المحررة, ومدنها المقاومة مثل اعزاز  والاتارب ودارة عزة, وادلب, كجسر الشغور واريحا والمعرة وكفرنبل.. بل وفي ريف حماة الغربي والشمالي.

وبينما صدحت مجددا أغاني الثورة التي ابتكرها سميح شقير وابراهيم قاشوش وعبد الباسط ساروت رفع المتظاهرون لافتات كتبت عليها عبارات ذات معان شديدة الاهمية والعمق.. مثل:

لنبدأ الحكاية من البداية: الشعب يريد اسقاط النظام

عاشت سوريا ويسقط بشار الاسد

بالدرعاوي: انقلع!

أبواب الثورة السلمية تفتح من جديد

هدأ القصف قليلا فخرجنا نشكر الله على نعمة المطر .. واسقاط النظام !

الخائن لا يهادن .. إلا في الجولان!

الثورة مستمرة حتى تحقيق اهدافها

إنها ثورة.. لا حرب أهلية

هي ثورة الزيتون عادت روحها .. لم تقتلونا إننا أحياء

سوريا جميلة ولكنها أجمل من دون الأسد!

لسا بدنا حرية

واحد واحد واحد الشعب السوري واحد

لا للتقسيم

حاربوا رأس الارهاب في دمشق

الحرية صارت عالباب

وسجل المراقبون على هذه التظاهرات الملاحظات الهامة التالية:

أولا – إنها خرجت في كل المناطق المحررة , ولم تتعرض لأي قمع أو منع من جانب المنظمات المسلحة التي تفرض السيطرة عليها أو تديرها , بل إن المسلحين وكبار ضباطهم وقادتهم ألقوا أسلحتهم وانضموا للمتظاهرين ساروا معهم وهتفوا بنفس الشعارات .

ثانيا – لم ترفع في جميع التظاهرات وفي جميع المدن والمناطق لافتة واحدة ولم يطلق هتاف واحد بمضمون طائفي أو عدائي, أو انقسامي, بل تميزت الهتافات واللافتات كافة بمضمونها الوطني والسلمي والديمقراطي.

ثالثا – اعادت التظاهرات الاعتبار لمفهوم الثورة السلمية والمدنية , وبددت الكثير من التنظيرات الغريبة والاجنبية التي ادعت طوال أربع سنوات اندثار (الثورة الشعبية) وان الصراع تحول حربا اهلية أو حربا طائفية أو حربا اقليمية, وأن المتطرفين والاسلاميين والرجعيين باتوا يتحكمون بالشارع والمزاج العام ويفرضون منطقهم على الجماهير.

 رابعا – أعاد السوريون التمسك بمطالبهم الاولى, ومبادىء ثورتهم الاصلية وهي اسقاط النظام بكل مؤسساته القمعية الفاسدة وكل رموزه, وبددوا الأقاويل التي روجها النظام وجماعاته زاعمين أن الشعب تعب من القتال والخسائر وبات يريد المصالحة مع النظام بأي ثمن سبيلا لاستعادة الاستقرار والامن والحياة الطبيعية.

خامسا – المناطق المحررة هي المكان الوحيد الذي خرج الناس فيها للتظاهر وتوجهوا الى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام وخاصة في حلب للالتحام ببقية مواطنيهم, فأطلق جنود الاسد عليهم النار لمنعهم من الاقتراب! وهذا ما يثبت أن المناطق الخاضعة لسيطرة النظام أو لداعش أو الميليشيات الكوردية تنعدم فيها الحرية ولا يسمح للجمهور بالتظاهر والتعبير عن مطالبهم بحرية .

سادسا – أرسلت التظاهرات رسالة واضحة للعالم الخارجي وخاصة الدول المؤيدة للنظام وعلى الاخص روسيا وايران اللتين تزعمان أنهما تحترمان ارادة الشعب السوري وتريدان أن تتركا له تقرير مصير الأسد بحرية, وبدون تدخل خارجي.  وقد افصحت الرسالة عن رفض الشعب السوري. ولذلك قيل إن تظاهرات الجمعة الاولى بعد اتفاق وقف الاعمال العدائية احرجت النظام وحلفاءه كثيرا وفضحت زيف دعاويهم عن الشعب السوري. ويبدو ان النظام علم مسبقا بواسطة استخباراته ما يخطط له الناشطون المدنيون في المناطق المحررة فلجأ الى أساليبه القديمة وهي قطع الكهرباء وشبكة الأنترنت  في جميع انحاء سوريا اعتبارا من يوم الخميس خوفا من أن تتمدد التظاهرات الى مناطق سيطرته!

 ويمكن القول بثقة أنه لو اقتصرت ايجابيات (الهدنة) على اتاحة الفرصة للسوريين للتظاهر الحر مرة ثانية والتعبير عن تمسكهم بثورتهم السلمية واهدافهم الاصلية الحرية والكرامة واسقاط النظام لجاز القول إن الهدنة كانت مكسبا حقيقيا وثمينا. ويعتقد أيضا أن المتظاهرين في حلب وادلب وحمص ودمشق ودرعا أرسلت رسائل بليغة الى مواطنيهم  في طرطوس وجبال العلويين والسويداء ووادي النصارى والقامشلي وكل الذين ما زالوا يدعمون النظام أو يتحفظون على الثورة بحجة الخوف من سيطرة الاسلاميين عليها, وجنوحهم الى التطرف الطائفي والرغبة في الانتقام من العلويين والمسيحيين والدروز والاكراد.. إلخ, إذ لم يظهر أثر ولو بسيط لهذه الدعاوي في هتافات المتظاهرين وخطاباتهم التي خلت من أي لغة طائفية أو متطرفة.

لقد سجل السوريون على كل المستويات تحفظات وملاحظات عديدة عن فشل الهدنة في توفير الأمن وحقن الدماء ورفع الحصار أو على الاقل إيصال الغذاء والدواء للمحاصرين منذ عدة سنوات, ولكنهم يجمعون على أنها نجحت في توفيرها فرصة ثمينة ونادرة لهم ليعبروا عن مواقفهم بعد خمس سنوات من الصراع العنيف والمسلح والتدخل الدولي والتهجير والقمع الدموي, وليقولوا للأسد وحلفائه وللعالم: الشعب السوري ما زال يواصل ثورته كما بدأت, ومستمر في نضاله السلمي من اجل الحرية التامة والتخلص من طغيان الاسد, ومتمسك بوحدته ووحدة بلده وأرضه, ويرفض الغزو الروسي والايراني. وما يزال كما كان دائما شعبا متحضرا يرفض التطرف والارهاب والطائفية, وانه لا داعش ولا الاسد يمثلانه.

فهل وصلت الرسالة الى أسماع العالم..؟

في محادثات جنيف المنتظرة سيتبين مدى سماع العالم ومدى استجابته لصوت الشعب السوري.

اتفاق وقف الاعمال العدائية..(فاست فود)!

عندما كتب روجر كوهين قبل اسبوعين في واشنطن بوست (لم يعد ممكنا التمييز بين سياسة أوباما وسياسة بوتين في سوريا) لم يكن الرئيسان قد توصلا الى (اتفاق وقف الأعمال العدائية ) الذي أعلناه الاثنين الماضي (22 فبراير) اثر محادثاتهما الهاتفية التي جاءت بمبادرة من بوتين.. !

 والاتفاق يؤكد مجددا أن “الروسي” ما زال هو الذي يمسك بذراع “الأمريكي الضرير” ويقوده عبر  المنزلقات السورية الخطرة, ويزداد تحكما بالعملية السياسية كنتيجة منطقية لسيطرته الميدانية, ومن الطبيعي أن يفرض شروطه على كل الأطراف: الأمريكيين والاوروبيين والاتراك والعرب, واخيرا السوريين الذين أصبحوا كالأيتام على مآدب اللئام  ما لهم من أمرهم سوى تلقف أي بادرة حسن نية أو فرصة لوقف النار.

وإذا كانت تجربة السنوات الخمس العجاف أظهرت بوتين ثعلبا ماكرا وكاذبا فهي أظهرت أوباما شريكا غبيا. والسوريون أكثر من اختبرهما واختبر مبادراتهم, وهم أول المشككين بجدوى اتفاقهما الجديد. وللأسف فلا أحد منهم يصدق أن بوتين وبشار يريدان وقف النار قبل أن ينجزا بنك أهدافهما السرية, وعلى رأسها ابادة المعارضة بكل اصنافها وأطيافها, وخاصة “المعتدلة” أو تقسيم البلد.

حسب الاتفاق ستبدأ الهدنة عند منتصف ليلة 27 فبراير , والمياه ستكذب الغطاس كما يقول المثل. ولكن والارجح أنه حتى إذا بدأ سينتهك ثم ينهار وذلك لافتقاره للبيئة السياسية الدولية, وهو يثير الشكوك أكثر من التفاؤل كما قالت نيويرك تايمز. وإذا كانت التجارب السياسية فشلت فمن البدهي أن تفشل العسكرية, لا سيما أن روسيا ضمنت إفشاله سلفا باصرارها على استمرار حربها ولو ضد داعش والنصرة, أو(أي  منظمات ارهابية أخرى تحددها الأمم المتحدة). وهو ما يفتح بابا واسعا لاستمرار السوخوي في عملها الروتيني, مع أن قصف (النصرة) وحدها كفيل بإفشال الاتفاق, فكيف والعبارة تضيف منظمات أخرى؟  والنصرة كما نعلم موجودة في كل المدن وقواتها متداخلة في الميادين مع قوات الفصائل الأخرى ويتعذر ضربها دون اصابة هذه الأطراف ناهيك عن المدنيين!.

الاتفاق طبخة شبه سرية جهزها في جنيف عسكر واستخبارات وديبلوماسيون من البلدين خلال اسبوع  تحت ضغط الحاجة لتهدئة الرأي العام الداخلي والخارجي, واظهار الاكتراث بعد سلسلة اخفاقات لجهود  جنيف1 و2 و3, ثم اجتماعات فيينا الثلاثة, وأخيرا قرار مجلس الأمن الدولي 2254, وبعده اتفاق ميونيخ, وكلها تعبر عن الفشل أكثر مما تعبر عن جدية معالجات الأزمة.

 تشير مصادر روسية أن بوتين يتعرض لضغوط داخلية للخروج من الأزمة  قبل أن تتحول ورطة طويلة المدى واحتمال تدحرجها الى بلدان أخرى, أو مواجهة مع تركيا أو السعودية .كما تشير مصادر غربية أن اوباما يتعرض لضغوط داخلية واوروبية لتعديل سياسته في الشرق الاوسط، ولذلك اقتصر المشاركون  في مطبخ جنيف لاعداد وجبة فاست فود على بعض الخبراء, ومع ذلك نسب البيان الرسمي المولود الجديد الى الزوج الغائب (اللجنة الدولية لدعم سوريا) زورا وبهتانا.

 أبدى بوتين فورا تفاؤله بالمولود لأنه الأب الحقيقي له, مع أنه بحسب مصادر روسية طمأن الأسد سلفا بأن الحرب ستستمر لمعرفته أنه لا شيء يزعج حليفه أكثر من مطالبته بوقف القتل الذي يتمحور عليه برنامجه السياسي ومصير حكمه.

والجدير بالملاحظة أن موسكو شبهت الانجاز الجديد مع الشريك الأمريكي  بصفقة التخلص من السلاح الكيماوي 2013. والواقع أن هذه الاشارة لا تفيد إلا في تذكير العالم بأن الروس هم اللاعب الرئيسي في  الازمة, بما فيها حماية نظام الأسد. وفي هذا السياق يندرج تعنيف تشوركين مندوب روسيا في الأمم المتحدة للأسد, ووصف مالاشينكو رئيس مركز كارنيغي الروسي له بأنه كذيل الكلب الذي يحاول التحكم بالكلب لأنه حاول تنبيه الروس بأنه الضامن الوحيد لمصالحهم. والأغلب أن الأسد لا تستفزه تصريحات  كهذه من حماته الروس.

وإذا كان مفهوما ترويج بوتين وجوقته لتفاؤل مزيف بغرض احتواء الاصوات المتخوفة من تكرار ورطة أفغانستان في بلد لا توجد فيه (معارضة) ولا (صحافة حرة) وشعبه مغسول الدماغ على مدى مائة سنة غسلا متقنا فإن غير المفهوم – تكرارا – أن يشارك البيت الابيض في ترويج إنجاز مغشوش طالما أن البيت الأبيض يعلن سلفا أن (تنفيذ الاتفاق صعب جدا)!. الواقع أن محرك اوباما الرئيسي الرغبة بإثبات أنه ما زال قادرا على التأثير في الأزمة  والسيطرة على سلوك بوتين.

أوروبا والأمم المتحدة واللجنة الدولية غائبون ولا دور لهم سوى البصم على شهادة ميلاد الانجاز الذي أبعدوا عنه جراء عملية اختزال ضاغظة للأطراف الدولية, ومع ذلك يزعم الشريكان بأن عملية السلام يجب أن تتم بين (السوريين بدون تدخل خارجي) !

السوريون على مستوى المعارضة السياسية والمقاتلين والناس موحدون حاليا أكثر من أي وقت مضى, ومع أنهم يتوسلون السلام ويضرعون للحصول على هدنة نتيجة المأساة الانسانية التي تجاوزت كل الحدود, والخشية من خسارة المناطق المحررة في حلب وادلب إلا أنهم ما زالوا متماسكين على الصعيد السياسي ومتمسكين بمطالبهم الأساسية ولا وجود لمؤشرات على تراجعهم.

للأسف الهدنة التي وعد بوتين واوباما السوريين بها لن تصل غدا, والاجندة الروسية – الايرانية في سوريا ستستمر بالوسائل العسكرية, وما زال بوتين قادرا على التلاعب وخداع الجميع بما فيهم اوباما حتى تكتمل المهمة التي يسهر على تنفيذها بدأب: تقسيم الجغرافيا السورية!

==================

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى