مقالات

“الـثــــورة” ومـلامــح الـتــغـيـيـــر..

خاص “المدارنت”..

محمد الحجيري */ لبنان

المنطقة العربية تعيش ثورةً حقيقية. ليس بالمعنى المألوف السابق في هذه المنطقة، الذي كان يرتبط باستبدال النظام أو الحاكم. والذي كان غالباً ما يقوم به العسكر ولا يصنعه الشعب أو الشارع، كما يحصل في هذه المرحلة.

ما يحدث في هذه المرحلة هو تحولات بنيوية تطال طبيعة علاقة السلطة. العلاقة بين المجتمع والسلطة السياسية، وعلاقة السلطة داخل بنى المجتمع نفسه.

هذه العلاقة التي قد يحتاج تشكُّلها إلى عقد أو عقود، لتظهر في شكلها الجديد بوضوح.
البوعزيزي أزال الغطاء عن الإناء.
سذاجةٌ وتجنٍّ القول، أن السفارات دفعت بمئات الآلاف في بلدٍ كسوريا إلى الشارع في الكثير من المدن السورية، أو أنزلت الملايين إلى الشارع في مصر، والسودان والجزائر والعراق ولبنان وقبلها في اليمن.

وإن كان البعض قد انحرف بهذه التحوّلات نحو مسارات أخرى، ونحو المزيد من التعقيد والاستثمار الأجنبي، ونحو المزيد من الدمار والدماء، فذلك لن يعيد عقارب التحوّلات الكبيرة إلى الوراء. قد يعرقل هذه التحوّلات لسنوات. لكنها لن تكون إلا سنوات انتظار وتحفّز، بانتظار لحظة الانفجار من جديد.

اللافت أنه في عقد الخمسسينيات والستينيات من القرن الماضي، كانت هذه المنطقة تعيش ظروفاً متشابهة، حيث تمّ تعميم النموذج المصري أو الذي انطلق من مصر عليها، حيث طغى عليها تبديل أنظمة الحكم بفعل انقلابات عسكرية. بدأ ذلك في مصر، ثم ترك ما حدث في مصر أثره على بقية المنطقة، إما على شكل محاكاة وانقلابات عسكرية، أو على شكل امتداد للنفوذ المصري: الجزائر، اليمن، سوريا، العراق، ليبيا، السودان.. مع استثناءات قليلة، كالمغرب وتونس، وكذلك استثناء دول الخليج العربي، ذات البنى الاجتماعية المحافظة بغالبيتها، والمحمية من التغيير بحمايةٍ من الدول الغربية، ومن الأميركيين أولاً.

كانت الانطلاقة هذه المرة من تونس، وتتابعت أحجار “الدومينو” بسرعةٍ قياسية، لتطال مصر واليمن وليبيا، ثم لتصل إلى العراق وإلى الجدار السوري المفتعل، ثم لتتجاوزه بعد ذلك إلى السودان والجزائر.

الأمر الثاني اللافت هذه المرّة، هو إرهاصات التحوّلات المجتمعية في المجتمعات المحافظة تاريخياً، وأولها المجتمع السعودي، والذي أظن أن التحوّل فيه سيكون له خصوصية تميّزها عن التحوّلات الأخرى، لاختلاف بنية المجتمع والنظام السياسي. لكن التحوّل قادم في كل حال كما أتوقع.

تجارب دول المنطقة مفتوحة على بعضها، في مجتمعات متشابهة المشكلات، ونضوج مجتمعاتها. ما حدث في السودان سيكون نموذجاً يحتذى. وما حدث في تونس أيضاً، وكذلك ما يحدث في لبنان، بخاصةٍ، إذا استطاع الحراك الحالي أن يحدث خرقاً حقيقياً، من خلال هذه الطريقة السلمية المشهودة.

التعقيدات الأساسسية ليست بفعل السفارات والتدخلات الأميركية، وهي بالتأكيد موجودة، وعلينا أن نتوقع وجودها، التعقيدات الأساسية هي بفعل الدور الإيراني.

لكن في كل الأحوال، نحن أمام أفق جديد، ترتسم ملامحه التي تحتاج إلى سنوات، لتستقر معالمه وتأخذ شكلها الثابت، ومن قال بأن “الثورة” تتم في أيام؟

* أستاذ مادة الفلسفة العربية في التعليم الثانوي.

=========================

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى