الـمـثـقّـــــف ودوره!

خاص “المدارنت”..
من دون الدخول في جدلية التعاريف والتفاصيل والصفات المختلفة لكلمة “مثقف” و”سيكولوجية المثقف”, فإن أي مجتمع من المجتمعات وأي بلد من البلدان وأي أمة من الأمم المتخلفة والجاهلة كمجتمعاتنا وبلداننا وأمتنا, والتي تعيش مرحلة التيه الوطني، ومرحلة التيه العروبي، على مستوى الأمة, في أمسّ الحاجة إلى تكاتف كل القوى الوطنية الحية فيها، وذلك لكي تخرجها من تلك المرحلة، وفي مقدمتها “مثقفيها”، الذين يجب بأن يكونوا في المقام الأول “مثقفين غير منتميين وهاوين”، إنما يكون انتمائهم الأول للبلد, بأرضها وإنسانها, بحيث يكونوا (أمناء لمعايير الحق الخاصة بالبؤس الإنساني, والاضطهاد)، ويكون كل جهدهم قائما على العمل على تحطيم وتكسير ومن ثم تصحيح (الآراء المقلوبة والمقولات التصغيرية التي تحد كثيرا من الفكر الإنساني والاتصال الفكري), وذلك لما يتمتعون به من (رؤية الآفاق البعيدة, وتوفر على الفضاء الضروري لمجابهة السلطة, لأن الخضوع الأعمى للسلطة يعني في عالمنا أسوأ التهديدات التي تخيم بضلالها على الحياة الفكرية النشيطة والأخلاقية ), كما يحدد ذلك الكاتب العربي الفلسطيني/ أدوار سعيد.
فليس المطلوب من ذلك المثقف، أن يكون الوحيد الذي يجب عليه إخراج البلد والأمة من تلك المرحلة، ولا نحمله فوق طاقته وقدرة تحمله, فهو لا يملك أو يمتلك تلك العصا السحرية والقوة الخارقة لفعل ذلك، إنما المطلوب منه بأن يكون مثقفا إيجابيا, يتعاطى بإيجابية وبأخلاقية إنسانية سامية وبروح المسؤولية الحقيقية والأخلاقية، بعيدا عن “العصبيات الضيقة المقيتة”، مع قضايا البلد والأمة التي ينتمي إليها أولا, ومع الفضاء الإنساني الأرحب والأوسع ثانيا, مع غيره من القوى الوطنية الحية..
وذلك بآرائه الإيجابية وبأفكاره التنويرية وبرؤيته التغييرية، حول كيفية الخروج مما تعانيه بلده وأمته من تخلف وجهل وسيطرة الأنظمة الاستبدادية الاستعبادية الطغيانية والتسلطية على مقاليد الأمور الحياتية المختلفة لبلداننا وأمتنا، وذلك بما يملكه ويمتلكه من معرفة واضحة وجمة, وعمق في الرؤية التحليلية والتشخيصية للواقع المعاش… إلخ.
حيث إن ﻟﻜﻞ مجتمع من المجتمعات المتخلفة والجاهلة ولكل بلد من البلدان..ولكل أمة من ﺍلأﻣﻢ ﺍﻟﻤضطهدة والواقعة تحت نير وجبروت واستبداد واستعباد وتلسط وطغيان الأنظمة الاستبدادية الاستعبادية الشمولية التسلطية والطغيانية, ﻣﻔﻜﺮﻳﻬﺎ ﻭﻣﺜﻘﻔﻴﻬﺎ ﻭﺭﻭﺍﺋﻴﻴﻬﺎ وكتابها ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺪﺍﻓﻌﻮﻥ ﻋﻦ ﺣﻘﻮﻗﻬﺎ ويسعون جاهدين لرفع كل ذلك عن كاهلها ﻭﻳﻘﺪﻣﻮﻥ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻐﺎﻟﻲ ﻭﺍﻟﺮﺧﻴﺺ، ﻭﻻ ﻳﺒﺨﻠﻮﻥ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺑأﻱّ ﺷﻲء ﺣﺘﻰ أرﻭﺍﺣﻬﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺸﺘﺮى ﺑﺬﻫﺐ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﻭﻻ ﺑﻤﻐﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ, ﻭﺫﻟﻚ ﺍﻧﺘﺼﺎﺭﺍ ﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﺤﺮية ﻭﺍﻟﻌﺪﺍلة والكرامة الإنسانية لكل أفرادها، ومكوناتها المختلفة, ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻐﻠﻮﺑﻴﻦ ﻭﺍﻟﻤﻘﻬﻮﺭﻳﻦ ﻓﻲ ﺷﺘﺊ ﺑﻘﺎﻉ ﺍﻻﺭﺽ.
أﺣﺪ ﻫﺆﻻء ﺍﻟﺮﺍﺣﻞ ﻏﺎﺑﺮﻳﻴﻞ ﻏﺎﺭﺳﻴﺎ ﻣﺎﺭﻛﻴﺰ، ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺳﺘﻄﺎﻉ ﻋﺒﺮ (ﻣﺎئة ﻋﺎﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺰلة) ﻭ(ﺍﻟﺤﺐ ﻓﻲ ﺯﻣﻦ ﺍﻟﻜﻮﻟﻴﺮﺍ) ﻭ(ﺧﺮﻳﻒ ﺍﻟﺒﻄﺮﻳﻚ) أﻥ يسهم مع غيره من الرموز الأخرى في تغيير ﻭﺟﻪ أﻣﺮﻳﻜﺎ ﺍﻟﻼﺗﻴﻨية، ﻣﻦ “ﺟﻤﻬﻮﺭﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﻮﺯ” ﻭ”جمهوريات ﺍﻟﺤﺪيقة ﺍﻟﺨﻠﻔية لأﻣﺮﻳﻜﺎ, ﻭﻣﻦ سلطة ﺍﻟﺠﻨﺮﺍﻻﺕ إﻟﻰ ﺩﻭﻝ ﺩﻳﻤوﻘﺮﺍﻃية، ﺗﺤﺘﺮﻡ ﻣﻮﺍﻃﻨﻴﻬﺎ ﻭﺗﻘﻒ ﻋﻠﻰ ﻗﺪﻡ ﺍﻟﻤﺴﺎﻭاة ﻣﻊ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺤﺮ ﻭﺍﻟﻤﺘﺤﻀﺮ, وذلك مع غيره من مفكري ومثقفي وروائي تلك المجتمعات والبلدان…
ووفقا للحالة المزرية التي تعيشها بلداننا وأمتنا، وتعاني منها, حتى أنها أصبحت تهدد كيانها وتنبأ بإنقراضها, فإن التساؤلات المحيرة التي تطرح نفسها هنا هي:
هل مجتمعاتنا وبلداننا وأمتنا عاجزة عن إنجاب مثل هؤلاء المفكرين والمثقفين والروائيين والكتاب, بماضيها وحاضرها, وبماعاناتها وآلامها وأوجاعها؟!
أم أنهم ظلوا الطريق ولم يملكوا ويمتلكوا الشجاعة والجرأة الكافية لفعل ذلك؟!
أم أن سطوة تلك الأنظمة، موروثا ماضويا سلبيا وتقنية حديثة, كانت أقوى منهم جميعا؟!
أم أنها لم تصل بعد إلى مرحلة الشعور الحقيقي بالحاجة لردة الفعل تجاه كل ذلك..؟!
أم كل ذلك… مجتمعا؟! وأكثر من كل ذلك؟!
وإذا لم يكن المثقفين في الطليعة فمن يكون غيرهم؟!
إن أي مجتمع وأي بلد وأي أمة، من تلك المجتمعات والبلدان والأمم الواقعة تحت نير وجبروت وطغيان واستبداد واستبداد وتسلط تلك الأنظمة، لا تنتج مثل أولئك، إنما يعني شيئا واحدا من وجهة نظري الشخصية المتواضعة, ألا وهو:
أنها لم تصل بعد إلى مرحلة الشعور والإحساس الحقيقيين بالحاجة, وعيا قبل سلوكا – خاصة النخبة منها – وذلك حتى تقوم بعملية ردة الفعل تجاه تلك الأفعال التي تمارسها عليها تلك الأنظمة، إذ أن “الحاجة هي وعي النقص”، كما يقول الفيلسوف الألماني هيجل.
وحتى في حال وجود ذلك الشعور وذلك الإحساس من قبل فرد أو جماعة أو فئة أو مكون من المكونات المختلفة أو ضمنها، فإن ردة الفعل تلك لا ترقى إلى مستوى ذلك الفعل، أو أن ردة الفعل تلك تكون أحادية هناك وهناك ومبعثرة وغير منظمة، ولا تتم في إطار عمل جماعي متحد ومتكامل ووفق رؤية واضحة وسليمة، مما يجعل الإجهاض عليها والقضاء عليها من قبل تلك الأنظمة، سهلة ويسيرة وميسرة..
بمعنى آخر أعم وأشمل ومختصر:
عدم توفر كافة الشروط الموضوعية لإنجاح عملية ردة الفعل تلك.. ووفقا لما سبق ذكره, إن أي مثقف، ينأى بنفسه، ولا يكون مثقفا إيجابيا في تعاطيه مع الشأن العام لبلده، أولا، ومع الشأن العام للفضاء الإنساني الأرحب والأوسع، ثانيا, ويكون “مثقفا إنسانيا”، ويدسّ أنفه في التراب, إنما يعتبر مثقفا مزيفا وخائنا، ويدخل في خانة ما يسمى بـ”خيانة المثقفين”.



