مقالات

الفخ القاتل المنصوب للسعودية

صلاح المختار/ العراق*

التطور المهم يوم 17- 9 هو ان اميركا، أكدت أن الصواريخ والطائرات انطلقت من اسرائيل الشرقية لضرب منشآت ارامكو في المملكة العربية السعودية، وعلى الرغم من ذلك، الموقف الاميركي ما يزال غامضا. ولذلك فهو مبعث شكوك عميقة بدوافع اميركا، فقد انتظرت اربعة ايام، كانت فيها تتظاهر بانها لا تعرف من ضرب مراكز النفط في السعودية، مع انها تعرف بالضبط من قام به، وهذا التظاهر اقترن باقوال للرئيس الاميركي (دونالد) ترامب تعزز الشكوك، حيث أكد “ان هناك طرقاً لنعرف بالضبط من أين جاء الهجوم”.

وتوّج جبل الشكوك بقوله: “في حال كنا نساعدهم، فسيتطلب ذلك مشاركة مالية كبيرة منهم ودفع ثمن ذلك!”. اهتمام ترامب ليس بالضربة بل بالمال السعودي الذي يجب ان يدفع! ومن كلامه يبدو وكأن السعودية ودول لخليج العربي لم تدفع بعد، على الرغم من  أن السعودية دفعت تريليون دولار له فقط! لكنه الان يقول انه يريد المزيد من المال!

فما الذي يجري حقا؟ هل الهجوم الايراني خطوة في لعبة دولية واقليمية كبرى؟ لنفكر بما يلي:
1 – ضرب منشأت النفط السعودية، هو قبل كل شيء تجاوز مباشر وخطير على (مبدأ كارتر)، والذي ما يزال ساريا، ولم يتم التخلي عنه، ومهما قيل عكس ذلك، بدليل انه استخدم لضرب العراق بعد تفجر ازمة الكويت وغزوه لاحقا، وهو مبدأ يقول إن اي محاولة لمنع تدفق النفط من الخليج العربي الى الغرب وحلفاءه، ستواجهه اميركا بالرد بكافة الوسائل، ومنها العسكرية، فضرب المنشأت النفطية هو في المقام الاول ضرب لمبدأ كارتر، وتحد مباشر للمصالح الاميركية في المنطقة، لهذا فان اميركا وما يسمى (المجتمع الدولي)، هما من يجب ان يرد اولا على اسرائيل الشرقية (إيران) وليس السعودية، ومجلس الامن او تحالف دولي متضرر من الهجمات على امدادات النفط، هو من يجب ان يقوم بالرد الجماعي وهذه نقطة بالغة الاهمية الان.

2 – هل طبيعي ان تنتظر اميركا اربعة ايام بعد الهجوم، فتقول انها تعتقد بانه “أتى من ايران”، والبنتاغون يؤكد في نفس اليوم 17 – 9 بان الأقمار الصناعية الأميركية رصدت قيام إيران بتحضير طائرات مسيرة وصواريخ، قبل الهجمات على المنشآت النفطية السعودية؟ اذا، لم عدم التصريح بمن قام به بصورة رسمية وواضحة؟ ولم تجنبت اميركا منع الضربات بضربات استباقية تتقنها؟ هل يمكن حتى للسذج ان يصدقوا ان اميركا لا تعرف حقيقة ما جرى؟ وهي التي نفذت عمليات فورية بناء على صور اقمارها بعد لحظات من التصوير او اثناءه، مثل الاغتيالات في اليمن، وغيرها بالطائرات المسيرة؟ اميركا عرفت مسبقا بالهجوم، وراقبت وقوعه، ولم تتصدى له، وهي القادرة واخفت مصدره عدة ايام كجزء من اللعبة الاميركية.

3 – الصمت الاميركي على الغرق المتزايد للسعودية في اليمن، له دلالات تؤكد كل الشكوك بانها تريد مزيدا من الاستنزاف السعودي، ماليا وعسكريا ونفسيا وسياسيا واجتماعيا، وما قاله ترامب يؤكد ذلك! وليس للتفاوض الاميركي مع الحوثيين من تفسير سوى اضعاف السعودية، وليس من تفسير لموقف المبعوث الدولي الذي يعد (الحوثيين حكومة امر واقع) سوى اضعاف للدور السعودي!

السعودية تستنزف بطريقة قاتلة لا رحمة فيها، واميركا تتفرج على نزيفها، ويعلق ترامب ساخرا: “اعطوني المزيد من المال لاحميكم”. ولكنه ما ان يقبض نصف تريليون اخر حتى يعود لمغازلة “حضارة ايران وان مستقبلها عظيم”.

4 – في حالة وجود خطوة عملية للرد الدولي، فان اشتراك السعودية فيه ممكن، لكن كل الخطر ان ترد السعودية بمفردها، لان الرد الفردي فخ خطير، سيؤدي الى تدمير المنشأت الاقتصادية السعودية بالكامل، بضربات صاروخية ايرانية، وستشمل منشأت تحلية المياه وغيرها، وهو ما سيؤدي الى حصول خلل خطير في السعودية، وكما تؤكد الوقائع ومسارات الاحداث، فان في تدمير السعودية مصلحة ستراتيجية ايرانية وصهيونية واميركية في آن واحد، بعكس ما يتصور البعض، خصوصا لان تدمير السعودية، ما هو الا مقدمة لا بد منها لاطلاق الفوضى الهلاكة فيها، وتحريك كل الاحتياطيات التي اجّل استخدامها منذ سنوات، بما في ذلك خلافات داخل الاسرة السعودية، واذا حصل ذلك، فانه سيؤدي الى تقسيم السعودية بعد تدميرها اقتصاديا. انه من دون شك، اكمال لما جرى ويجري في العراق وسوريا واليمن وليبيا.

5 – الحل الاوحد الناجح والحامي للكيان الوطني السعودي من التشرذم، والكفيل بتحييد خطط اميركا والاسرائيليتين الشرقية والغربية ضد السعودية، وكافة دول الخليج العربي، والتي لم تعد سرية، هو دعم كافة الجهود لخنق اسرائيل الشرقية في العراق، ففي العراق وليس في غيره مقتل المشروع الامبراطوري الفارسي، وكما ان التوسع الاستعماري الايراني انطلق من العراق بعد غزوه من قبل اميركا، واطلاق اميركا ليد اسرائيل الشرقية فيه، فان اعادة اسرائيل الشرقية الى داخل حدودها، ومنع خروجها منها مجددا، رهن بغلق البوابة التي تسللت منها جيوشها، وقطع طريق تواصلها مع نغولها العرب، وتحقق ذلك مشروط بتحرر العراق من الغزو الايراني الشامل له.

وهذا الهدف يمكن تحقيقه بدعم السعودية ودول خليجية، للقوى الوطنية العراقية والمقاومة العراقية، ورفض الضغوط الاميركية التي تتمحور حول منع هذا التعاون، لان هذه القوى قادرة على تحرير العراق، لو قدم لها الدعم المطلوب، ويقترن ذلك بالتخلي عن الوهم المميت القائم على كسب نغوّل اسرائيل الشرقية في العراق، لانهم تربّوا على التبعية المطلقة لاسرائيل الشرقية، كما ان المراهنة على سنة خامنئي وهم، لانهم عبارة عن طنين ذباب تحركة طهران.

6 – المطلوب لانقاذ السعودية ودول الخليج العربي، من هذه المخططات الجهنمية الفارسية والغربية والصهيونية، وهو واجب قومي لا غنى عنه، هو اقفال تفكير وخيارات قادة السعودية ودول الخليج العربي على خيار تحرير العراق، وليس على اي خيار اخر، فهو الاضمن والاقل تكلفة، وهو المنقذ من الفخاخ المنصوبة لهم في كل مكان، واميركا عندما تعرف ان دول الخليج العربي مصرّة على الحلّ، انطلاقا من تحرير العراق، ستقبل ذلك، لانها تريد في هذه المرحلة اعادة اسرائيل الشرقية الى السير ما بين السكتين الاميركيتين، لمنع سيطرتها على العراق، لان اميركا التي خططت لاحتلاله، وفقدت المال والبشر من اجل ذلك، لن تتركه لاسرائيل الشرقية (إيران)، وانما استخدمتها لاكمال خطة تدمير العراق فقط، ثم تعاد الى ممارسة دورها المحدد بين سكتين. واذا تحقق ذلك، فهو خطوة اولية على طريق طرد الفرس، ولكن بارادة عربية مشتركة.

من الضروري عدم نسيان احدى اهم الحقائق الراسخة، وهي ان الغرب، وخصوصا اميركا والصهيونية وكيانها في فلسطين المحتلة، يريد ابقاء نفوذ ايراني داخل الاقطار العربية، خصوصا في العراق، من اجل استخدامه باستمرار لتفتيت العرب طائفيا وعنصريا، لمنع نهضة العرب وتقدمهم ووحدتهم، ولكن هذه الاطراف ترفض نشوء امبراطورية فارسية تعد نفسها شريكا رئيسا وليس تابعا، فالاصل هو ان الغرب، هو الذي يستخدم اسرائيل الشرقية، وهو الذي يحدد دورها وحدوده وليس العكس.

7 – ان اي تعويل على الدعم الاميركي بالحماية انتحار حقيقي، يكرر التجارب المرة لشاه ايران والسادات وحسني مبارك وبن علي، الذين دعمتهم اميركا لخدمتها، وعندما انتهت الحاجة لهم تخلت عنهم، ولهذا قال حسني مبارك متعظا، ولكن بعد خراب البصرة، “إن من يتغطّى باميركا عريان”.

والان، نذكّر باحدى اهم بديهيات ربيع بني صهيون، وهي أن من يتغطّى باميركا واسرائيل الغربية عريان، لذلك يمكن تصديق اميركا فقط، عندما ترون طهران تشتعل بهجمات تدميرية، مثلما اشتعلت بغداد، وليس بهجمات على الريش تعيد القوة لخامنئي، وعندها يمكن رمي الثقل كله مع عمليات ضرب اسرائيل الشرقية.

8 – معركتنا مع اسرائيل الشرقية لن تنتهي باعادتها الى داخل حدودها الاصلية، فقد زرعت نغولها في كل مكان، وهؤلاء النغول، وكما تثبت التجربة، ينامون تجنبا للعاصفة عقودا، ثم ينهضون مجددا لاعادة التوسع الفارسي، وعندما مرغ العراق انف خميني بذل الهزيمة المرة في القادسية الثانية، نام مع خميني مشروع التوسع بالقوة، ولكنه عاد بعد غزو العراق معتمدا على الخلايا النائمة، لذلك فان الخطوة الحتمية التالية لانهاء الغزو الايراني، هي اجتثاث الخلايا النائمة بلا تردد في كل الاقطار العربية، مثلما تجتث الخلايا السرطانية من الجسد، وتتواصل عمليات العلاج الكيمياوي والاشعاعي وغيره، حتى ينظف الجسد منها. ولنتذكر دائما بان اميركا واسرائيل الغربية، لا تريدان اجتثاث نغول الفرس، بل السيطرة عليهم، لاستخدامهم ضد الامة العربية كما نرى الان، ومن اكبر الخطايا تصوّر عكس ذلك.

* منقول.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى