مقالات

الفكر التكفيري!

أحمد ذبيان/ لبنان

خاص “المدارنت”
ألتكفير هو نتاج الفكر المتطرِّف عند الأشخاص والجماعات، لذلك، لا يمكن ارجاعُهُ الى الإسلام، أو إلى أيّ دين بعينِه. هو منحى في حياة بعض الناس؛ يأتي نتيجة ظروف بيئيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وأمنِيّة؛ تختلط فيها الأمور وتتشاكل، فتنشأ صورة سوداوِيّة عند هؤلاء، حيث يرون من خلالها كلّ سلبيّات الحياة، فتُعمى أبصارُهُم عن الإيجابيّات وعن المخارج والحلول العقلانيّة؛ لما يعتقدونه انحرافًا وفسادًا وإفسادًا وسلوكًا لدروب المهالك والشرور..

أمّا في الإسلام، فقد نشأ هذا الفكر في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كرّمَ الله وجهَه، بعد “معركة صِفّين”، عندما رفض فئة من المقاتلين مبدأ التحكيم، ورفعوا شعار: “لا حُكمَ إلّا لله”، وكفّروا بالمعصية والذنب، وعزلوا أنفسهم عن جماعة المسلمين.. أدّى فكرُهم الصداميّ إلى استباحة الدماء؛ وظهور فِرَق مُتَطَرِّفة متعدِّدَة عبر التاريخ العربيّ الإسلامي، تتبنّى نفس الأسلوب الإقصائيّ الذي يؤدّي بِدَورِه إلى ردود أفعال في جهات مقابلة؛ تنهج نفس النهج وتسير في نفس الطريق.

أمّا ما يجعل الفكر المتطرِّف أشدّ خطورة؛ فهو استغلاله للإسلام، تحت ستار الدفاع عن دين الله، وبحجّة حفظ سنّة رسول الله أو نهج آل بيته.
يأتي التكفير لدى المسلم من عدم معرفة الحكم الشرعيّ، أو الجهل بالإسلام، بشكل عامّ، أو النشوء في بيئة بعيدة عن العلم، أو فهم مغلوط للنصوص الشبهيّة من دون قصد المحادّة (المخالفة) لله ورسوله، أو لأسباب عديدة أخرى..

للفكر التكفيريّ؛ آثار كارثيّة تدَمِّر بُنيَة المجتمعات واستقرارَها. من أبرز هذه الآثار أنّهُ يُشرعِن الخروج على المجتمعات ممّا يؤدّي إلى الاغتيالات، العمليّات الإرهابيّة، والتفجيرات، وإشعال الفتن الحروب الأهلية فيتمزّق النسيج الوطنيّ، وتدخل الدوَل في صراعات مسلّحة تُضعِف مؤسّساتها، وتُسقِط هيبتَها وتسبِّب العنف الذي يضرب البنية التحتيّة، ممّا يؤدّي إلى تراجُع الاستثمارات، وهجرة العقول والكفاءات إلى الخارج.

أمّا الآثار الاجتماعيّة والنفسِيّة، جرّاء دورات العنف الناتج عن الفكر التكفيريّ، فتظهر في تفكُّك الروابط الأسَرِيّة وقطيعة الأرحام، الطلاق، وتكفير الأبناء لآبائهم، وفي نشر الخوف والشكّ، فينهار السٍلم الأهليّ ويحُلّ التوَجُّس والتخوين محلّ الثقة والأمان بين أفراد المجتمع الواحد، فينتج عن كلّ ذلك تشويه صورة الدين، فيظهر الإسلام لغَير المسلمين، كدين عنف وإقصاء، ويفتح الباب لموجات الإلحاد والنفور بين الشباب..

إذن، ما هي سبل مواجهة هذا الفكر التكفيريّ الهدّام؟
يجب على أيّ استراتيجية شاملة، الارتكاز على المسارين الفكري والتربوي لتفكيك الشبُهات وتحصين الأجيال:
1/ المواجهة الفكريّة، وتكون بتفكيك الشبُهات بأن يقوم علماء الإسلام؛ بنقض أدلّة التكفيريّين، وبيان ضوابط الأحكام الشرعيّة، والفرق بين الخروج عن الطاعة والكفر المُخرِج من المِلّة، وبتجديد الخطاب الدينيّ بالتركيز على مقاصد الشريعة العليا، مثل حفظ النفس والعقل، وإبراز قِيَم التسامُح والتعايُش وقبول الآخر، وبتفعيل دور المؤسّسات الرسميّة عن طريق تعزيز دور دور الإفتاء والمجامع الفقهيّة كمرجعيّة وحيدة للفتوى، وبتجفيف منابع الفتاوى العشوائيّة عبر “الإنترنت”، وبإقامة المُناظرات والمراجعات الفكريّة لتشجيع الحوار المباشر مع المتأثِّرين بهذا الفكر، ودعم كتب المراجعات التي تصَحِّح المفاهيم المغلوطة.

2/ المواجهة التربوية، تكون بتطوير المناهج الدراسية وإدراج قِيَم التفكير النقديّ، وحرِّيّة الرأي، وتدريس تاريخ الفِرَق الإسلاميّة لبيان خطورة منهج الخوارج، وتأهيل المعلِّمين والموَجِّهين باعتماد تدريب الكوادر التعليميّة على رصد المؤشِّرات الأوّليّة للتطرُّف، وكيفيّة التعامل التربويّ السليم معها، وبالتحصين الأسَرِيّ عن طريق توعية الوالدَين بمراقبة المحتوى الرقمي للأبناء، وفتح قنوات حوار دافئة داخل الأسرة تمنع استقطابَهم، وبالأنشطة الموازية التي تدمج الشباب في وُرَش عمل ثقافيّة ورياضيّة؛ تنَمّي لديهم روح المواطَنة وقبول الآخر، والشعور بالمسؤوليّة لبِناء مجتمع قائم على حرِّيّة الفكر والمعتقد والنقد البنّاء..

إذن، ليس من المستحيل تطويق الفكر التكفيريّ؛ لأنّه دخيل على الإسلام، ولا يمثِّل الخطاب الإسلاميّ العامّ الذي يدعو إلى التراحُم والتكاتف والتكافل وحرّيّة الاعتقاد، والألفة بين أبناء المجتمع الواحد مهما اختلفت أديانُهُم ومشارِبُهُم وأعراقُهُم وألوانُهُم وقوميّاتُهم، تحت عنوان الآية الكريمة الجامعة:
” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير”.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى