مقالات

المشهدية اللبنانية مع دخول العام الجديد!

نبيل الزعبي/ لبنان

خاص “المدارنت”../ مع استقبال اللبنانيين لعامٍ جديد، وتوديعهم لعامٍ آخر، يحدوهم أمل ببصيص ضوءٍ في نهاية النفق، ولا يدري اللبناني فينا أو اللبنانية من أين يبدءان بالتمنيات في العام الجديد، بعد أن تقلصت الآمال، وتدنّت الطموحات، وما عاد السؤال يعني سوى:
– كيف سنتدبر أمور معيشتنا غدًا…؟
– وكيف سيكون الأمن والاستقرار…؟
خصوصًا وأن على حدودنا عدوٌّ مجرمٌّ، قاتلٌّ، طامعٌّ في أرضنا وبحرنا وسمائنا، ومحال أن تغفو أعيننا عليه، البارحة واليوم وغدًا…
أما في الداخل، وفي ظل السُّعار الطائفي والمذهبي غير المسبوق في يوميات اللبنانيين، فإنه لا شيء سوى الغثيان، يصيب من يتابع التحركات السياسية الداخلية، وتصريحات الأقطاب، ابتداء من أقزام السياسة والطارئين عليها، إلى سجالات الوزراء العقيمة، التي يرمي فيها أحدهم مسؤوليات الإهمال في وزارته على زميله الآخر، الذي بدوره يرد بعباراتٍ أقرب إلى الاستهتار منها إلى الكلام المسؤول، غير المتفلّت من الاحترام المتبادل، ولتنسحب تلك المنهجية في التعامل، على أتباع هذا وذاك، وتفيض مواقع التواصل بالشتيمة والتخوين… وكأننا نعيش أجواء صراع وجودي، لا يحتمل أيّ طرفٍ فيه ذرةً واحدةً من النقد والتصحيح والتصويب، فننسى أننا نغرق في العتمة، بينما طرقاتنا أضحت غرقى أمام كل زخة مطر، وأن مرضى السرطان ينازعون، ولا يوجد من يُبالي في وزارة الصحة…!
أما التعليم العالي، فهو غارق في شهادات التزوير، التي جاوزت الآلاف، بينما الطاقة والسياحة تتهاتران حول مسؤولية من ترك ركاب التلفريك عالقين بين السماء والأرض، ينشدون النجدة، بعد تركهم تحت رحمة الخالق لأكثر من خمس ساعات من الزمن…
إنها غابة حقيقية تلك التي نعيش فيها هذه الأيام، تحت مسمى الوطن، والعيش المشترك، والتسامح الخ.. وكلها أمور تحولت إلى مجرد شعارات جوفاء، وباتت للأسف تشكل مَسًّا بالشعور الوطني، بدل تعزيزه، والارتقاء به إلى مستوى الوجدان، الذي لا ينفصل عن خفقان القلب، وعقلانية الضمير، ولُحمَة النسيج الواحد، الذي يتكون به المجتمع، وتتكرس منه مداميك الانتماء للوطن العزيز، القوي الجناح والمَهَابَة.
فهل كنا مخطئين يا ترى، يوم اعتقدنا أننا تجاوزنا كل منطق يتهم بالطوباوية والمثالية المفرطة، بعد مرور ثمانين عاماً على استقلال لبنان…؟ هذا الوطن الذي يحسب البعض انه بدأ في العام ١٩٤٣، وهو ما يجب أن يعزز فرضية النضوج الوطني المُسبَق، الذي كان يجب أن يشكّل السمة الأساسية من سمات تفكيرنا ويومياتنا. غير أننا وللأسف، نتراجع القهقرى، وكأننا مولودون في غاباتٍ متباعدة، لا تدخل إليها الشمس، ولا تنعم بنسمة الموقف الوطني الجامع، وحرية الكلمة والتعبير، بعد أن سلّم كل قطيعٍ فيها عقله وقلبه وحواسه، إلى راعي الحظيرة – الغابة، وحاميها الناطق باسمها.
هل يختلف ما تقدم عن واقع الوزير السيادي، الذي لا يبتّ في أمرٍ مصيري يعود إلى وزارته، إلا بعد موافقة مرجعيته الطائفية، التي قذفت به إلى الوزارة، لا بفضل مؤهلات يمتلكها، وإنما لتبعية عمياء يصلح لها…! ثم كيف ستكون العلاقة بعدها، بين هذا الوزير ورئيسه في الحكومة، عندما ينتقد الأخير تقاعسه في أمرٍ ما، فينتفض مرجع نيابي كبير مدافعاً عن الوزير، لنتبين أن في الدفاع عن هذا الوزير، يغدو دفاعًا عن الطائفة، من قبل أن يعني الوزير نفسه، ثم ليعود المرجع الحكومي في اليوم التالي زائراً للمرجع الروحي الأعلى، شارحاً ما كان يعنيه في انتقاده لابن رعيته « الغر »، مع الحرص على اخذ بركته ورضاه، نفاقًا وكذبًا ورياءً… وهكذا يتم الانتقال في اليوم التالي، إلى مرجعية أخرى، وكأنها مسرحية مرتبة فصولها للاستحصال على صك براءة، بان توقيعه الثاني بالنيابة عن رئيس الجمهورية العتيد المغيّب، لا يدخل سوى في نطاق حسن النية وحسب.
يجري كل ذلك، وكأن البلد في منتهى الرفاهية، وترف الوقت، وجنوبه في منتهى الهدوء، والاستقرار يُعشّش في بلدات الخطوط الأمامية المواجهة للكيان الصهيوني، وأن أكثر من مائة وثلاثين شهيد لبناني، قد سقطوا جراء الاعتداءات التي لم تتوقف حتى اليوم، والمباني المهدمة قد جاوزت المئات، والناس في بحبوحة من العيش، تفيض على حاجاتهم وتتساءل:
– من أية طينةٍ عجائبية، عُجِنَت هذه المخلوقات التي تعصب عيونها، كي لا ترى، ولا تسمع، ولا تُحرِّك ساكنًا بعد أن تصاغرت اهتماماتها، بالتزامن مع صِغرِها السياسي…؟!
إنها فئة بلا شك طارئة على السياسة، ولا تملك شيئا حول مفاهيم الوطن، وتحصر أمورها واهتمامها بوزير تعنيه مصلحة المرجع، قبل مصلحة الوطن، ومرجعية حكومية تحرص على رضا مرجعية دينية، درءاً لشبهة الإخلال بالتوازن الوطني، والعيش المشترك، الذي آن لنا أن نحسم ماهيته ونوعه وتعريف هذا العيش، وأي مشترك إيجابي يحمل في مفرداته…
لا شيء يجمع بين كل هؤلاء سوى التكاذب المتبادل، والعودة السريعة إلى خلع الأقنعة عندما يطال الخطر المصالح الخاصة لهذا وذاك، فيما الكل قد استمرأوا اللَعِب على مصالح البلد، وابقوا أنفسهم متفاهمين على الحدود الدنيا من «التقاطعات» التي تجمع بينهم، ولا تخلّ بمصالحهم، أو تهددها في اختراق الثوابت التي تقوم عليها حظائرها، المنددة بالعقل والتفكير، وكل ما يمت لهما بصلة، في الوقت الذي تتوحد فيه هذه الحظائر مجتمعةً، حول العرّافين في ليلة رأس السنة، يبيعون الوهم للُّبنانيين على محطات الأثير بالمجان، ليناموا على الوهم، ويستفيقوا عليه، ويبقى الوهم بقيام دولة، هو الكذبة الأكبر في حياتهم البائسة، ويصدقّونها حتى إشعارٍ آخر…!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى