الناشط السوري مازن عزّي
“المدارنت”..
نصّ الكلمة التي ألقاها في 26 ايلول/ سبتمبر 2023، المهندس مازن عزّي، حول الأوضاع في السويداء، على هامش جلسات الدورة رقم 54 لمجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة في جنيف.
لليوم الثامن والثلاثون، تستمر المظاهرات المناهضة للنظام في مدينة السويداء، ذات الغالبية الدرزية جنوبي سوريا. ويعتبر جزء كبير من المتظاهرين أن ما يقومون به هو امتداد لثورة العام 2011 في سوريا، والتي قاد قمع النظام العنيف لها إلى حرب أهلية ما زالت مستمرة بشكل أو بآخر إلى اليوم.
الجديد في مظاهرات السويداء اليوم، أنها خامس موجة احتجاجية تسود السويداء، الأولى امتدت لسنوات قليلة بين العامين 2011-2014، وكانت سياسية نخبوية معارضة للنظام، والثانية والثالثة كانت مطلبية نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية، تحت عناوين “بدنا نعيش” و”خنقتونا” بين العامين 2018-2020، والرابعة كانت في العام 2022 كسلسلة انتفاضات قادتها مجموعات أهلية مسلحة، ضد العصابات المرتبطة مباشرة بالأجهزة الأمنية والمسؤولة عن الخطف للفدية، وتجارة المخدرات وتهريبها عبر الحدود، والجريمة.
الناس في السويداء، يعانون من عطش رهيب، وفقر مدقع، وتكاد غالبيتهم تعيش على التحويلات الخارجية لأبنائهم المهاجرين المشتتين حول الأرض، والتي يقاسمهم فيها النظام بفرض أسعار متعددة لصرف الليرة وسحب العملة الأجنبية من السوق. الدولة شبه معطلة، ومؤسساتها لا تعمل، وإصلاح أبار الماء المعطلة يحتاج إلى سلسلة طويلة من الرشاوى والتدخلات لدى السلطات العليا التي تعمل على تسيّس المساعدات، وحرمان مناطق كثيرة من سوريا من الخدمات الرئيسية.
لا شك أن الميزانية السورية في أسوأ أحوالها، لكن العدالة في الفقر ليست معادلة يفهمها النظام السوري، بل ما زال يستخدمها ضد مجتمعات كثيرة لأسباب سياسية. الدولة تحولت خلال السنين الماضية إلى جابي ضرائب، لا يقدم إلا الحد الأدنى من الخدمات الأسوأ للناس. ومع ذلك، يمنع على الناس التعبير عن رفضهم العيش في هذا الواقع السيئ، الذي يدفعهم للهرب من البلاد وركوب البحر والمخاطر بحثاً عن مكان يحترم حقهم في العيش الكريم.
في السويداء تنتشر الجريمة، والافلات من المحاسبة والقانون، ويغرق المجتمع وحيداً في مكافحة المخدرات التي تغزوه في معرض تحويل المنطقة إلى أحد الطرق غير الشرعية لتهريب المخدرات إلى الأردن ومنه إلى الخليج العربي. في السويداء تقطع الأشجار المثمرة والحراجية والغابات بشكل استنزافي غير مستدام، في منطقة باردة شتاء يهددها الجفاف صيفاً، وذلك بسبب تقاعس الدولة وعدم كفاية كميات وقود التدفئة المخصصة للمحافظة، وعدم توزيع ما يصل بشكل عادل بين الناس بسبب الفساد.
لذا، جاءت الموجة الجديدة من الاحتجاجات السلمية، جديدة كلياً، من حيث حاملها الاجتماعي، وخطابها السياسي. إذ تجمع بين مختلف الشرائح الاجتماعية في المحافظة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 500 ألف شخص، وتشهد حضوراً شبابياً ونسوياً كثيفين.
كما تجمع الاحتجاجات بين المطالب المعيشية والسياسية والحقوقية، وتؤكد على أن جذر المشكلة سياسي، وهو عدم تطبيق القرار الدولي رقم 2254 لعام 2015، والقرارات الدولية ذات الصلة وأبرزها القرار 2118، المتعلقة بالتوصل لحل سياسي في سوريا. وإذا كان القرار قديم نسبياً، ويجب تحديثه، فإن روحيته ما تزال صالحة وضرورية للتوصل إلى تغيير سلمي في السلطة السورية واحترام رغبة السوريين بالتغيير. الاحتجاجات تحظى بدعم أهلي وشعبي غير مسبوقين، وعلى رأسه الرئاسة الروحية للموحدين الدروز ممثلة بشيخ العقل حكمت الهجري، وأيضاً شيخ العقل حمود الحناوي، وكذلك أبرز الوجهاء التقليديين والاجتماعيين.
الملفت أنه بعد 12 عاماً من الويلات التي شهدتها سوريا، وحجم العنف غير المسبوق الذي واجه به النظام المناطق الخارجة عن سيطرته، ما قاد إلى دمار واسع النطاق لحواضر سوريا وأريافها، وخلف مئات آلاف الضحايا وملايين اللاجئين والنازحين داخلياً وخارجياً، وتسبب بظهور التيارات الإسلامية الأكثر تطرفاً وارهاباً، وتقسيم سوريا بحكم الأمر الواقع بين قوى دولية متعددة لها قواعد وجيوش في سوريا. الملفت بعد كل ذلك العنف، ما زال هناك أناس في سوريا يؤمنون بضرورة التغيير السياسي للنظام الحاكم، عبر الطرق السلمية.
فالاحتجاجات تتخذ من تقنيات الكفاح اللاعنفي منهجاً لها وسط حرص غير مسبوق على مؤسسات الدولة ومرافقها. احتجاجات تعتمد مرحة واسعة من أدوات النضال السلمي، كالتظاهر، اغلاق مقرات حزب البعث الحاكم منذ العام 1963، الحفلات الموسيقية، الندوات السياسية العامة، التجمعات الجماهيرية في الساحات العامة لمختلف البلدات والقرى. عنوان تلك الاحتجاجات العريض، هو استعادة المجتمع لحرية القول، وللفعل السياسي، من تجمع وتنظيم، تحشيد وتبادل أراء وأفكار، التفكير المشترك بالقضايا الوطنية والمعيشية، التفكير الحر بشكل الحكم الذي يريده الناس، وشكل الدولة التي تجمعهم وقوانينها. الاحتجاجات في السويداء اليوم، أسقطت المقدس والتابوهات التي وضعها النظام على الضمير، واعتقل وخطف وعذب وقتل عشرات آلاف السوريين على مر العقود الخمسة الماضية، لقضايا تتعلق بالتفكير والكلام.
الشابات والشباب، اليوم في شوارع السويداء، يعيدون تعريف السياسة في هذه المنطقة من شرق المتوسط، ويربطون بين قضايا لم يكن وارداً التفكير فيها قبل أسابيع قليلة، كالديموقراطية والمساواة والعدالة، الحريات العامة، التغيير المناخي، الهجرة، القضايا التنموية والبيئية. لوحة، في منتهى الجمال، تقول بأن هذا الشرق، ليس موطناً أصيلاً للفوضى والخوف والخراب والاضطراب، إذا ما أتيحت له البيئة الآمنة للتشكل، والتنظيم، والعمل المشترك والجماعي.
وهذا ما يحدث اليوم، إذ يستفيد المتظاهرون، من تراجع أجهزة الأمن السورية خطوة إلى الخلف، وعدم تفضيلها مواجهتهم بالعنف المباشر. وهذا التفصيل ليس منّة من هذه الأجهزة المعروفة بدمويتها، بل ربما لأسباب معقدة ومتشابكة، منها عدم رغبة النظام السوري بتقويض سرديته عن حماية الأقليات من الإرهاب الإسلامي، وأيضاً لعدم قدرته الحالية على حشد الموارد العسكرية اللازمة لقمع احتجاج واسع النطاق من هذا النوع، في الوقت الذي تعاني فيه بقية المناطق تحت سيطرته من أوضاع معيشية وسياسية سيئة مماثلة.
إذ قد يتسبب العنف في إحدى المناطق، بانتقال الاضراب إلى غيرها. لذا، يفضل النظام على ما يبدو، استخدام تقنيات متعددة لتحجيم احتجاجات السويداء، وعزلها عن بقية المناطق السورية الخاضعة لسيطرته، ثم خنقها تدريجياً باستخدام الوقت والمراهنة على تعب المتظاهرين، واثارة الفوضى والحوادث الأمنية، وتفعيل دور العصابات المرتبطة بالأجهزة الأمنية لافتعال مشاكل عنفية تبدو ذات طابع أهلي.
يساعد في هذا النهج، أن السويداء مربوطة بشكل استثنائي بمدينة واحدة، وهي دمشق التي تبعد عنها ساعة في السيارة. لا طرق مباشرة بين السويداء وبقية المدن السورية، حتى مع الجارة درعا. وهذا يقول كثيراً بخصوص سياسة العزل القديمة التي اتبعها النظام تجاه السويداء، تنموياً، خدمياً، وثقافيا. كذلك، هي المحافظة السورية الحدودية الوحيدة التي لا يربطها بدول الجوار أي معبر. فالسويداء تتشارك حدوداً برية طويلة مع المملكة الأردنية، ولكن لا طريق بري يصل بينهما. كما لا يوجد في السويداء ثروات ومصادر طبيعية يحتاجها النظام. لذا، يبدو التدخل العسكري في السويداء مكلفاً للنظام، محلياً، وخارجياً في الوقت الذي يسعى فيه للاستفادة من بعض أجواء الانفتاح العربي عليه، بغرض الحصول على تمويل لإعادة الاعمار ورفع العقوبات عنه، من دون أي نية جدية بالبدء بعملية سياسية تضمن تنفيذ القرار 2245.
لا شك أن لدى النظام مروحة واسعة من الأدوات للتشويش على سلمية المظاهرات، وافتعال الفوضى، والعمل على إثارة النزاعات الأهلية عبر سياسة شارع مقابل شارع. ويدعم النظام في ذلك، مجموعة من شبكة المنتفعين من وجهاء ورجال دين دروز، في السويداء وريف دمشق والقنيطرة، وأيضاً في لبنان. إذ يحاول النظام إحداث شرخ أهلي ضمن الطائفة، بغرض تذويب الاحتجاجات، وإلهاء الناس في صراعات جانبية، ومكاسب صغيرة. هذه المحاولات بدأت، وتتسارع، بشكل ممنهج، في عملية خطيرة لضرب المكونات الأهلية ببعضها، بدل البحث عن حلول واقعية لمشاكلهم.
ورغم أن العنف المباشر لم يستخدم لحد الآن في السويداء، فإن التحريض الطائفي ضد الدروز من قبل وسائل إعلامية محلية ومؤثرين محسوبين على النظام، بدأ بالتصاعد بشدة خلال الأيام الماضية. إذ يجري حالياً اتهام طائفة بأكملها، بالنزعة الانفصالية، والتآمر مع دول إقليمية وغربية، لتفتيت سوريا. كم يبدو ذلك مضحكاً في الوقت الذي بُحّت فيه حناجر المتظاهرين وهم يهتفون لسوريا موحدة، ومطالبين برحيل كل القوات الأجنبية عنها، وإعادة توحيدها على أسس المواطنة والعدالة والمساواة.
أيضاً يهدد أولئك الإعلاميون المناصرون للنظام بقرب وقوع عمليات تخريبية في المحافظة يقوم بها “مندسّون” أو ارهابيون، في تذكير يلمّح إلى ترك المجتمع الأهلي في السويداء يواجه منفرداً المذبحة التي نفذها تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف ضد النائمين في أسرتهم في قرى محافظة السويداء الشرقية في العام 2018 ما تسبب بمقتل المئات وخطف العشرات.
المحتجون أعادوا تسمية الساحة الرئيسية التي يجتمعون فيها للتظاهر في مدينة السويداء، بساحة الكرامة. رغم كل فقرهم وتعبهم، ما زالوا يحلمون بدولة يشعرون فيها بالكرامة، أسوة بأقرانهم البشر حول العالم، في دولة تحترم وجود البشر ولا تسعى لإثارة الفوضى والخوف بينهم. الناس يطالبون بوقف فوري لكل الإجراءات الاستثنائية التعسفية غير القانونية ولا الدستورية، التي تجعل من السوري مغيباً قسرياً ومخطوفاً ولاجئاً ومهجراً قسرياً.
المحتجون يطلبون بوقف التسلط الأمني على كل مفاصل الحياة المدنية وشكل اجتماعهم ونوع أغانيهم وموسيقاهم المفضلة. هؤلاء سأموا سياسات التجنيد الاجباري للموت في معارك أهلية لا تهدف إلا لاستمرار الموت. شباب السويداء الذكور، رفضوا منذ العام 2014 التجنيد الاجباري، بدعم أهلي وشعبي. وتوقفوا عن مدّ قوات النظام بالجنود، ليكرسوا حياد الطائفة والمنطقة، ويرفضوا المشاركة في الحرب الأهلية. ذلك الأمر، خلق مشكلة عويصة، إذ بات أكثر من 30 ألف شاب في السويداء، أسرى ضمن المحافظة، في سجن كبير لا يمكنهم مغادرته، إلا ليتم توقيفهم على الحواجز خارجها وسوقهم للجندية غصباً عنهم.
في سوريا، السلطة التنفيذية، عبر الأجهزة الأمنية والعسكرية، متغولة على السلطات التشريعية والقضائية والبلدية، وتمنع الانتخاب الحر لممثلي الناس، عبر فرض كوتا حصرية لأعضاء حزب البعث في كل النقابات والمؤسسات الحكومية، والتشريعية، والقضائية. حزب البعث هو ناد حصري لاختيار كل الموظفين في الأجهزة الحكومية. وعندما يغلق الناس في السويداء مقرات حزب البعث، فهذا لا يقل عن اسقاط جدار برلين، ولا حلّ الاتحاد السوفيتي، فالخوف في الدول الشمولية واحد وكسره طبيعة وفطرة إنسانية لا بد أن تتحقق.
الناس في السويداء، يحتفلون بما أنجزوه سلمياً وحضارياً، كما يفعل الناس في كل العالم المتحضر، ويرسلون رسالة للعالم بأجمعه أننا هنا، على كتف الصحراء، وفي مواجهة تغيير مناخي مرعب، نواجه نظاماً سياسياً لا يريد أي حلّ يتضمن تمكين الناس وإرادتهم في إدارة شؤون حياتهم اليومية لمواجهة التحديات الحقيقة الكبرى، لا تلك المتعلقة بالنزاعات الجيو/ سياسية، والهويات والأديان والايديولوجيات.
تحديات تتعلق بإمكانية البقاء والعيش في مكان لائق، خلال فترة حرجة يتغير فيها المناخ بقسوة، ما يهدد سبل العيش وطرق استمرار الحياة. الناس يطالبون بحقهم البسيط في الحياة الكريمة، في وطنهم، ويحلمون بدولة معاصرة، تكون معينا لهم لا عبئاَ ثقيلاً جاثماً على حياتهم وروحهم. في ذلك، تطبيق لقرارات دولية وافق عليها مجلس الأمن بالإجماع. هل هذا بكثير؟



