اليسار في أميركا اللاتينية 2022.. الحلقة الثانية

بين اليسار واليمين:
توالت هزائم الأنظمة اليسارية منذ أواخر 2015 أمام هجمات يمينية استفادت من الأزمات الاقتصادية العالمية المتتالية، فاز اليمين في الارجنتين على يد “موريسيو ماكري” المؤيد لأمريكا، وفي فنزويلا فازت المعارضة المشكلة من أحزاب اليمين في الانتخابات التشريعية 2015 م، و أعيدت العلاقات بين كوبا وأمريكا عام 2015، ووقعت الحكومة الكولومبية مع منظمة (فارك ) اليسارية اتفاق سلام، وفي البرازيل أُسقطت الرئيسة اليسارية ديلما روسيف حليفة القائد العمالي لولا دي سيلفا.
عملت أمريكا ما زالت تعمل لمحاربة خطط دول أمريكا اللاتينية في مجال الاقتصاد، لأنها ما زالت تعامل معها على مبدأ “مونرو” الذي صدر عام 1825 م، بوصفها حديقتها الخلفية، ولا تعدم وسيلة للإبقاء على تبعية تلك الدول للنظام الأمريكي الليبرالي.
لم تفشل الأنظمة اليسارية اللاتينية في ما سبق بسبب عداوتها للفكر الراسمالي ولكن بسبب التمسك بألف باء اليسار الشمولي الذي قاده الاتحاد السوفياتي فيما سبق، ولم يعد بمقدوره أن يتماشى مع تطورات العلوم والأفكار، ولانحرافاته المتعددة من السيطرة الكاملة على موارد الدولة ومؤسساتها، واقصاء القوى الاجتماعية والسياسية المخالفة لها.
الحقبة الجديدة في مسيرة اليسار اللاتيني، ترتبط بعدة معوقات لابد من الإشارة إليها، وفي طليعتها تفتت الاتحاد السوفياتي ، وذلك حرمها من وجود مرجعية سياسية وعسكريه وفكرية لاحزاب اليسار، علمًا ان دولة كوبا استطاعت وصل بعض جسور اليسار المنقطعة، ولكنها لم تستطع الصمود أمام الصعوبات الاقتصادية، بشكل خاص، بعده وفاة الرئيس الفنزويلي الاسبق “هوغو شافيز” اهم ملهم الحركات اليسارية اللاتينية بعد “تشي غيفارا” والمحرر “سيمون بوليفار”، ناهيك عن القدرات المالية الهائلة التي كان يوفرها لتلك الحركات.
علمًا ان تعويضات جيوسياسية ساعدت على تنشيط اليسار اللاتيني وعودته إلى تسلم مقاليد الحكم، أهمها فوز رفاق المنظومة في الدول الكبرى للقارة، وفي مقدمتها الأرجنتين والمكسيك والبرازيل التي يعتبرون أن اليمين سرق منهم السلطة بدعم أمريكي.
وما فوز الرفاق هذا العام، في دول مثل البيرو وتشيلي وهندوراس الا تعبيرا عن الوجود القوي لليسار وتأثيره الاجتماعي داخل مجتمعات أمريكا اللاتينية، ولم يشذ عن القاعدة سوى دولة كولومبيا التي يعتبر فيها اليسار منافسًا شرسًا على السلطة، وتتعاظم قوته الشعبية من فترة انتخابية إلى أخرى.
هذا اليسار اللاتيني الذي استطاعت قيادته الشابة، التوجه إلى عموم الناس في شعارات حديثة عنوانها الإصلاح الاقتصادي، والتنمية الريفية، وحقوق المرأة، والإرتقاء بقطاعي الصحة والتعليم؛ عناوين حلت محل البروليتاريا والحكم الشمولي، أو اعتماد الثورة سبيلا للوصول إلى السلطة.
واقع اليسار اللاتيني: نجاحات وتفاؤل
- الأرجنتين:
إنتزع تحالف يسار الوسط السلطة من الرئيس اليميني” موريسيو ماكري” عام 2-19 م، فيما عرف ب” جبهة الجميع” المعروفة بـ(frente de todos)التي قادها الثنائي البرتو فرنانديز الذي فاز بموقع الرئاسة، والرئيسة السابقة” كريستينا كريشنر” التي فازت بموقع نائب الرئيس وتولت رئاسة مجلس الشيوخ، في حين كاتت رئاسة “ماكري” استثناء في مرحلة حكم مستمرة للبيرونية السياسية منذ عام 1983.
ولكن فرحة اليسار لم تكتمل، إذ تكبد التحالف خسارة أفقدته الأكثرية في مجلس الشيوخ، في الانتخابات التمهيدية التي جرت في أيلول 2021 م، ثم توالي الخسائر في مجلسي الشيوخ والنواب في الانتخابات التشريعية النصفية في 14 تشرين الأول 2021 م.
وتواجه حكومة فرنانديز- كريشنر معارضة قوية، وظهور قيادات شبابية معارضة على المسرح السياسي، في ظل تضخم متسارع تجاوز ٤٢% عام 2021 م، وتداعيات اجتماعية واقتصادية ناتجة من وباء كورونا، إضافة إلى اقتراب الموعد النهائي لتسديد بنك القرض الدولي، ونسبة فقر تجاوزت 40% من الشعب الارجنتيني؛ ما دفع الرئيس فرنانديز إلى دعوة أطياف الشعب المختلفة إلى حوار وطني لتفادي الأسوأ.
- بوليفيا:
نجح الانقلاب العسكري على الرئيس “إيفو موراليس” زعيم حزب (الحركة من أجل الاشتراكية)،الذي دبرته الولايات المتحدة الأمريكية بواسطة بعض جنرالات الجيش البوليفي، ونصبت البرلمانية اليمينية” جانين أنيز” رئيسة إنتقالية للبلاد بتاريخ 12 تشرين الثاني 2019 لفترة لم تتجاوز العام الواحد، استطاع خلالها رفاق “موراليس”، وبعد رحلة دموية سقط فيها كثير من مناصريه على يد قوات الأمن بأوامر من السلطات اليمينية، في مظاهرات عمت أنحاء بوليفيا، استنكارا ورفضا لقرار إقصائه من الحياة السياسية؛ أن يحولوا الغضب الشعبي العارم ثورة في صناديق الاقتراع، ليفوز المرشح الاشتراكي “لويس آرسي” برئاسة بوليفيا، وليعود “إيفو موراليس” من منفاه الاختياري في الأرجنتين، بعد المكسيك.
علما أن السبب الظاهري للانقلاب العسكري عليه، هو اتهامه بتزوير الانتخابات الرئاسية وفوزه فيها للمرة الرابعة على التوالي، في حين كان أصدقاؤه من أقطاب اليسار اللاتيني قد نصحوه بعدم الترشح لدورة رابعة، وتقديم وجوه حزبية جديدة ،ولكنه رفض نصيحتهم وكان ما كان.
- البيرو:
بين بوليفيا اليسارية والاكوادور اليمينية، جاء التحول إلى الاشتراكية حديثا بعد فوز اليساري” بيدرو كاستيو” النقابي ومعلم المدرسة على مرشحة اليمين “كيكو فوجيموري” إبنة الرئيس الأسبق ذي الأصول اليابانية، المعتقل بتهم إجرام و فساد وغسيل أموال، ناهيك عن تهمة حقن آلاف من النساء الهنديات من سكان البلاد الأصليين بمواد مانعة للإنجاب، في سابقة اجرامية غير معهودة.
ومع تكرّس هزيمتها في الانتخابات باتت فوجيموري في مواجهة دخول السجن بتهمة تلقّي أموال من “أودبريخت”، شركة البناء البرازيلية العملاقة التي طالتها فضائح عدّة في أميركا اللاتينية عموما، لتمويل حملاتها الانتخابية الرئاسية في عامي 2011 و2016.
أما “كاستيو” الذي أغدق من الوعود، وللطبقات الفقيرة بشكل خاص، سيكون في مواجهة حادة مع الولايات المتحدة الأمريكية، بعد إعلانه عن نواياه في تأميم قطاعات النفط والغاز التي تديرها شركات أميركية، إضافة إلى وعوده بتأمين آلاف الوظائف للشباب المتعلم العاطل عن العمل.
- هندوراس:
عاد اليسار بقوة إلى الحكم في هندوراس العام 2021، بعد فوز “سيومارا كاسترو زالايا” بانتخابات الرئاسة بنسبة تجاوزت 54% من أصوات الناخبين، واكب ذلك فوزٌ بغالبية مجلس الشيوخ؛ بينما حصل مرشح اليمين الفلسطيني الأصل ” نصري عصفورة” على نسبة 34% فقط. والرئيسة الجديدة هي زوجة الرئيس الأسبق “مانويل زالايا” الذي أطيح به في انقلاب عسكري عام 2009 م، ثم تلا ذلك حكم يميني لدورتين متتاليتين منذ 2010 حتى 2021 م ،ما زال رئيسه إبان الدورتين” خوان أورلاندو هرنانديز” يواجه دعاوى قضائية ضده، داخلية وخارجية، في تهم الفساد والرشاوى وغسيل الأموال ونهب الخزينة العامة.
وما عدا ذلك، فاليسار مستقر في كل من كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا، مع “ميغيل دياز” وريث الأخوين “كاسترو” في كوبا، و”دانييل أورتيغا” في نيكاراغوا،أحد أركان اليسار اللاتيني الحديث، و”نيكولاس مادورو” في فنزويلا، وريث “هوغو شافيز” الذي غير في معادلات القارة اللاتينية أثناء توليه الحكم، في محاولات حثيثة لإقامة دولة كولومبيا الكبرى التي كان يحلم بها محرر القارة وملهمها: سيمون بوليفر.
- المكسيك: قيادة اليسار
عصفت رياح التغيير اليسارية بدولة المكسيك، خاصرة الولايات المتحدة الأمريكية، بقيادة “أندريه مانويل لوبيز أوبرادور” الشهير بلقب (AMLO)، الذي يرمز إلى الأحرف الأربعة من إسمه، وحركة (مورينو) اليسارية التي أجهزت على أكبر حزبين حكما المكسيك منذ عام 1929 م.
ذلك الفوز الاستثنائي شكل رافعة لأحزاب اليسار اللاتيني عامة،بالرغم أن المكسيك هي إحدى دول أميركا الشمالية، ولكنها أقرب إلى الشعب اللاتيني لأنها تتكلم اللغة الإسبانية، ولأنها تعد من دول العالم الثالث.
لم تقتصر أعمال (أملو) على مكافحة الفساد وإعلان الحرب على أباطرة تجارة المخدرات وأقطاب الجريمة المنظمة، بل باشر بتعزيز سبل التعاون مع الولايات المتحدة، ودول اليسار اللاتيني من جهة ثانية، وما تسهيل المكسيك لمفاوضات على أرضها، بين الحكومة الفنزويلية والمعارضة سوى شاهد على تقريب وجهات النظر بين اليسار وخصومه.
المصدر: مجلة “الشراع” اللبنانية


