مقالات

“بـــدّي لـحّـــقْ نـسـيـــــب”..!

د. محمود المسلماني/ لبنان
خاص “المدارنت”..
كان المنبّه الذاتيّ لدى أبي توفيق دقيقًا؛ فما أن غدا الفجر على وشك البزوغ حتى كان الرجل قد نهض من فراشه، وارتدى ثيابه الريفية المعهودة (السروال والقمباز والكوفية والعقال)، واسرع ليتوضّأ ويمسح ما علق بوجهه من خمول النوم.
لكنّه هذه المرّة يهبّ من فراشه سريعا، يحفزه فرح غامر، يشرق في فضاء نفسه التي شاد فيها الأسى معاقل منيعة.
لقد فقد شريكة العمر في حادث مفجع، سقطت فيه ضحيّة الطيش تحت عجلات سيارة مسرعة.
كانا يتعاونان في مواجهة أعباء الشيخوخة: تحضّر طعامه، تغسل ثيابه، وتبعد وحشة أيّامه بعد غياب ابنه الوحيد الذي اختطفته الغربة منذ أمدٍ بعيد.
سافر لدراسة الطبّ في بلاد الغرب. يذكر جيّدا كيف باع معظم أملاكه من أراضي “النهر” لدفع مستحقّات دراسته الأكاديمية؛ لكنّ حلمه بعودته بعد التخرّج غيّبته تلك الغربة الطويلة، حتى ليكاد يطويه النسيان.
ما تناهى إلى علمه من بعض رفاق السفر، أنّه تزوّج من امرأة ثريّة، وأنّهما في بحبوحة من العيش، وقد صفت لهما الأيام أيّما صفو.
كان الأمر مصدر سعادة وأسى للأبوين في الآن نفسه: سعادة لما أصابه من نعمة وتوفيق في تلك الديار البعيدة، وأسىً لذلك الجحود الذي أنساه الأهل والوطن في جنّة نعيمه المغرية.
هذه هي مصادر الأسى التي تلبّدت في فضاء نفسه: شيخوخة تدبّ بصعوبة في وعورة السبعين، ووحشة فقدان الشريكة الغالية، وجحود الوحيد الذي غيّبته مغريات البحبوبة والغنى.
لكنّ فرحته هذه المرّة تكاد تقفز فوق تلك الغمامات السوداء؛ فابنه الذي ابتلعته تلك الغربة القاسية، عاد ليشرق في أفق شيخوخته من جديد.
لقد حضر مختار الضيعة إلى منزله يوم أمس، وهو يحمل إليه كتابًا من “توفيق”.
“شو في هالمكتوب يا مختار؟ ومن مين؟ انا ما تعلّمت القرايه متل ما بتعرف”.
فضّ المختار الكتاب، وقرأ:
“… لقد إنتقلت الى بيروت منذ أيام، وأنا، الآن، أقيم وعائلتي في الطابق الخامس من بناية محفوظ في شارع الجامعة الأميركية. أرجو ان تحضروا لزيارتي، وسأكون سعيدا برؤيتكم بعد فراق طويل”.
كان المختار يقرأ، والأب يحاول إخفاء دمعاته المنهلّة على وجنتيه.
كان يصارع شعورا بالعتب يجتاح حناياه. ألم يكن حريّا بـ”توفيق” أن يحضر الى القرية لزيارة منزل والده، والاطمئنان الى صحّته واحواله بدل أن يدعوه لزيارته في مدينة كبيرة لم يزرها قطّ، ولا يعرف منها غير الإسم؟!
لكنْ لا عتب عليه؛ فماذا ترتجي من ولدٍ، تجاهل مأتم أمّه منذ سنوات، عندما أرسل معتذرا عن الحضور لضرورات العمل المتواصل؟!
رغم ذلك كلّه، كانت عاطفة الأبوّة لدى أبي توفيق تتجاوز عقوق الإبن الضالّ، وتتناسى سوء تصرفاته؛ فما أن وصلته رسالة ولده حتى أسرع للتلبية دون تردّد، طارحًا جانبصا كلّ ملامة وعتب.
أنهى صلاة الفجر، ثمّ مضى خفيفًا الى الشارع، ينتظر بوسطة “نسيب” التي تقلّ المسافرين من أهل الضيعة، والقرى المجاورة الى بيروت.
لم يطل انتظاره، حتى سمع صوت بوقها الذي تطلقه عندما تغادر القرية المجاورة، تنبّه المسافرين الى قرب وصولها.
وصلت “البوسطة”، وتوقّفت بجواره.
“طلاع يا بو توفيق. ساعدوه يا شباب”.
… وصعد أبو توفيق، وانطلقت “البوسطة” من جديد، والركّاب يتبادلون الحديث في موضوعات شتّى.
وسأله جاره:
– خير؟ شوفي عندك ببيروت؟
– الدكتور صار ببيروت رايح بدّي شقّ عليه. صرلي سنين ما شفته.
وبابتسامة ذات معنى..
– ما كان لازم هوّي يجي عالضيعة يشقّ عليك بدل ما يعذّبك عبيروت؟!
– الدكتور عنده شغل كتير. ما بيفضى. بكرا ما بتشوفه إلّا بالضيعة.
لم يكن ليصدّق ما يقول؛ فليس الانشغال بالعمل هو المانع من زيارة الدكتور لمنزل والده في القرية، بل هو في أحسن الأحوال نسيانه للفضل والجميل.
احتفظ بهذا لنفسه مصرّا على تناسيه استجابة لعاطفة الأبوّة المتدفّقة تجاه وحيده.
وصلت البوسطة بعد مسيرة ساعات ثلاث الى بيروت، وترجّل الركّاب، ومضى كلٌّ خلف اهتماماته فيها.
كان أبو توفيق يقف الى جانب البوسطة، يسرّح نظره مبهورًا بعالم غريب لم تألقه حواسّه من قبل: الشوارع الكثيرة التي تجوبها السيارات بصورةٍ متواصلة. المارّة الذين يقطعون الشوارع متحرّكين في كلّ اتّجاه. البنايات العالية التي يكاد بعضها يناطح السحاب. الاسواق المتنوّعة، والمحلات التي تغصّ بزبائنها الداخلين الخارجين بسماتهم وأزيائهم المختلفة. المزيج غير المتناغم من اصوات السيارات والمارّة والباعة الذي يخدش المسامع التي تآلفت طويلا مع انغام السكينة في ريفها الجميل.
كان “بو توفيق” مأخوذًا بما يرى ويسمع، عندما أيقظه صاحب البوسطة بقوله: “شو بدّك تعمل يا “بو توفيق”؟ لوين بدّك تروح؟”..
أخبره الرجل بكتاب إبنه وعنوانه في بيروت، فأوقف له سيارة تقلّه الى المكان المقصود، قائلًا له: ” إذا ما بدّك تنام هون، بترجع معنا. أنا الساعة تلاته بطلع من بيروت”..
… وتوقّفت السيارة في شارع راقٍ عند مدخل بناية فخمة. وترجّل “بو توفيق” بعد أن نقد السائق أجرته.
كان في سرواله وقمبازه وكوفيّته وعقاله شخصًا غير مألوف في هذه الناحية؛ فالقوم في بذلاتهم الأنيقة، وثيابهم المواكبة لأحدث تقليعات الموضة مختلفون في أشكالهم وأذواقهم وطرائق حياتهم.
ما همّ.
دخل الرجل وبدأ يصعد درج البناية، متجاهلًا المصعد الكهربائيّ الذي لم يسبق له استخدامه.
وبعد جهدٍ تقطّت معه أنفاسه أدرك الطبقة الخامسة للبناء.
قرع باب الشقّة بيدٍ مرتجفة، وشعور غامر بالإشتياق لملاقاة شابّ غيّبه السفر عن عينيه سنوات طويلة، لا شكّ أنّه بات الآن رجلًا على درجة عالية من الرصانة والكمال، سيباهي به جميع من يعرفه في القرية والجوار. سيُفتَح الباب، وسيرى ابنه توفيق وجهًا لوجه، والابتسامة تشرق على محيّاه. لن يمهله للترحيب به، بل سيهاجمه بعناق طويل، ووابل غزير من قبلات حارّة تتساقط على الوجه والرأس والعنق، وتتشمّم رائحة الدم في عروق وحيده الذي غيّبته الغربة الكافرة.
… وفتح الباب. ماذا يرى؟! امرأة غريبة لم يبصر مثيلات لها في تلك النواحي التي احتضنت حياته. بدت في شعرها الأشيب، وسروالها المفرط في القصر، وسترتها التي تفضح أكثر ممّا تستر من لحمها الرخيص، وفي وجهها الذي تزدحم في ملامحه آيات التجهّم والغضب. كان المشهد في ذلك كلّه مخيّبًا منفّرًا قبل أيّ كلام.
نظرت الى قيافته مشمئزّة صائحة: “منين هالشحّادين بيطلعولنا كلّ يوم؟! روح شوف شي بيت تاني يعطيك”..
– انا بو لـ”توفيق”. ما عرفتيني؟!
– توفيق بالعيادة ما بيجي للساعة خمسه.
وأقفل الباب، ومضت الى عالمها الخاص، وعاد أبو توفيق ليلحق بالبوسطة، يجرجر خيبته، ويتعثّر بمرارة آماله الضائعة.
نزل على الدرج بكلّ ما طاوعته قواه من سرعة، ولم يسلم من تعثّر عند الدرجات الثلاث الأخيرة، ليسقط على الباحة الصغيرة قرب مدخل البناء.
كانت السقطة سليمة، لم تسفر عن أذيّة تذكر، أو لعلّها أسفرت؛ لكنّ ألم الخيبة أنساه كلّ ألم.
مات توفيق. نعاه لنفسه. أشار لسيارة أجرة: “مطرح ما بتوقف البواسط بساحة البرج. بدّي لحّق “نسيب”.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى