بـيـــن عــلــــيّ ومـعــاويــــــة..

خاص “المدارنت”..
صراع بين نهجين، الاوّل يُمثِّله الرعيل الأول من الصحابة الذين تولّوا الحكم بعد وفاة الرسول الكريم (مُحمّد صلوات الله وسلامه عليه)، أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، وبين الجيل الجديد، وهو معاوية وعمرو بن العاص وخالد وغيرهم. الجيل الأوّل أراد تحرير أرض العرب ونشر الإسلام، من خلال توحيد الأرض والقدرات والطاقات – باعتبار انّ العرب هم مادّة الإسلام والمكلّفون بحمل الرسالة ونشرها في العالم. لم يكن في خططهم فتح أيّ بلد غير عربيّ بقوّة السلاح، وهذه بعض الأدلّة:
كان أسياد العرب في الجاهليّة يعلِّمون التاريخ لأبنائهم، ولهذا – عندما انتهت حروب الردّة على الاسلام، بعد موت الرسول الكريم، والتي دامت سنتين – أمرَ أبو بكر الصدّيق، قائد الجيش خالد بن الوليد، بالتوجُّه إلى الشام لتحريرها – وليس لفتحها – وعندما أمرَ عمر بن الخطّاب سعد بن أبي وقّاص إلى العراق، لتحريره وليس لفتحه، وعندما أرسل رسالة إلى قيصر الروم، قبل إرسال جيشه لحربه، قال له فيها: “من عمر بن الخطّاب إلى قيصر الروم، أُخرُج من بلاد العرب”.. الخ من الوقائع التاريخيّة.
سرَدنا بعض هذه الوقائع، لنقول أنّ أبا بكر وعمر، كانا من أبناء أسياد العرب الذين تعلّموا التاريخ من أهلهم، الذين أبلغوهم انّ العراق وبلاد الشام أرض عربيّة، كانت قد احتُلّت منذ مئات السنين.
هنا يحضرني كلام مهمّ جدًّا لأحد الباحثين الأميركيّين، والذي جاء في كتاب له حول تاريخ القديم، يقول بأنّ آخر معركة انهزم فيها العرب في غزّة، قبل انكفائهم إلى داخل صحراء شبه الجزيرة العربيّة، كانت حوالي سنة 600 قبل الميلاد. هذا يعني انّ العرب قد خاضوا، ربّما، مئات المعارك في بلاد الشام والعراق، قبل انكفائهم إلى الصحراء.
يلتبس على البعض فهم مصطلح “جزيرة العرب”، فيظُنّون انّها أرض العرب الوحيدة، غير أنّ المصطلح يعني أنّ العرب، لهم اراضٍ واسعة من ضمنها جزيرتهم.
على أيّ حال، لنعُد إلى موضوعنا بين الامام عليّ بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، ومعاوية بن أبي سفيان. يظنّ معظم الناس انّ الاثنين كانا يكرهان بعضهما البعض، أو أنهما اختلفا حول الإسلام، وتطبيق الشريعة – وهذا منافٍ تمامًا للحقيقة. إذ كان الصحابة الكرام، كلُّهم يحبّون بعضهم البعض في الله، ولم يكن أيّ حساسيّة شخصيّة بين أبي بكر وعمر وعثمان، من جهة، وعليّ، من جهة أخرى؛ فقد كانوا جميعًا في أعلى درجات التفاهم والمحبّة والودّ والاحترام، لبعضهم البعض في حياة الرسول، وبعد موته – وهناك مئات الأدلّة على هذه الحقيقة.
إذن، ما الذي حصل حتّى انفجر خلاف، أدّى إلى حروب قتلت الآلاف، وأحدثت شرخًا بين العرب، الذين كان الإسلام بينهم ما يزال في أيامه الأولى، حيث لا خلاف على خطابه أو مبادئه أو قِيَمه أو تفسيره، أو فهم مقاصد شريعته؟!
بداية، كما أسلفنا، لم يكن الخلاف دينيًّا أو فقهيًّا، ولم يرد ذلك في أيّ رواية على الإطلاق، وإنما كان في نهج الحكم والسياسة؛ خلاف بين نهجين: نهج جيل قديم – أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ – ونهج جديد لجيل من الشباب – معاوية وعمرو بن العاص وخالد وغيرهم. هذا الاختلاف في مقاربة الحكم، ظهر أيام عمر، عندما طلب منه معاوية – الذي كان واليًا على الشام – غزوَ قبرص، وتمّ الرفض القاطع من عمر بن الخطّاب، الذي كان قد طلب من سعد بن أبي وقّاص، قبلها، التحصّن خلف الجبال التي تفصل فارس عن بلاد العرب، وعندما أرسل عمرو بن العاص إلى مصر، لوجود قبائل عربيّة فيها، وفي شمال أفريقيا كلِّها.
إذن، كان الصحابة، “الحرس القديم”، يريدون تحرير وتوحيد العرب، ثمّ نشر الإسلام إلى الانسانيّة من خلال هذه الوحدة وربّما، وهذا الأرجح، من خلال التبشير وليس بالقوّة – وهكذا كان نهج عليّ بن أبي طالب.
أمّا معاوية وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد، وغيرهم، فأرادوا استثمار النهضة العظمى التي أحدثها الإسلام في العرب، لتوسيع رقعة الأرض واخضاع الشعوب، للدخول في دين الله – وربّما لمآرب أخرى – والدلائل على ذلك تملأ كتب التاريخ.
إذن، في بداية استلام سيِّدنا عليّ لزمام الحكم، حاول تثبيت نهج من سبقه من الصحابة – ألرعيل الأوّل – بأن طلب من معاوية وعمرو بن العاص، ترك مناصبهم، فتحوّل التباين إلى خلاف شديد، برفض معاوية، إلى أن أدّى إلى نشوء شيعة عليّ، وشيعة معاوية، ثمّ الحروب المعروفة.
نهاية القول، هو أنّ الخلاف كان سياسيًّا بامتياز بين نهجين وجيلين، وليس صراعًا على السلطة، على الإطلاق، لأنّ معاوية، كان راضيًا بولاية الشام، تحت سلطة عليّ، من دون أيّ اعتراض، لكن تطوّر الأمر عندما أصرّ سيِّدنا عليّ، على إقالته من مصبه فكان ما كان.
على أيّ حال، هي مرحلة انقضت منذ أربعة عشر قرنًا، ولم تعد تؤثِّر في مجريات أمور الحكم والسلطة والدولة منذ ذلك التاريخ، وما على المسلمين، إلّا أن يضعوها في هذا الإطار، ويمضوا إلى الأمام، فالأمام فالأمام – من دون عناء الإلتفات إلى أيّ وراء..




