مقالات

بين أميركا وإيران.. التواطؤ والتناغم!

د. عبد الناصر سكرية/ لبنان

خاص “المدارنت”
منذ ربع قرن والعلاقات الاميركية/ الإيرانية محكومة بعقدة البرنامج النووي الإيراني؛ تجاذبات ومناوشات ومفاوضات ومسرحيات وتناغمات واخذ ورد تتواصل منذ خمسة وعشرين عامًا من الزمن؛ والأمر لم يبت بعد ولم يصل إلى نتيجة معروفة وواضحة؛ فالأمر في أساسه يكتنفه كثير من الغموض والإستعراض وعرض العضلات من دون أن يحتمل إمكانية حسمه سلبا أو إيجابا..

لماذا لم تستطع كل دول الغرب مجتمعة إبرام إتفاق واضح مع إيران يظهر تفاصيل برنامجها النووي أو يحسم الموقف منه أو يضع حدًا له؟
والسؤال الأهم: هل يشكل البرنامج النووي لإيران خطرا على الغرب وأميركا؟ سيقول قائل أنه يشكل خطرا على الكيان الصهيوني: قاعدة الغرب الإستعمارية في قلب الوطن العربي؛ فهل هذا واقعي وصحيح أو يمكن أن يكون موضوعيا؟
إن مراجعة تاريخية لمراحل العلاقات بين الغرب الأوروبي وبلاد فارس – إيران حاليا – تبين أن ليس ثمة تناقضات إستراتيجية بينمها ولم تحدث مصادمات او حروب على مدى أزمنة تاريخية متلاحقة.. حتى ان بعض تلك المراحل شهدت تعاونا في مواجهة قوى عربية صاعدة محلية أو مركزية.. وحتى حينما تأسست الدولة الصفوية في بداية القرن السادس عشر برعاية بريطانية ؛ تركز نشاطها في مواجهة المماليك ومن ثم العثمانيين بالتنسيق مع الدول الأوروبية النافذة آنذاك والمتضررة من الدولة العثمانية وقوتها المركزية..

يمكن الإستناد إلى هذا الإستعراض التاريخي لبيان حقيقة أن بلاد فارس لم تكن يوما مصدر خطر على المصالح الغربية أو تهديد مباشر لها..
ومما يؤكد أكثر صحة هذه الحقيقة أن ما سمي بـ”الحروب الصليبية” او حروب الفرنجة كما أسماها العرب لم تكن لتشمل بلاد فارس بأي تهديد ولم تحصل معها أي صدامات أو معارك.. رغم أنها إستمرت قرابة قرنين من الزمن تركزت كل معاركها في قلب الوطن العربي وتمحورت كل غزواتها على إحتلاله وإخضاع الأمة العربية للهيمنة الغربية الإستعمارية.. وكان جوهر تلك الحروب يقوم على تقسيم الوطن العربي وإقامة ممالك إستعمارية في قلبه منعا لوحدته في أي وقت..ولم تكن بلاد فارس معنية بتلك الحروب ولم تكن هدفا لها أو مستهدفة فيها..

كما أن إقتطاع بريطانيا للأحواز العربية وإلحاقها قسرا بإيران كان بهدف التأسيس لصراع مستمر بين العرب وإيران.. علما أن الأحواز العربية تمثل جغرافيا الساحل الشرقي للخليج العربي..
لا نريد بهذا الكلام الإشارة من قريب أو بعيد للفكرة التي يقول بها كثيرون عن تناغم خفي بين الغرب واميركا وبين إيران؛ أو حتى لاحتمالية تواطؤ بينهم في أمر ما أو في الحرب الحالية القائمة بينهم..

أردنا بهذا مدخلا للتذكير بحقيقتين تاريخيتين إستراتيجيتين :
# الأولى: أن القوى الغربية الإستعمارية تستهدف دائما الوطن العربي أيا تكن طبيعة الأنظمة الحاكمة فيه.. بل وأكثر من هذا فهي تستهدفه حتى لو كانت أنظمة الحكم فيه حليفة لها أو تابعة.. وبعيدا عن الإستغراق في التسويق الإعلامي ودعاياته وإستخدامه وسيلة للتغطية على أهداف جوهرية أكثر عمقا وخطورة من كل ما يتم الإعلان عنه..

فمنذ أن تكونت أمة عربية واحدة على هدي الإسلام دينا وقيما حضارية بعد أن تحررت بالإسلام وحاملي رايته من المسلمين العرب؛ جميع الأرض التي تشكل اليوم جغرافية الوطن العربي الكبير..أصبحت الأمة العربية هدفا دائما للعقل الغربي الإستعماري التوسعي أيًا كانت قوته المركزية: ليس فقط لما تمثله جغرافيا من موقع إستراتيجي جعلها تتوسط العالم وتتحكم في حركة المواصلات البحرية فيه مما جعلها عقدة التواصل بين الأمم والشعوب المختلفة ؛ وإنما بالإضافة لذلك كان ما شكلته الحضارة العربية – الإسلامية الجديدة من نقيض حضاري أخلاقي ثقافي للغرب الإستعماري وكل منطلقاته الفكرية والعقائدية..

مع العلم أن إستهداف المنطقة العربية بالغزو وبالإحتلال والإخضاع كان دائما مطمع أي قوة توسعية أجنبية تتطلع إلى نفوذ إستراتيجي خارج حدودها؛ في كل المراحل التاريخية حتى فيما قبل ظهور الإسلام..

# الثانية: إن بلاد فارس لا تمتلك المقومات والمواصفات التي تمتلكها الأمة العربية: لا الموقع الإستراتيجي ولا البعد الحضاري الذي يشكل نقيض العقل الغربي وعقيدته الإستعمارية.. وحتى مع دخول الإسلام إليها لم تتحول إلى مثل ذاك النموذج الذي شكله النموذج العربي الإسلامي.. حتى أن كل مساهماتها الثقافية والفكرية والعلمية كانت في إطار الحضارة العربية وبلغتها العربية الأم..الأمر الذي يجعلها موضوعيا خارج دائرة الإستهداف الإستراتيجي من قبل القوى الإستعمارية..

وإذا أضيفت إلى كل هذا حقيقة أن العرب المسلمين هم الذين على أيديهم إنهارت حضارة بلاد فارس القديمة وإنتهت بإنتشار الإسلام بين أبنائها؛ فإنها سوف تلعب دورا مزدوجا في الصراع على المنطقة العربية:
# الأول: تسببت في عداء تاريخي مع العرب سوف يكون ركنا في أي توجهات إيرانية سياسية أو ثقافية أو دينية..
# الثاني: شكلت دافعا للغرب للإستفادة من تلك الحقيقة وما تسببت به من عداء؛ في حروبه ضد العرب ومن ثم ضد العروبة والإسلام ذاته..الأمر الذي فتح أبواب التناسق أو التقاطع في الأهداف بينهما في مواجهة العرب..

وفي الواقع الراهن ومع المتغيرات الكثيرة التي حصلت وأدت إلى الحرب القائمة حاليا؛ فإن تلك الحقائق التاريخية الإستراتيجية ليست غائبة عن حسابات الميدان وحسابات الأهداف والسياسة والمصالح والتطلعات المستقبلية..
الامر الذي يحمل على الإعتقاد أن الحرب الدائرة لا تستهدف إسقاط النظام الديني الحاكم في إيران وإن كانت أميركا – ومعها الكيان الصهيوني – هي التي بدأت حربا عدوانية ضد إيران..
يستدل من الوقائع والأحداث في المنطقة في العقود الأخيرة على حقيقة أن الغرب الإستعماري – وقاعدته الصهيونية – لا يريد إسقاط النظام في إيران ..أقله من منطلقات البراغماتية السياسية التي تحرك العقل السياسي في كل من أميركا وإيران..نؤكد ما قلناه أننا لا نريد القول بهذا أن هناك نوع من التواطؤ أو التناغم بينهما رغم وجود مؤشرات متعددة على مثل ذلك التناغم..

فقد شكل إحتلال العراق وإسقاط نظامه الوطني بيانا تفصيليا واضحا على حجم التقاطع في الأهداف والمصالح بين البلدين.. إلى الدرجة التي جعلت أميركا تستعين بإيران لتحقيق ما تريده للعراق من تفتيت مجتمعه وتهشيم عروبته وسرقة موارده وتنصيب أجهزة فاسدة مرتهنة تحت إسم: “دولة”؛ وهو ما يتم الآن بإشتراك أعوان الطرفين وأدواتهما وأجهزتهما..

أما والحال كذلك يصبح السؤال لازمًا: هل يشكل البرنامج النووي الإيراني خطرا على أميركا وقاعدتها الصهيونية في فلسطين؟
على ضوء المعطيات والوقائع تتضح حقيقة أن إمتلاك إيران للسلاح النووي لا يشكل خطرا على أميركا ولا على الكيان الصهيوني.. فلا تناقضات إستراتيجية بل تقاطع أدى إلى تناغم رغم الحرب التي أضعفت كثيرا قدرات إيران ولكنها بالمقابل تتخذ مبررا لتحقيق أهداف أخرى غير معلنة ولكنها أكثر خطورة وحيوية..

إن المماطلة الواضحة لإطالة أمد الحرب يخفي في طياته هدفين رئيسيّين:
# الأول: إزاحة قضية فلسطين عن واجهة الإهتمام العالمي بعد أن تصدرته لفترة مفصلية هامة ترافقت مع متغيرات هامة على كل الأصعدة الشعبية والإعلامية وحتى الرسمية..تغيرات أدت إلى تراجع مهم في التبني الغربي للكيان دون أي قيود ..وبلغ التغير في الرأي العام الشعبي في أميركا ومعظم دول العالم حدا كان جديرا بتهديد حقيقي لوجود الكيان ذاته..

# الثاني: أستنزاف القوة العربية ونفوذها في الجغرافيا والتاريخ والمقدرات والوظيفة..وهو مطلب إستعماري دائم..
وعلى الرغم من الصراع القائم بين الفريقين إلا أنه صراع على النفوذ والإمتداد ومدى الفعالية الزمنية والجغرافية وليس بحال من الأحوال صراعا وجوديا.. فلا إيران تريد إزالة الكيان من الوجود ولا الكيان يريد إزالة إيران من الوجود.. أما مستقبليا فلن تتمكن إيران من تشكيل نموذج حضاري محوري يهدد مستقبل الحضارة الغربية التي تتهاوى من الداخل ..ورغم إسلامها إلا أنها لا تستطيع أن تشكل رافعة لملايين المسلمين المنتشرين في أصقاع العالم ليكونوا نموذجا حضاريا واحدا.. وفي أقصى حالاته قد يستطيع التوسع الإيراني أن يجتذب إليه أعدادا متزايدة من المسلمين ” الشيعة ” ومهما كثر عدد هؤلاء فإنه لن يكون إلا دافعا لإنقسام مذهبي بين المسلمين يضعفهم جميعا ويبطل إمكانية تجسيدهم كوحدة إجتماعية حضارية بديلة..

على عكس الحالة الفلسطينية التي تشكل النقيض الكلي للحالة الصهيونية: صراع وجود لن يحسم إلا بزوال أحد الطرفين..فلسطين هي النقيض المعرفي والتاريخي والعقائدي للصهيونية وقاعدتها الكيانية..

كما أن البعد العربي لفلسطين يمكنها من تشكيل جماعات ثقافية وكتل إجتماعية تستقوي بالإسلام كدين وثقافة وقيم لتصبح نموذجا حضاريا وإنسانيا جاذبا في مجتمعات الغرب ذاته حيث ينتشر ملايين المسلمين الذين تعزز دورهم لغتهم العربية التي يمتلكونها بفضل إيمانهم الديني..

وهذا ما يجعل العرب هم الأقدر على تجسيد ذلك النموذج الحضاري البديل بفعل تكامل هويتهم القومية مع إنتمائهم الديني حيث العربية هي لغة القرآن الوحيدة..وتلك خاصية منحتها للعرب عبقرية التكوين التاريخي للأمة ووحدانية التخصيص الإلهي للإسلام بلغة القرآن..

لذلك كان واضحا العمل الصهيوني – الأميركي على الإستمرار في الحرب وإطالة أمدها لمزيد من تراجع قضية فلسطين وإخفائها تحت غطاء قضية تفصيلية عابرة وهي تخصيب اليورانيوم في إيران ودرجة التخصيب وكمية المادة المخصبة وهكذا..

فمن قضية وجود شعب وأرض مغتصبة وشعب يحاصر ويجوع ويقتل كل يوم وحروب إبادة جماعية وتطهير عرقي وعنصرية وعدوان على الإنسانية والإنسان؛ إلى قضية تخصيب اليورانيوم المستمرة في نقاش مفتوح ومفاوضات لا تتوقف منذ ربع قرن..
وحده هذا الهدف يستحق جهودا جبارة من القوى الصهيونية وكل من يدعمها – سرًا وعلانية – لتحقيقه؛ وهو ما يجد له طريقا في الحرب الحاضرة..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى