بين “ثقافة القطيع” و”نظرية ماعز يهوذا”!

خاص “المدارنت”..
على إيقاع الاتهامات المتبادلة بين أطراف المنظومة الحاكمة، وتخوين الطرف الواحد منها للآخر، لم يعد يفاجئنا هذا الكمّ من الفضائح التي تتكشف على الملأ في كل يوم، حتى ليخال الواحد نفسه انه يعيش في غابةٍ من العصابات المافياوية المنظمة، قوامها وحوشٌ بشرية لا تمت إلى الأخلاق والإنسانية بأية صلة، تتاجر بكتب الأديان السماوية، وتجيِّر ذلك لتكريس فسادها الذي لا يُميِّز بين القوانين والخروج عليها…! وجُلّ ما ينزعون إليه هو تكبير أحجامهم، وتوسيع حظائرهم الطائفية، وتحويل اللبنانيين إلى قرابين جاهزة يُضَحُّون بها كلما دعت المصلحة التي تُقرُّها الحظيرة، وتتوافق عليها باقي الحظائر…
أيُّ نوعٍ من اللصوصية تلك الخبرية التي تحدثت عن أجهزة استماع ونصت وضعها رئيس سابق للجمهورية في مكتبه وهو يستقبل رئيس حكومته لكي ينقل بالصوت ما جرى ويجري بينهما إلى من يتنصت عليهما في غرفةٍ مجاورة، وفي أيَّة خانة من عدم الأخلاق يمكن وضع ما جرى، سوى الحضيض…!
إنه الحضيض اللأخلاقي واللاسياسي المرادف لجهنّم الاقتصادي والاجتماعي الذي زُجَّ في آتونها اللبنانيون، وباتوا أقرب إلى العيش في مجارير الفساد التي تتحكم بها سيول المنظومة بوحولها وبقايا نتانتها، حيث لا عجب أن يتبرّأ منها الوزراء المعنيين… الذين هم مسؤولون عن إغراق الاوتوسترادات اللبنانية بشلّالات المياه الهادرة كلّما أمطرت السماء، متخذين من لون المياه الموحلة ذريعةً لرمي المسؤولية على بعضهم البعض، وكلهم في التقصير سواء، وحوّلوا في نفس الوقت حياتنا إلى طين ووحول وشحار بلون وجوههم… غير أنها تتمايز عن وحول البلديات لكونها ممزوجةً بشتى ألوان العذاب والقهر والمعاناة…!
إنها منظومة الفساد المتكاملة في عهرها وفسادها، والتي تتوزع الأدوار ما بين موالاة ومعارضة، تثرى الأولى وتتضخم حساباتها المصرفية من خلال الرشاوى والخُوّات، بينما تدافع الأخرى عنها مسميةً الرشى إكراميات، والخُوّة هدايا. بينما تحول القضاء إلى مِطيّة يتقاذفها الطرفان، بعضه (أي القضاء) عازم على إنهاء اعتكافه مطلع العام المقبل، والبعض الآخر المطالب بتحسين معيشته مُهَدَّد بإحالته إلى مجلس القضاء…!
ومع ذلك، تَرانا في وحول شتوة اليوم قبل الأخير من شهر تشرين ثاني المنصرم، نرى ما هو أنظف من كل ما يلتصق بسمعة المنظومة مجتمعة، فلا تستثني فيها من يستحق في بلدٍ ما عاد العهر فيه رذيلة، ولا القوادة قمة العيب…! أمام هذا الدرك القاتل من الانحطاط الأخلاقي المنظّم، والموت المتدرّج للقيَم، فهل هو النظام الذي يُحتَضَر وقد فقد كل مقومات بناء الدولة، أم هي المنظومة المتمادية في انحدارها وتزيد من مشروعية قُرب فنائها كلما استشعرت بقوتها المجردّة من كل نوازع الإنسانية والأخلاق…؟ أم أن العلّة تكمن في شعبنا الذي أعاد تجديد الثقة بممثليه الفاسدين داخل الندوة البرلمانية، وجعلهم يتفاخرون بعديد نواب كتلهم، مما جعل المنظومة لا توفر جهداً لتدجينه وتطويعه، ومسخ ما أمكن لديها من شرائحه إلى ما اُصطُلِح على تسميته بـ«ماعز يهوذا»…؟
ولا عجب في هذه التسمية عندما نعلم أن بعض «المسالخ» تمتلك ماعِزًا يُسمى «ماعز يهوذا»، وهو مدرَّب ليقود المواشي بهدوء إلى المذبح، والذي كلما رأوه يثقون به فيتبعونه، مُعتقدين أنه يعرف طريق الخروج، لكنه في الواقع يقودهم إلى الذبح والموت المحقق…
لقد كانت هذه النظرية من أكثر ما استوقفني مؤخراً من مطالعات، كمصطلح يعود منشؤه إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث يتم تداوله منذ زمن بعيد في بلاد العم سام، بين القوتين الحزبيتين الأساسيتين داخل المجتمع الاميركي :
• لدى الحزب الديموقراطي وهو يتوجه عموماً نحو الشباب محدودي الثقافة والمعرفة، غير المتعلمين التعليم العالي، وجُلّهم من فئات مُفككة داخل المجتمع الأميركي، وكثير منهم من الأقليات.
• أما القطيع الآخر لدى الجمهوريين، فقوامه من الطبقة المتوسطة والمهنيين والعمال المدربين، ولكن متشددين وطنياً ودينياً…
هكذا تُستَنسَخ نظرية «ماعز يهوذا»، وتُطَبّق في أكثر من مكان في العالم، تماما كما هو حال اللبنانيين المنضوين داخل قُطعان الطوائف والمذاهب أيها السادة…!
إنها نظرية يتدرّب عليها شعبنا المُخدّر كي يتأقلم وجرثومة الطائفة التي تفتك به يوماً بعد يوم، وهو يرى بأم عينيه كيف تتبخّر مدّخراته وجنى عمره، ضائعاً بين جيوش المُحلّلين الاقتصاديين الذين يُشبِعونه طحناً في تنظيراتهم، ولا يرى العجين سوى سرابًا، وتراه عاجزًا عن الحصول على حبة دواء، ويستحيل عليه دخول المستشفى، استحالة أبنائه في الحصول على وجبة غذاء ولو لمرّة واحدة في اليوم…!
كثيرون اليوم، يفتشون عنها في قمامة الميسورين وحديثي النعمة، التجار الكبار وتايكونات المال المتلاعبين بالعملة الوطنية وقوت الشعب وغذائه ودوائه… وبات الشارع ملاذاً للجريمة والقتل في وضح النهار بقصد السرقة، وسلب الناس، وتصفية الحسابات الشخصية. ومن لم يمت بذلك، قضى على نفسه انتحاراً، مُتهربًا من عَناء حياة لم يعد يجد فيها ما يستحق العيش من دون كرامة أو شرف…




