تجديد العروبة: تفكير بصوت عالي

خاص “المدارنت”..
شهدت فضاءات البحث والفكر والعمل السياسي العربية مؤخرا حراكا لافتا، تمحور حول تحدّي تجديد وتحديث العروبة.
فقد عقد “ملتقى العروبيين السوريين” الحديث النشأة، منتدى تناول فيه الموضوع بالبحث والتمحيص في باريس. ولم يمض وقت طويل على ذلك، حتى نظم “النادي الثقافي العربي” مؤتمرا مماثلا في بيروت. كما يجري الاعداد منذ شهور لعقد “المؤتمر المسيحي ـ العربي” الاول في باريس، تحت شعار نحو عروبة حديثة جامعة.
هذه المؤتمرات الثلاث، تعبّر بشكل او بآخر عن التفات نخبوي، ربما متأخرا بعض الشيء، نحو ضرورة وحتمية اعادة النظر بماهية وكيفية وعينا لانفسنا وهويتنا وانتماءنا كعرب، في عصر الثورة الصناعية الرابعة، التي تترافق ديمومتها مع ظواهر اعتراضية آخذة في التوسع ضد العولمة ومندرجاتها. وقد وصل امر الاعتراض على العولمة حدّ التنظير لانتهائها كليا، على ما ترى مجلة “الايكونومست” البريطانية العريقة بـ”ليبراليتها”.
في ظل هذه التطورات المفصلية في مسيرة الانسانية جمعاء، يواجه شعبنا العربي تحدّي وجودي، طفت ظواهره على السطح، اقله منذ انطلاقة انتفاضات او ثورات ما اصبح يعرف اصطلاحا بالربيع العربي. فمنذ ان أضرم (المواطن التونسي) محمد البوعزيزي النار في نفسه، حتى اليوم، نحن نغرق في بحر من الاحداث والتطورات، التي افرزت وتفرز تغيرات وصدامات وعنف وانفعالات وما الى ذلك. علما ان هذه الاحداث بمجملها تتضافر بمقاربة ما وبشكل ما، لتشكل حراكا عربيا واسعا، يحمل في طياته تناقضا في حين وتعقيد في احيان، تقدما مرّة وتراجعا مرات. بالتالي، فان دينامية الاحداث هذه تأتي لتشكل منعطفا خطيرا في مسار تراكمي، يتسم بفراغ الساحة العربية من مشروع نهضوي حضاري، منذ انكفاء الطرح القومي العربي، اثر رحيل جمال عبد الناصر في أوائل سبعينيات القرن الماضي.
ان غياب المشروع النهضوي، معطوف على تقصيرنا الفاضح في تحرير فلسطين، المعطوفين على تداعيات الاحداث منذ انطلاقة الربيع العربي، المعطوفين جميعا على اشتداد وتصاعد هجمات مشاريع واطماع الجيران، التي تأتينا بلباس اسلامي خادع، يدعي المزايدة على اسلامنا، ادى الى ضياع البوصلة، وضبابية الرؤية. فمن هو؟ وما هو العربي اليوم؟ و ما هي رسالته الى العالم والانسانية الجمعاء؟ انه سؤال الساعة والمرحلة الذي يراود كل عربي بوعي او من دونه.
ليست العروبة “ايديولوجية” عقائدية تتسم بالجمود والانغلاق والفكر التبريري، الذين يميزون كل فكر “ايديولوجي” عرفته الانسانية. انها هوية انتماء حضاري واعي لنفسه وللاخر في هذا العالم، الذي يحتاج مساهمة العربي كما الآخر حتى تتطور الانسانية. العروبة اساسا وقبل كل شيء رسالة حضارية انسانية موجهة للعالم. وهكذا تعرف العروبة نفسها نسبة للانسانية، وليس نسبة الى مكوّناتها التي تغني رسالتها بتنوعها وتعددها.
اذا سلمنا بان العروبة هي هوية انتماء حضاري، تهدف الى المساهمة مع الآخر في تحقيق انسانية الانسان، من الطبيعي عندئذ ان تكون وعاء واسعا وجامعا، فيه مساحات وفضاءات من الحرية، تشرّع الابواب امام مكوناتها، لتحقيق انسانيتها المتسمة بخصوصيات عرقية او دينية او ثقافية، لا تنتقص من الهوية العربية الجامعة شيء، لا بل تغني رسالتها الانسانية.
العروبة ايضا، ليست شعورا عاطفيا وانفعاليا يكفر كل من خفّ شعوره بها، فما بالنا بمن لا يشعر بها. لطالما اعتبرنا، وبخاصة منا “القوميون العرب”، ان عروبتنا قائمة ومُسلّم بها. لذلك فكل ما كان علينا هو مقاتلة الاستعمار ودحر المؤامرة الامبريالية اللذان يمنعان قيامة وحدتنا. ليس كذلك يبنى الصرح الحضاري للهوية العربية. لقد تقدم العالم من حولنا بالعلم والمعرفة والعمل، ونسج شبكات المصالح المشتركة والمتقاطعة، فيما نحن ننشد الاناشيد وننتظر الانظمة الحاكمة لتعلن اليوم وغدا دولة الوحدة.
ليست العروبة ايمانا وتسليما اعميين بان لا صوت يعلو فوق صوت المعركة لتحرير فلسطين. ان الانسان المقيد في عقله وحريته، المقموع والمتسلط عليه في حياته، و”المتخلف” في مجتمعه، اعجز من ان يحرر اي شيء. لذلك فان صوت معركة حرية الانسان العربي يعلو على كل صوت أخر.
ليست العروبة مرتبطة بالاسلام كما تجلّى في الرسالة المحمدية، التي تصارع عبد الناصر مع الاسلام السياسي على اكتساب شرعيتها، فبالغ اتباعه من بعده في أسلمة العروبة وتعريب الاسلام. فالاسلام كرسالة سماوية سبق محمد (ص)، وبدأ مع آدم متوجها الى الانسان، ايّ كان في ايّ مكان، عندما لم يكن هناك لا عرب ولا عجم. كما لم يكن محمد (ص) أول عربيا. فالعرب كانوا وتطوروا وبنوا مجتمعا بمنظومات سياسية واقتصادية واجتماعية، منذ ما قبل انطلاقة الرسالة المحمدية بكثير. انه من دواعي الظلم التاريخي والحضاري وصف حياة العرب بالجاهلية، التي تستوجب التجاهل قبل بعثة محمد (ص).
أخيرا وليس آخرا، لا يمكن للعروبة كهوية انتماء حضاري، ان تكون عصية على المراجعة ونقد التجربة بهدف التجديد والتحديث. فلتاريخه، لم يقدم اي من حاملي لواء العروبة على مراجعة تجربتهم ونقدها بموضوعية، على الرغم من كل الفشل وخيبات الامل، وسقوط كافة التيارات والتنظيمات القومية العربية. لقد عصم الله محمد (ص) عن الخطأ بحكم نبوته، لكننا لم نجد ايّ دين يعصم القوميين العرب!



