مقالات

تحية لنساء العراق ولبنان.. العابرات للثورة

عبد الرحيم التوراني/ المغرب

خاص “المدارنت”..

انتصار آمال.. نسيت توديع والدتها، وخرجت مستعجلة بكامل أناقتها الثورية، قميص “تي شيرت” وسروال جينز أزرق وحذاء رياضي، تلف حول عنقها منديلا بألوان العلم.

وهي في الشارع، رفعت رأسها لترد على أمها، التي تطل من البلكون وتلوح بيدها المعروقة. اكتفت البنت بنصف ابتسامة ومضت مسرعة. خفق قلب المرأة، تمتمت في سرها:

وردة في مواجهة عناصر من الجيش

إن قلب الأم خبير.

شعرت المرأة بإحساس غامض، لكن سرعان ما استرجعت ثقتها في الشباب، وإيمانها بالثورة ضد الفساد والطغيان.

وهي تتابع من شرفتها مواكب السائرين صوب ساحات الغضب. تمنت لو ساعدتها ركبتها المتورمة على النهوض، لتنزل مع المتظاهرين. تنهدت بحزن، وخطت ببطء تجرّ رجلها أمام التلفزيون.

متمسّكة بالراية الوطنية

قالوا في نشرة الأخبار، إن قوات القمع تطلق القنابل المسيلة للدموع.

بعد ساعة، ظهرت المذيعة بملامح أكثر رصانة وبلكنة متجهمة، لتقول إن المتظاهرين يشتبكون الآن مع العساكر فوق الجسر، وذكرت أنه سمعت أصوات لعلعة إطلاق رصاص.

انخلع قلب المرأة، حاولت أن تهدأ. ابتلعت حبّة مسكن. فكرت أن تصلي. تدعو الله أن يحفظ الوطن، أن يمتع الشباب بالحياة وبالنصر المكين.

تحطّم جدار الخوف

لما انتهت من صلاتها، ألفت المراسل من الميدان مباشرة يتحدث عن سقوط عدد من القتلى في صفوف الشباب بالرصاص الحيّ.

غامت الشاشة في عينيها الدامعتين من خلف نظارتها الطبية، بكت بحرقة. رددت تنهيدتها الأولى: “آه.. إن قلب الأم خبير”. فكرت فقط في وحيدتها، ثم أنّبتْ نفسها، واستدركت خوفها على الشباب أجمعين.

خرجت حافية لا تلوي على شيء باتجاه الشوارع الفرعية المؤدية إلى الساحة. تركت آلام ركبتها المتورمة وضغط الدم في البيت، جرت مثل شابة في العشرين.

ألفت نفسها تنادي وتصيح:

“انتصار… انتصار… انتصااااااار…”.

صار وراءها آلاف الشباب يهتفون يرددون: “الانتصاااار.. الانتصااااار…”.

كل الشابات المتظاهرات كن بعمر ابنتها، وكن يشبهن صغيرتها تماما، عانقت بعضهن. ولم تدر كيف رفعها الشباب عاليا فوق الأكتاف.

في المساء، عادت البنت انتصار إلى البيت منهكة، وبها رائحة عرق الثورة وسواد دخان مع قميص ممزق. لم تجد أمها في البيت. في تلك اللحظة كان وجه يضيئ بالبشر يملأ شاشة التلفزيون، وخبر عاجل باللون الأحمر، يتحدث عن إصابة امرأة شجاعة في العقد السادس بالرصاص الحيّ. وأنه تم نقلها فورا إلى المستشفى القريب. اختفى الوجه سريعا من الشاشة، لكن الثائرة رأت وجه والدتها.

عابرة للثورة

في المستشفى وجدت البنت عددا من المصابين، شبابا وكهولا، إناثا وذكورا. اكتشفت أن النساء المصابات يشبهن والدتها. وقفت بينهن تنادي:

آمال.. آماااال…

استجابت لندائها مجموعة من النساء. تطلعت إلى وجوههن، فوجئت بالشبه الكبير بملامح آمال، كانت نظرات وابتسامة والدتها أمامها. احتضنتها وعانقتها بشدة.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى