محليات سياسية

“تفاوض تحت النار”.. لبنان يتمسّك بالديبلوماسية رغم تصعيد العدوّ!

مركبات عسكرية معادية في جنوب لبنان

“المدارنت”
يتمسك لبنان، بمواصلة المفاوضات مع إسرائيل، رغم إستمرار اعتداءاتها الأخيرة عليه،  وخرقها للتفاهمات، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية على الحكومة لتعليق المسار التفاوضي، ما يضع بيروت أمام اختبار صعب بين الرهان على الدبلوماسية والواقع الميداني المتوتر.

وتصاعدت حدة الاختبار مع توغل إسرائيلي في منطقة زوطر الغربية، إحدى المناطق التجريبية التي يفترض أن تخضع لسيطرة الجيش اللبناني، وإقامة ساتر ترابي داخل البلدة، في خرق هو الأول منذ بدء الجيش اللبناني في 21 تموز/ يوليو المنصرم انتشاره في البلدة ضمن المرحلة الأولى من تنفيذ اتفاق “صيغة الإطار” عقب انسحاب الجيش الإسرائيلي منها.

وجاء ذلك غداة انتهاء الجولة السابعة من المفاوضات اللبناني/ الإسرائيلية، في العاصمة الإيطالية روما الخميس الماضي، دون إحراز تقدم بشأن توسيع نطاق المناطق التجريبية، بعدما اقترح الجانب اللبناني إدراج بلدتي بنت جبيل والخيام ضمنها، إلا أن الرفض الإسرائيلي حال دون التوصل إلى اتفاق.

خيار المفاوضات مستمر
وفي السياق، نفى مصدر لبناني رسمي رفيع وجود قرار بتجميد المفاوضات، مؤكدا أن بيروت تواصل الضغط عبر الولايات المتحدة لدفع إسرائيل إلى الالتزام بالمسار التفاوضي.
وقال المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، ردا على سؤال بشأن تلويح لبنان بتجميد المفاوضات بسبب الاعتداءات الإسرائيلية: “لا أحد يتكلم بهذا”.

وأوضح أن الاجتماع الأخير بين الأطراف المعنية حدد “الأول من شهر أيلول/ سبتمبر المقبل كموعد مبدئي” للجولة المقبلة من المفاوضات.
وأضاف أن “عوامل كثيرة مزعجة” ترافق المسار التفاوضي، ولا سيما ما يتعلق بـ”التجريف والتفجير”، لكنه أكد أن لبنان “يعمل ويضغط عن طريق الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها راعية المفاوضات”.

وشدد المصدر على أنه “لا قرار بتجميد المفاوضات”، مشيرا إلى أن بيروت وضعت نقاطا قالت إنها “يجب أن تحصل” قبل اجتماع سبتمبر، بانتظار ما ستقوم به واشنطن، بعدما وعدت ببذل جهود في هذا الإطار.
وأكد أن الهدف من الضغوط اللبنانية هو دفع إسرائيل إلى التجاوب بما يجعل المفاوضات “مثمرة” وألا تتحول إلى “دوران بحلقة فارغة”.

وكان الرئيس اللبناني جوزف عون قال مؤخرا خلال جلسة لمجلس الوزراء، إن بلاده أحرزت “تقدما إيجابيا” في مفاوضات روما بشأن ملفي الحدود والأسرى.

مفاوضات تحت النار
وترى المحللة السياسية والكاتبة الصحافية ميساء عبد الخالق، أن لبنان يتمسك بالمسار التفاوضي رغم “الصعوبات” الناجمة عن استمرار الضغط الميداني والاعتداءات الإسرائيلية.
وقالت إن التصعيد الإسرائيلي يأتي وسط تقارير عن محاولة القوات الإسرائيلية التقدم باتجاه منطقة تلة الطاهر عند أطراف بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان، إلى جانب معلومات عن استخدام روبوتات وآليات يتم التحكم بها عن بعد لاستكشاف المنطقة.

وأوضحت أن الموقف الرسمي اللبناني “لا يزال متمسكا باستمرار المفاوضات والتواصل مع الجانب الأمريكي”.
ورأت أن الجولة المقبلة المرتقبة في الأول من سبتمبر تأتي “وسط كل هذه المعطيات”، مؤكدة أن “لا بديل عن الدبلوماسية” رغم الضغوط الداخلية.
وأشارت إلى أن “حزب الله”، سبق أن طالب الحكومة اللبنانية بتجميد المفاوضات، ووصفها بأنها “ذل وعار”.

وقالت الصحافية ميساء إن لبنان يواجه “مسارا صعبا” في المفاوضات، في ظل تأكيدات إسرائيلية بالبقاء فيما يعرف بـ”الخط الأصفر” بعمق نحو 10 كيلومترات.
وخلصت إلى أن عنوان المرحلة الحالية هو “المفاوضات تحت النار”، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية وعدم إعلان لبنان رسميا تجميد المسار.

غياب أوراق الضغط
في المقابل، اعتبر الخبير العسكري العميد المتقاعد هشام جابر، أن انخراط لبنان في المفاوضات بالشكل الحالي كان “خطأ”، معتبرا أن أي دولة تدخل مفاوضات يجب أن تمتلك أوراق قوة تستخدمها على طاولة التفاوض.
وقال جابر إن لبنان كان يمتلك، برأيه، أوراقا كان يمكن استخدامها، بينها اتفاقية الهدنة لعام 1949 وملف “سلاح المقاومة”، معتبرا أنه كان ينبغي التعامل مع الأخير كورقة تفاوضية وعدم تقديمه “مجانا”.

وجرى توقيع اتفاقية الهدنة الإسرائيلية اللبنانية في 23 آذار/ مارس 1949 لترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل.
ورأى أن إسرائيل لم تكن تتجه إلى الالتزام بالاتفاق منذ البداية، مستندا إلى ما وصفه بـ”التجارب الماضية”، وقال إن اتفاق الإطار لا يتضمن، بحسب قراءته، برنامجا واضحا للانسحاب الإسرائيلي أو جدولا زمنيا لتنفيذه.

وأضاف أن الجولة المقبلة من المفاوضات تبدو، وفق تقديره، “كأنها الجولة الأولى”، معتبرا أن ما يجري يشبه “حوار طرشان” بين الجانبين.
وحول خيار تجميد المفاوضات، قال جابر إنه يؤيد وقفها، معتبرا أن استمرارها “لم يحقق نتائج كافية”، وأن إعلان فشل اتفاق الإطار يمكن أن يشكل، برأيه، ضربة سياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وتساءل عن النتائج التي حققتها المفاوضات حتى اليوم، في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية، قائلا إن وقف إطلاق النار لم يؤد، وفق تقييمه، إلى وقف الاعتداءات والتدمير في المناطق اللبنانية.
كما انتقد عدم إحراز تقدم كاف في ملف الأسرى والشهداء، وقال إن البحث في هذا الملف بدأ في الجولة الأخيرة، دون تلقي إجابة إسرائيلية تطمئن الجانب اللبناني.

التفاوض “أفضل الممكن”
في المقابل، قال الخبير العسكري العميد المتقاعد ناجي ملاعب، إن لبنان دخل المفاوضات باعتبارها “أفضل الممكن” في ظل الظروف التي كان يمر بها، معتبرا أن خيار التفاوض لا تزال له أهمية في ظل عدم وجود بدائل واضحة أمام الدولة اللبنانية.
وأوضح ملاعب أن تحرك عون جاء في وقت كان فيه الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت يواجهان تهديدات بالإخلاء، معتبرا أن الدخول في المسار التفاوضي أسهم في وقف التصعيد عند ذلك الحد.

وأضاف أن “التفاوض ليس خيارا” بالمعنى الضيق، بل هو المسار الذي لا توجد بدائل أخرى عنه في المرحلة الراهنة.
وفي سياق المشهد الإقليمي، اعتبر ملاعب أن الولايات المتحدة لا تريد وجود نفوذ إيراني عسكري على ساحل البحر المتوسط، وأن إنهاء هذا الوجود يمثل، بحسب تقديره، قرارا أمريكيا تنفذه إسرائيل.

وأضاف أن اللجوء إلى طاولة التفاوض برعاية واشنطن يمثل “قرارا حكيما وسريعا وواضحا”.
واعتبر أن انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية من شأنه، بحسب تقديره، إزالة المبرر الذي تستخدمه القوى المطالبة باستمرار المقاومة المسلحة، بما يمكّن الدولة اللبنانية من العمل على حصر السلاح بيد مؤسساتها.

وقال ملاعب إن لبنان يراهن على الضغط الأمريكي على إسرائيل من أجل تحقيق الانسحاب، مشيرا إلى تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ضرورة انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وجنوب سوريا.
وأضاف أن تنفيذ هذه المواقف سيعني أن “المراهنة اللبنانية على نجاح الدعم الأمريكي في محلها”.

وتُجرى المفاوضات بعد توقيع بيروت وتل أبيب، برعاية أمريكية، “صيغة الإطار” في 26 حزيران/ يونيو 2026، والتي تنص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية المحتلة، يبدأ بتطبيق نموذج في مناطق تجريبية، مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها ونزع سلاح الجماعات المسلحة، في إشارة إلى “حزب الله”.

وجاءت المحطة السابعة استكمالاً لمسار تفاوضي انطلق في نيسان/ أبريل الماضي، حيث جرت خمس جولات في العاصمة الأمريكية واشنطن، فيما استضافت العاصمة الإيطالية روما الجولتين السادسة والسابعة في يوليو الماضي وأغسطس الحالي على التوالي.

وتركزت أجندة المفاوضات على التنسيق الأمني والترتيبات الفنية لانسحاب القوات الإسرائيلية من القرى المحتلة، وآليات انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، وتبادل لوائح الأسرى والمفقودين.

وبحسب السلطات اللبنانية، أسفر العدوان الإسرائيلي منذ 2 آذارم مارس الماضي عن 4 آلاف و335 شهيدا و12 ألفا و277 جريحا، وأكثر من مليون نازح، وفق السلطات اللبنانية.

وتحتل إسرائيل مناطق في جنوبي لبنان، بعضها منذ عقود، وأخرى منذ الحرب السابقة بين عامي 2023 و2024، فيما توغلت خلال العدوان الراهن لمسافة تزيد على 10 كيلومترات.

(الأناضول)
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى