ثـــــورة الـلـبـنـــانـيّــيــــــن.. قـيـامـــــــة لـــبــنـــــان..

خاص “المدارنت”..
كما لكل مخلوق حي كينونة وروح, لكل بلد أيضا كينونة وروح, تحددان طبيعته الفريدة, وشخصيته المميزة التي تتضمن هويته, وثقافته, وانتماءه, عناصر تشكل بمجموعها خصائصه التي تميزه عن سواه من البلدان, وتحدد رسالته, وأهميته, ومن دونها يفتقد البلد كنهه وروحه وشخصيته وفعاليته.
هذا المفهوم الجيو – ثقافي ينطبق على لبنان, كما ينطبق على كل بلد آخر في العالم. وكما تتفاضل البلدان بحسب أحجامها وثرواتها المادية وامكاناتها, تتفاضل ووتمايز أولا بحسب شخصيتها وهويتها ورسالتها وفعاليتها.
كينوتة لبنان الحرية, وروحه العروبة, ورسالته نشر الحرية, ودوره كما وظيفته الاشراق والاشعاع في محيطه العربي, والاقليمي, والعالمي. بدون هذه العناصر لا لبنان, ومن دون أحدها يصبح بلدا معوّقاً, عاجزا, عاطلا عن العمل, بلدا قزما بلا فعالية ولا أهمية وعالة على العالم. وباكتمالها يصبح كبيرا عظيما جميلا فعالا مؤثرا.
وبقراءة موضوعية لتجارب لبنان، وتحولاته في العصر الحديث على مدى قرنين, نكتشف أن ريادته وتألقه وازدهاره وفعاليته تتحقق حتما، وتتناسب طردا مع تكامله مع أمته العربية, وتتوقف على مدى تفاعله الثوري والحضاري والثقافي، في بثّ أشعة الحرية والحداثة والتنوير، لا اشعة الخرافة والتخلف والأساطير الرجعية.
لذلك بلغ – لبنان – أوج تألقه وازدهاره، وتأثيره الاقليمي والعالمي في أواسط القرن العشرين, بفضل تآلفه وتضافره وتموسقه مع محيطه, فظهرت ريادته عندما أحسنت قيادته تجسيد عبقريته وخصائصه, وأداء دوره ورسالته باعتدال, ومن دون افتعال, بلا تغريب ولا تخريب.
وعلى العكس، دخل لبنان أزمته الكبرى قبل ثلاثين عاما, وبدأ يخسر دوره ورسالته وازدهاره واستقراره, عندما حاولت بعض القوى الاقليمية والمحلية خطف لبنان والتلاعب بكينونته وهويته وخصائصه العضوية, ووضعه على مدارات أخرى, بعيدا عن مداره العربي, والحاقه بمحاور لا تنسجم مع رسالته ودوره, ووتناقض مع تكوينه القومي والثقافي.
بلغت محاولات العبث لدى البعض، السعي الى تغيير جنس لبنان, وتغيير تركيبته الكيميائية والجينية, وكلها ضروب من الوهم, تقتل لبنان ولا تقويه, تمزقه ولا توحده, تفقره روحيا وماديا ولا تفيده أبدا.
وأمام هذا العبث والتجريب العدمي الخرافي المدمر، لم يعد أمام الشعب اللبناني سوى الانتفاض والثورة والتمرد، وتحطيم الأغلال التي فرضها البعض بقوة السلاح عليه, فكانت هذه الهبة الجماهيرية الرائعة, هذه الانتفاضة العارمة، التي يشهدها لبنان من النبطية الى حلبا, ومن بيروت الى بعلبك، هي بالمعنى العميق “قيامة لبنان” من حالة الموات الكلينيكي.
هي ثورة الدفاع العضوي عن الروح والكينونة, عن الذات اللبنانية التي نخرها التخريب الممنهج. ومن دون هذا الردّ الثوري، كان وسيظل لبنان مهددا بالتحول بلدا فاشلا, يعيش على الاحسان والتسول, ويصدر أبناءه وفلذات أكباده للدول الأخرى, بحثا عن رغيف الخبز, وحبة الدواء, ورشفة الماء النقية, وتيار الكهرباء, وهي أشياء أصبحت في جميع بلدان العالم حقوقا بديهية للمواطنينوخدمات متوفرة بالمجان، إلا في لبنان، بسبب الجشع والنهب والفساد.
الطواقم السياسية التي حكمت لبنان, والتي أورثها نظام الأسد السلطة بعد انسحابه، مسؤولة قانونيا وجزائيا وسياسيا وأخلاقيا, ومن حق الشعب أن يطلب محاسبتهم على جرائمهم, كما حاسب الشعب الفرنسي آخر ملوكه العابثين الفاسدين.
لبنان بثورته، هو طائر الفينيق ينبعث من رماده, هو ثورة الحسين على الظلم، هو يسوع ينزل عن صليبه, هو القيامة الكبرى.
أنظار العالم مصوبه الى لبنان, شرارات ثورته تنتشر في الفضاء العربي، فيعود لممارسة رسالته، ويتقدم ليأخذ دوره ويمارس ريادته, هو المعلم الذي يعطي الدرس لتجاوزه ثقافة الانغلاق داخل أسوار الطوائف وثقافة الطائفية الاسطورية الرجعية. لبنان الثائر يعود الى الريادة ويبث أشعة التنوير, والدعوة الى الاصلاح ورفض الهوان والذل والضعف والخوف. يتمرد على مشاريع الآخرين.
الشعب اللبناني يطرح نموذجه الثوري الأشبه بالمعجزة, داعيا الأشقاء الى التخلص من الهويات الطائفية والمذهبية والقبلية المقيتة, للحاق بالربيع العالمي واقتحام العصر والمعاصرة بجرأة ووعي وعلم.
ثورة لبنان الكبرى قيامة شعب, ويقظة روح, وعودة وعي, واستقبال للمستقبل.
=========================



