“ثـــورة” الـســلطـــة..

خاص “المدارنت”.. لم يدُر في خاطر أيٍّ من السياسيين الحاكمين بأمرهم في لبنان، أنهم دعوا إلى إسقاط أصنامهم المصنوعة من “البسكويت” والكعك المكسور، المبلل برشفة شاي، مجبول بعرق الطبقة الكادحة التي تحلم بعيشٍ هانئٍ بعيدٍ عن النمطية الجارية والدائمة، من فجر حالك وحتى غروب هالك، تُنازع الشمس فيه رمقها الأخير مكللٍ بآهات تتبعها آفات…
لم يدرِ ولن يدري الساسة اللبنانيون، أن ما قبل 17 تشرين الأول مغايرٌ تماماً لما بعده، فهم قد أذعنوا في استهتار وانتهاك وإنهاك الشعب الثائر عليهم اليوم، بضرائب جديدة ومستحدثة، لتكون سبباً لرفاهيتهم الفائقة التصوّر والتصوير، من غير أن يعلموا أن هذا الشعب قد استيقظ من سباتٍ متعمد، ليقلب الطاولة على من جعله جزءاً منها ،يحملها ظناً منهم أنهم مخلدون على كراسيهم، التي صنعوها من أموال شعوبهم، ليورّثوها لأبنائهم وأحفادهم المشايخ والبكوات.
لقد سقط القناع، وهو ساقطٌ أصلاً، ولكن عبودية الأصنام والتزلف للحكام، والخوف من العواقب وألاعيب الإجرام والترهيب، كانت دافعاً أساسياً لرضوخ الشعب، وتكميم فمه، وتعصيب عينيه، حتى يبقى على قاعدة (صمٌّ، بُكمٌ، عميٌ)…
لقد انكسر حاجز الخوف، وتبدّد الإستبداد والحاكمية الظالمة، وجوبِه الطاغوت من غير حول ولا قوة، ولكن ببأسٍ وعزيمةٍ ورشدٍ، كانت من أشد النوازل على الطبقة السياسية الفاسدة، الحاكمة بأمرها في لبنان، فلقد أحدثت ثورة الشعب زلزالاً لا تزال إرتداداته تهز طاغوت السلطة الطائفي المقيت، المسيطر بمنطق (الميليشيا) على المقدرات والمقومات واحتكار الوظائف، أصبحت يوميات الثورة العفوية تؤرقه، وتجعله يتخبط تخبط عشواءٍ من دون إرادة او تنظيم، فما بين رأس الدولة المُنهَك، بفعل الداء والمرض الممتلئ بتسلط الظل المخيف، واللص الظريف، الذي استطاع من خلاله مستغلاً قرابته منه، ان يبني عرشاً من ياقوت، وامتلاك طائرة خاصة، ويخوت خلال سنوات قليلة، وبحفنة من طائفية مقيتة وعنصرية كريهة.
هدّد وتوعّد بسيل جارف، ما لبث ان جرفه سيلاً بشرياً لم يكن بالحسبان، لا عنده ولا عند حلفائه المتجهّمين والمكفهرة وجوههم كخريفنا الباهت اليوم، تخشى السلطة البائدة اليوم من الإنتقال الكلّي من دار الفناء إلى دار جهنم وبئس المصير، من غير تحضيرات لمراسم دفنها بنفسها، فهم أمراء الحرب، الذين دمّروا وخرّبوا وتآمروا على الوطن، وسرقوا خيراته وهجّروا شبابه، وأفرغوا مناطق من أهلها، وخرجوا من الحرب المدمرة التي أفنت الوطن، بعد حربٍ أهليةٍ طاحنةٍ ابتدعوها، ثم نصّبوا أنفسهم، أمراء الحرب في الأمس، زعماء الوطن اليوم، عادوا بصور مقدسة، وتماثيل مقززة، كأنهم (خُشُبٌ مسنّدة)، قرّبوا إليهم المدلّسين والمنافقين، ليستعبدوا الناس ويبتزونهم ويذلّنوهم، كرمى لعيون الزعيم الكبير، واللصّ الذي لم يترك لا درهم ولا قطمير.
ما هم إلا بصمات سوداء، تآمرت على الوطن، وأمنه وأمانه وعيشه ورغده وشعبه، ولا تزال قابعة متسلطة بـ(ميليشيا) خاصة، تهتف للزعيم، وتحذر من المسّ به، ويُشَرِّعها الزعيم بمؤسسة دستورية تحت حماية القانون المستباح، فبئس الحاكمين وبئس الفاسدين، الذين تملّكوا بالفساد والنهب والسلب والظلم والإستبداد، الذي مارسوه بحق الشعب اللبناني الحرّ والشريف طيلة ثلاثين عاماً…
الثورة مستمرة، على الرغم من محاربة السلطة الفاسدة لها، بكل ما أوتيت من قوّة وحلفاء سفهاء.. الثورة مستمرة، على الرغم من أنف هذه السلطة الفاسدة مجتمعة، وجامعة لكل قوى الشرّ والبغي والتخريب.. الثورة مستمرة، مهما أشاعت السلطة الفاسدة عنها انها مأجورة للغرب، بدعايات ساقطة وإشاعات بغيضة.. الثورة مستمرة، بوجه هذه السلطة الفاسدة، على الرغم من الإستنزاف وملاحم الدم، الثورة متماسكة بلُحمة وطنية وهامة عالية، تمتد من عكار والهرمل والفاكهة وبعلبك وطرابلس وبيروت وصيدا وسعدنايل وتعلبايا وعاليه، إلى النبطية وصور.. الثورة ستدفن رؤوساً قد أيعن قطافها في مدافن النفايات السامة، التي أحدثتها في ارض لبنان وتحت ترابه الطاهر.. الثورة مستمرة، لتدحر تلك (الترويكا) المحتكرة للقانون والنظام اللبناني..
ويبقى عامل الوقت هو اللاعب الاساسي، والحسّ الوطني، والتوافق الشعبي، هو المقرر لما سيحصل مستقبلاً.
* أكاديمي وداعية إسلامي/ لبنان
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



