جرأة الأشرار.. ورجعة الأخيار

خاص “المدارنت”..
كان أهل الدين والإيمان وأصحاب الخير والضمائر الحية هم أهل الإقدام والجرأة في السيطرة على نواصي الأمور، فقادوا الناس إلى طريق الخير والدين، فصلحت المجتمعات وساد الأمن والسلام فيها، وانتشرت العدالة والمساواة، ونعِم الناس بالهدوء والإستقرار واطمأنوا على أرواحهم وأعراضهم وممتلكاتهم وعقائدهم
ثم ضعُف أهل الخير واستبد بهم الجبن والخور، فأُفسِح المجال لأهل الشر والكفر والنفاق والمجون للسيطرة على الأمور، فتمكن هؤلاء من رقاب الناس فعاثوا في الأرض فسادا، فزهقت الأرواح البريئة، وسلبت الممتلكات، وعم الظلم، وضاع الدين، وسادت الفوضى في كثير من بلاد العالم الإسلامي، لأن الأمر أصبح في غير أهله، تبعاً للأهواء والميول السياسية، وتزلفاً للسفارات والعمالة للخارج، وإرضاءً لرؤوس كبُرت ونفوس زُوِجّت، تريد تغيير سماحة الإسلام ونهجه العقائدي السليم والراقي عبر الزمان، إلى مصطلحات ومسميات حديثة، لجعل الدين مطوقاً من كل الجهات.
فإذا تولى الأمر من لا دين له، ولا أخلاق ولا ضمير، لم يستقم الحال، ولم يهدأ بال، ولا يعرف حلال ولا حرام، ولا قيمة لعلم أو عقل ولا محال لمنطق أو حوار وكل ذلك بسبب تقهقر أهل الحق وتقدم أهل الباطل ولو أن أهل الحق اغتنموا الفرص، وتحلوا بالشجاعة والإقدام وسبقوا الحوادث قبل أن تسبقهم، لما كان ما كان، ولما أصبحت للباطل صولة وجولة، ولكنهم عندما رضوا أن يكونوا بالمؤخرة واتخذوا السلبية منهجاً وطريقاً، وهربوا من مواجهة المشكلات والحوادث، وآثروا السلامة وأخلدوا إلى الدعة، ذاقت شعوبهم ما ذاقت من سجون ومعتقلات وتعذيب وتقتيل وتشريد، وأصبحت في محن وأحقاد تعصف بها رياح الكفر والإلحاد والإباحية والشذوذ والجنس والفساد، وتكونت في عدد من البلدان، أحزاب وطوائف وفرق ضالة مضلة من سفهاء الناس وأشرارهم وأوغادهم، فتصدروا للقيادة وفرضوا زعامتهم على الناس…
وأهل الصلاح، للأسف، سلكوا طريق الهروب من المسؤولية، فجنوا بذلك على أمتهم وشعوبهم، والملاحظ الآن في المجتمعات المتأرجحة بين الصلاح والفساد أنه إذا قُدِّر لأحدٍ من أهل الدين والخير منصباً، أو احتل مركزاً، وفي إمكانه أن يخدم عقيدته وشعبه من خلال مركزه، ويهيئ الفرص للأكفياء الصالحين الذين يمكن أن يساعدوا على الإصلاح ويمنعوا الفساد أن يستشرى، ويحدوا من هيمنة المفسدين، فتراه يتردد في اتخاذ قرار هو في صميم مسؤوليته حتى لا يُقال أنه أخلّ بمسؤوليته أوتحيز لعقيدته، وهذا حال أهل السنة في لبنان خصوصاً، بينما نرى أهل الباطل والمبادئ الهدامة يستغلون كل فرصة لفرض نفوذهم وتأييد من هم على شاكلتهم، لتكثير أنصارهم، وزحزحة أعدائهم عن مراكز النفوذ والتوجيه، ليتم لهم ما أرادوا من إفساد المجتمعات.

ولذلك نجد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنظرة رجل الدولة الأول والمسؤول والحريص على مصالح الناس يقول: “اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة”، ولا يخفى عنا، أن التردد والضعف والتراخي نواقص يكره الإسلام أن يتصف بها المسلم ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي خيرٌ وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير”، فالنبي لم ينفِ الخير عن المؤمن الضعيف، لقد أعطاه الأمل في إصلاح نفسه لما فيها الخير، فوجب عليه أن يقوي نفسه، فلقد استغل أعداؤنا الضعف الخُلُقي في شبابنا، فجذبوهم بشعارات برّاقة وأدخلوهم في إطار أفكار هدّامة وأمدوهم بمختلف الأسلحة الظاهرة والخفية حتى مكنوا لهم في البلاد فعاثوا فيها فساداً وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. لقد خدعنا من تولى المسؤولية فينا أكثر من الملاحدة وأظهروا الدين كعنوان للإعتدال أصلاً وخلطوه عبر أدواتهم بالتخلف والخرافة وخدعوا جمهور المسلمين وتآمروا على الدين باسم الدين، قالوا عن هز البطون وتحريك الأعجاز ومظاهر الهزل والقفز ثقافة وتدين وفنون وتصوف وهم يعلمون أن ثقافة الأمة وتراثها هو ما ضمته خزائن الكتب من نفائس وكنوز نثرية، وعلى رأسها كتاب الله وكتب السنة التي أهيل عليها التراب في عصر الجمود والتكنولوجيا الصاخبة والإنحطاط الأخلاقي،إنهم يعملون ضد أن تكون كلمة الله هي العليا.
أخيراً، لقد أرادوا أن يحيلوا الأمة إلى قبيلة من الغجر لا تعرف إلا اللهو والرقص، ولعل هناك أمراً هو أخطر الأمور بالنسبة للعاملين في حقل الدعوة الإسلامية ويتوقف عليه مستقبل الإسلام، وهو تشتت القائمين على أمر هذه الدعوة واختلافاتهم واهتمام بعضهم بالجزئيات وترك الكليات وتقديم الثانويات على الأولويات وانشغالهم عن أعداء الإسلام الحقيقيين بالتجني على بعضهم بعضاً فأكثروا من الفرق والجمعيات المتنافسة المتنافرة، ولا ندري لماذا ذلك وهم يقرأون قول الله تعالى: “… وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ..”. وكيف يتسنى لمن يدعون لوحدة المسلمين وهم غير موحدين…
نسأل الله للأمة الجمع، وللدين النفع، ولا قوة إلا بالله.




