حرب ونجار ودرباس في ندوة لـ”رابطة أصدقاء كمال جنبلاط” عن الدولة المدنية العلمانية

نظمت “رابطة اصدقاء كمال جنبلاط”، في مركزها في بيروت، ندوة بعنوان “الدولة المدنية العلمانية هي الحل لإنقاذ لبنان من الصراع الطائفي والمذهبي، واقامة دولة المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية”، شارك فيها الوزراء السابقون بطرس حرب وابراهيم نجار ورشيد درباس، وأدارتها نائبة رئيس الرابطة المحامية غادة جنبلاط، وحضرها الرئيس فؤاد السنيورة، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، النائب مروان حماده، الوزراء السابقون بهيج طبارة، عباس خلف، كرم كرم، خالد قباني ونقولا نحاس، النواب السابقون انطوان سعد، محمد قباني وناصر نصرالله، السفيران سمير مبارك وحسان برو، وشخصيات.
حرب
بعد الوقوف دقيقة صمت عن روح عضو الهيئة الادارية للرابطة الدكتور حسن عواضة، كلمة ترحيب للمحامية جنبلاط، ثم ألقى حرب كلمة تناول جذور “مشكلة الانتماء الطائفي والمذهبي وتقدمه على الانتماء الوطني، لكونه مؤئلا للاقليات انتج مجتمعا مختلطا من مختلف المشارب والطوائف والمذاهب اضطرت للعيش هنا في لبنان مع بقاء معظمها مرتبطا بقوى خارجية تعتبرها ضامنة لحقوقها وامنها وسلامها. وعايش لبنان في مختلف مراحل تاريخه الحديث صراعات ذات طابع طائفي ومذهبي”. واستذكر “احداث منتصف القرن التاسع عشر، وانقسامات عهد الانتداب، وانتهاء بقيام الدولة اللبنانية المستقلة وفشل المسؤولين في بناء دولة المؤسسات والقانون والتلطي وراء الطوائف مما ادى الى تراكم المشكلات السياسية وتضارب وجهات نظر اللبنانيين المختلفي الانتماءات الطائفية حول كيفية مواكبة الازمات ومواجهتها والعمل لايجاد حلول مقبولة لها”.
وختم: “بدلا من ان تتم معالجة اشكالية الطائفية الاجتماعية والسياسية، تفاقمت المشكلة وتحولت الى صراع مستمر بين الطوائف والمذاهب ساهم في اطلاق الثورات والازمات وفي اندلاع احداث 1975 وما رافقها من تدخلات واحتلالات ووصايات، هددت وجود الدولة ووحدة شعبها ومؤسساتها، فكانت وثيقة الوفاق الوطني التي وضعت حدا للاققتال والتدمير، وادخلت تعديلات دستورية حسمت معظم مواضيع الخلاف. الا ان التطورات الاقليمية والدولية اطاحت الاتفاق الوطني وكرست وجود الاقطاعات الطائفية والمذهبية، وساهمت المصالح الاقليمية والدولية في تعزيز التطرف الديني والمذهبي وتفاقم الانقسامات بين اللبنانيين، وتحول لبنان الى فيدراليات مذهبية متصارعة على المكاسب والمناصب، ودولة قائمة على الورق وعاجزة، وهكذا سقط الانتماء الوطني وسقطت المواطنبية معه، وتبخر حلم اللبنانيين في حفظ حقوق الطوائف والمذاهب، وبدلا من السعي لإلغاء الطائفية كهدف وطني انقاذي، تحولت الجهود لتعزيز دور كل مذهبفي السلطة. من هنا الدعوة للضغط الشعبي والعمل لاسقاط دويلات الطوائف والمذاهب”.
نجار
واعتبر نجار من جهته، أن “إقامة دولة العدالة والمواطنة في لبنان هو حلم كبير يحتاج الى الكثير الكثير”. ورأى ان “الصعوبة في الموضوع ان كل ما يتصل بالاحوال الشخصية في لبنان مدخل لاشكاليات متعددة، وان ما من طرح يمكن طرحه هنا الا ستقوم كل الاراء لتتناقض حوله”.
وقال إن “فكرة الاحوال الشخصية نشأت بعد سقوط بيزنطية ودخول محمد الفاتح وتأسيس الامبراطورية العثمانية، وعقد نظام الاوضاع الخاصة للطوائف غير الاسلامية، لكنها المؤمنة بإله واحد، فمنحت امتيازات دينية لدى المحاكم التي يمكن ان تنظر بالقضايا الدينية المتعلقة بالشؤون غير الاسلامية كمية كبيرة من حقل التحرك في كل ما يمس بالدين والعبادة والولادة والزواج وغير ذلك”.
وأضاف: “عندما سقطت الامبراطورية العثمانية بادرت الطوائف غير السنية في لبنان الى المطالبة بالانعتاق من طوق الشرع الحنفي عليها، بدءا من الطائفة الدرزية ومن ثم الشيعية فالمسيحية”، مشيرا الى أن “فكرة الاحوال الشخصية هي لتجذير فكرة الحريات لتتعايش مع الاديان الاسلامية. لذلك وجد لبنان نفسه ايام الانتداب الفرنسي وكأنه فيدرالية طوائف”، مشددا على “تحديد الطوائف من دون زيادة ولا نقصان، فلا يمكن أحدا مثلا ان يبتلع طائفته”.
وقال: “صدرت في الجريدة الرسمية اللبنانية انظمة تلك الطوائف، وأخيرا صدرت أنظمة جديدة للطوائف القبطية والعلوية وأصبح عددها 18″، معتبرا أن “تجاوز نظام الطائفية والمذهبية والتعددية الدينية يؤلف في ذاته مشكلة كبيرة جدا، ومنها موضوع الزواج المدني واقراره”، معتبرا أن “من المواضيع الذي تشكل رافعة للضغط على الرأي العام والسلطة السياسية من اجل ايجاد طائفة جديدة هي طائفة لا تنتمي بالضرورة الى هذا المذهب او ذاك”.
وتابع: “أثبتت الاحصاءات منذ 1973 حتى اليوم، أن عدد الزيجات المختلطة التي عقدت في قبرص وتركيا وفرنسا وكندا وأوستراليا واميركا، أنتج أولادا يصل عددهم الى ما يقارب 400 الف ولد ناتج من زواج مختلط، إما بين لبناني واجنبية وإما مذاهب لبنانية متعددة، بحيث ان هذه الاعداد باتت تشكل طائفة في ذاتها”.
وأضاف: “ترفض الطوائف الاسلامية بصورة خاصة واستطرادا الطوائف غير الاسلامية الزواج المدني، ولكن تقبل به من قبيل الضرورات تبيح المحظورات، عندما يتم القران مثلا في قبرص او غيرها”.
ولفت الى أنه “عندما يتزوج سني من شيعية في لبنان لا يتغير شيء في موضوع المواريث والهبات والوصايا، فيبقى السني سنيا والشيعية شيعية، على رغم قيام الزواج المدني، لكن ما يتغير مفاعيل الزواج كالحضانة والاصطحاب والنفقة، وهذا لا يعدل في ما يسمى الإيمانيات، بل يعدل فقط في المعاملات”.
ورأى أن “حرية الزواج المختلط مكرسة في الدستور، ويجب ان يعطى الزوجان حرية اختيار النظام المطبق على مفاعيل الزواج، من دون المساس بكل ما يتصل بالارث والوصايا والهبات”، معتبرا ان “هذا من الوسائل التي يمكن ان نتلمسها لابتداع ليس نظاما جديدا للاحوال الشخصية، لانه سيحارب من اصحاب السماحة او الغبطة، انما فقط مفاعيل هذا الزواج ستكون مقتصرة على ما سيتم الاتفاق عليه لحريته وتطبيق مفاعيل الزواج المدنية امام المحاكم المدنية”.
واعتبر ان “نظام الاحوال الشخصية كان مدخلا للطائفية السياسية والتعددية الطائفية، واليوم للشعبوية المسيحية، وقد دخلت الطوائفية واصبحت مرادفة للعددية وهذا خطأ كبير، لانه عندما يقول البعض اننا اوقفنا العد فهذا لا يعني ايقاف التعدد الذي هو نقيض الطائفية والاستئثار”.
ودعا إلى “إقرار نظام لطائفة جديدة ليس لديها ما يناقض الاحوال الشخصية الاسلامية والميسحية، ولكن تقوم على حرية الاختيار فقط في ما يتعلق بمفاعيل الزواج، وعندها نحقق قدرا كبيرا من مقاربة الدولة العلمانية”.
وفي موضوع قانون الانتخابات، رأى ان “القانون الاخير أمعن في تجذير الطائفية وهو قانون بغيض ومعرض للنسف، وسيحكم علينا التاريخ بأننا أقررنا اصواتا تفضيلية لاننا لم نقر ما يسمى بالقانون الارثوذكسي”.
وقال: “يصح للمسلم ان يختار وينتخب المسيحي والعكس صحيح، والا فكيف اننا شعب واحد ودولة واحدة ومواطنة واحدة؟”، معتبرا ان “النسبية هي تكريس للعددية وليس للتعددية”.
وأضاف: “ثمة خصوصيات كما في الشوف وجبل لبنان، لكن لا يعني هذا ان نتوقف عند هذا الحد، وقانون الانتخاب هو الرافعة التي يجب ان نتوسلها لولوج منطق الدولة المدنية، الى جانب الثقافة والعلم والانفتاح، وهذا يحتاج الى مناخ من الحريات التي بدأت تتقلص شيئا فشيئا، لأن لا معنى للبنان وللدين من دون حريات”.
درباس
وتلاه درباس: “قلت في احدى المناسبات: يؤلمني انني عشت أطول مما ينبغي، اذ يصعب على الشخص الواحد ان يفتح عينيه على أمل عريض، ويغمضهما على يأس مريض يورثه الابناء والحفدة”.
أضاف: “يصعب على الانسان أن يلتقي من القرن التاسع عشر وعد النهضة، ويشهد على تسليم الاجيال، في غرة القرن الحادي والعشرين، هذا الانحدار المشين. ويصعب علينا كلنا، ان نحتفي يمئوية لبنان الكبير بالوقوف عند مأساة التسلط العثماني وسفر برلك، ونغفل الاحتفال باعلان جولة يحكمها الدستور والقوانين الوضعية والمحاكم المدنية، فتتداول فيها ويدور النظام في فلك الشكل الديمقراطي الوارد من الانتداب، وتخرج من السنجق والابالة والولاية والخلافة الى الجمهورية على رغم عدم تمتعها بالاستقلال”.
وتابع: “في العام 1959 قال كمال جنبلاط: “كان في الامكان الافادة من هذه الازمات وما يعقبها من روح وطنية معنوية، للانطلاق بلبنان في اتجاه تحقيق فكرة مدنية الدولة وعلمانيتها”، وها نحن بعد ستين عاما نجتمع حول القضية نفسها، وقد آلت الى تدهور بدلا من التطور، كأن ذلك الزمان حيال ما نحن فيه، جنة ديمقراطية، اذ كان الطائفي المتعصب يخجل من اعلان طائفيته، وكانت لغة الميثاق موضع خفر الساسة وتأدبهم، فلا يجهر احد منهم بها علانية”.
وقال: “بما أن لكل حلاوة مرارتها، فإن الوجه الآخر للديمقراطية اللبنانية هو توازن الطوائف ميدانيا حساسا، يرواح بين السخونة والبرودة بحسب تطورات الاوضاع الاقليمية والدولية. ففي بعض الاحيان كانت تحن طائفة الى نجدة ما خارجية، علها تعدل ميزان القوى، الذي بقي بالرغم من كل شيء متوازنا، بفعل عوامل أهمها حكمة بعض القادة السياسيين الذين لا ينكر لهم فضل ولا حنكة ولا وطنية، لانهم من مواقعهم التمثيلية الطائفية، كانوا يحكمون الامساك بالخيوط وادارة الامور ولو على حافة الهاوية”.
وأردف: “كانت الدولة اللبنانية اذا، قادرة على امتصاص الهزات الاقليمية المحدودة، وكان اقتصادها ينشط كثيرا بفعل التقلبات والانقلابات العربية، كما كانت في كثير من الاحيان تقوم بادوار الوساطة والتفاهم في اطار جامعة الدول العربية، الى ان حدث الزلزال الذي ضرب العرب والمنطقة، والذي ما زلنا نعيش في ارتدداته، اعني هزيمة 1967 التي غيرت المعادلات، واستباحت الحدود، فايقن الوجدان العربي بضرورة تغيير وسائل الصراع مع اسرائيل. وكان تأييد جامح لفكرة حرب الشعب والمقاومة، من خلال النموذج الفيتنامي الذي استطاع بوسائله البدائية هزم الالة العسكرية الاميركية الجبارة. هكذا دخلت المقاومة الى لبنان، وكل يراها بعين طائفته، فكانت لفريق رافعة، ولاخر اخلالا بالتوازن. ومع تطور الاحداث فقد الاتزان تماما وكان الانقسام شنيعا واجراميا، واستقل كل في دويلته، لكن احدا من اولئك المتصارعين لم يستطع أن يخرج من عباءة الدولة التي بقيت حاجة لا بد منها، ورئيسا لا يمكن فرضه من خارج الاطار البرلماني، وحكومة امر واقع تنجز مراسيمها بواسطة الدراجين، ونقد موحد وكان هذا في حد ذاته مؤشرا على استحالة التقسيم وفشل التجزئة”.
وقال: “يقتضي الانصاف ان ننوه بصمود تلك الدولة المستباحة وبايمان اهلها بها، بدليل ما استطاعه المجلس النيابي الممد له من وضع وثيقة كانت لها دلالاتها المهمة وهي:
– اولا: ان احدا لا يستطيع ان يبتكر حلا خارج الاطر الدستورية.
– ثانيا: ان نواب لبنان على اختلاف مناطقهم وطوائفهم، لم يعلقوا اسباب الحرب الاهلية على المشاجب الخارجية وحسب، بل واستطاعوا سبر اعماق الخلاف الداخلي ورتبوا برنامجا عاقلا لعلاجه.
– ثالثا: استطاعوا حسم بعض الامور الجوهرية واتفقوا على جعلها من صلب الدستور.
– رابعا: ان الدستور لم يطبق تطبيقا نزيها، وإلا لكنا الان في برزخ آخر”.



