مقالات

“حـكـــي بـلـــــدي” .. وظـــيـــفــــــــــة..

علي شاهين/ أفريقيا

 

خاص “المدارنت”..

دائماً تجرُني هذه الذاكرة الأمّارة بالسوء إلى محطات القهر والسّحق، التي لا تنتهي في بلد الأرز، وصحن التبولة، وقطعة السما التي على الأرض، يومها تقدّمت إلى وظيفة..
لم تكن الوظيفة عضواً في “الناسا”، أو مديراً عاماً للسكك الحديدية، أو نائباً لحاكم المصّرف، وظيفة عتّال بالحد الأدنى للأجور، لتستر أحلامي المتواضعة ببيتٍ صغيرٍ، ووسادةٍ تجمعني مع من أُحبّ..
جمعتُ الأوراق المطلوبة في ملفّ. ضمّ صورتين شمسيّتين لهذا المخلوق، وتعريف سكنْ، وشهادة مُصدّقة من المختار، تُثبت أني على خُلق، قبض ثمنها قبل ان يتفّ بقايا دخان (سيجارة) “السيدرس”، والقهوة المرّة من ريقه على الطابع البريدي، مع سجلّ عدلي، كلّفني يومين كاملين من الضيعة الى العاصمة، لأثبّتَ للّجنة الفاحصة أني لستُ مجرماً، ولا مطلوباً للعدالة، ولم اقمْ بأيّ جرمٍ شائنٍ، رُغم انني كنت لا املك حتى بارودة دكّ… ، وباقي الاوراق المدرسية من إفادات وبطاقات العلامات.
لم أكن اعرفُ أنّ هذا الملّف كلّه لا يعادل توصيةً او تلفون.. ليُصبح فيما بعد قيمته السوقية لا تعادل اوراق “تواليت” الحمامات.
فجر يوم المقابلة الشفهية، نعرتني (هزّتني بيدها) أمّي، كي لا تفوتني السيارة الوحيدة الى تنطلق صباحاً الى العاصمة، ورشّتني بنصف قارورة عطر ابي، وشدّتني بقشاط الجلد على الفرزة الرابعة، كي لا يسلُت البنطال (يسقط الى الأسفل)، ومشطّت شعري، وكأنها تُجهّز عريس لليلة ُعُرسه.
سخّرت أمي، بدعائها لي كل الانبياء، والائمة، والقديسين والاولياء الصالحين ليساعدوني في المقابلة، ونذرتْ للفقراء كيلاً من الطحين، وحتى أنها اجبرتني على تناول نصف مرطبان الزعتر، كي احتفظ بالمعلومات التي قرأتها من المعاجم والمراجع والكتب لمدة شهر، ابتداءً من الحرب العالمية الاولى الى ثورة ماو تسي تونغ، والنكسة، والنكبة، وبنود اتفاق كامب دايفيد ووادي عربة، وشروط هدنة فكّ الاشتباك سنة 1974..حتى اسماء افلام نجلاء فتحي ورشدي اباظة، وحفلات نجوى فؤاد في شارع الهرم…
كنا ثلاثون شخصاً في غرفة واحده، نصفهم وقوفاً، كان رقمي ما قبل الأخير، وأنا أقرأ الآيات والسور، والادعية، والتسابيح.. وعند الظهيرة، دخلتْ، لم ينظر أحد من اللجنة في وجهي، ولا الى تسريحة شعري، وكأني رزمة من البصل، كنت خائفاً مرعوباً اكثر من إدلائي بشهادتي امام مُنكر ونكير، قبل دخول القبر وردم الحفرة.
سألني احدهم: شجرة التفاح.. كم إجاصة تحمل في كل غصن؟ كان سؤالاً سخيفاً، ضحك الممتَحنون من هذه الحشرة الماثلة أمامهم، ومن باقي الحشرات المنتظرين في الخارج، من “الكومبارس”، الذين لا طعم لهم ولا لون في هذه الحياة، لان النتيجة معروفة سلفاً، وما هو إلا امتحاناً شكلياً لتكملة الاعداد.. بعد أسبوعين، عُلقّت أسماء المقبولين: أخ زوجة رئيس اللجنة، وإبن أخت المدير، وأخت صاحبة رئيس الدائرة.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى