مقالات

(حـكــي بـلــدي).. تُـقـطــع يــد الـســارق

علي شاهين/ افريقيا
خاص “المدارنت”..
… في مدينة لينز النمساوية، لفت انتباهي يوماً بستاناً من الورد، وايّ شخص يريد ان يشتري زهوراً، ربما ليضعهم في مزهرية، او إهداء لحبيبة، او باقة على قبر ميت، يقطفهم بنفسه، زهرة زهرة، سعر الوردة (يورو واحد) فقط، وعند نهاية البستان صندوقاً لتضع ثمنهم بعد عدّهم…
لم يكن في البستان بائعاً يعدّ الزهور، او يقبض الثمن، او يُرجع الباقي، ولا ناطور يحميهم، ولا شرطة تحرسهم، ولا سياج شائك يصونهم، ولا كاميرات مراقبة تراقبهم، ولا اسلاكاً مكهربة، ولا اقفالاً بستّ طقات، ولا كلاب تنبح…
كان عندي (صباط) ادّخرت ثمنه من تجميع خرجيتي المدرسية لشهرين، طريّ جلده، ومريح، ذلك لأنه من البضاعة الاوروبية الأصلية المستعملة (البالة) نخب اول، وأنّ امّي دعت لي في ليلة القدر، لكي أحظى بصبّاط لقطة لم يستهلكه صاحبه في المانيا، بعد أن ضاق محيطه الجغرافي على اصابع قدميه، حسب كلام البائع وعلى ذمّته…
كنت أسافر من دولة عربية شقيقة الى دولة عربية أخرى شقيقة، اتعرّض لروتين يوميّ ولو اجتزت الحدود في اليوم خمس مرات، من تحقيق وتفتيش عند الشرطة، والامن العسكري، والامن السياسي، والامن الجوي، والامن القومي، والامن الغذائي، وامن الدولة، والامن العام، وحرس الحدود، والجمارك وامن النوايا المبيته، ان كان في رأسي أيّ حياكة لمؤامرة خارجية، او عمالة لدولة امبريالية، او ايّ ميول لحلف الاطلسي…
عند آذان الظهر، دخلتُ الى ببت الله وفي ضيافته، لأداء فريضة صلاة الظهر، خلعت (الصبّاط اللقطة) بين مئات (الصبابيط، والجزامي، والشحاحيط، والقباقيب) الخشبية، وبعد الصلاة استمعت الى خطبة الرعب من إمام الجامع، عن عقاب السارق، يتلوها بما تيسّر له من آيات التهديد والوعيد من كتاب الله، ففي الدنيا تقطعون يده، وفي القبر يُضغطُ صدره، وفي الآخرة يُصلى ناراً وقودها الناس والحجارة، وكلما احترق جلده الرقيق يُستبدل بجلدٍ اخر…
خرجت من الصلاة، لم أجد (صبّاطي)، احد اهمّ مدخّراتي المالية، وبينما انا أفتش، رآني خادم الجامع، ومن دون ان اسأله: الله (بيعوّضك)، لماذا لم تضعه تحت إبطك وتركته الى جانبك اثناء الصلاة…
وحتى لا أمشي حافياً الى السوق، اعطاني (شحاطة) بلاستيك، هاربة من كتاب الآثار الاموية، مربوطة بسلك من نحاس… (روح الله بيعوّضك)، هذا السيناريو ربما اليومي، كان خاتمة لزيارتي الى بيت الله، يعني انه ذهاب الى غير عودة، ولا داعي لان اعمّم مواصفات (الصبّاط) اللقطة، الطري والجلد والمريح، لدى جميع هذه الفروع الامنية.. وبعد ثلاثين سنة من هذه الحادثة، البارحة سرق باب مسجد ضيعتنا..
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى