خريطة القوى العسكرية غرب ليبيا وشبكات النفوذ واستدعاء الحلفاء عند المعارك!
“المدارنت”
أعادت سلسلة من التطورات الأمنية المتلاحقة في غرب ليبيا، بدأت باشتباكات مسلحة في مدينتي الزاوية وصرمان، ووصلت خلال الأيام الأخيرة إلى استهداف منشآت نفطية في الزاوية بطائرات مسيرة، تسليط الضوء على خريطة عسكرية شديدة التعقيد، تتوزع فيها القوة بين عشرات التشكيلات التي يحمل كثير منها صفات رسمية ويتبع اسمياً مؤسسات الدولة، لكنه يحتفظ بقيادته ومناطق نفوذه وتحالفاته وحساباته الخاصة.
وبينما هدأت المواجهات المباشرة التي شهدتها الزاوية وصرمان مطلع الأسبوع الماضي، انتقل التصعيد إلى مستوى أكثر خطورة مع استهداف المجمع النفطي في الزاوية، الذي يضم المصفاة ومستودعات الوقود، في اعتداءات متكررة بطائرات مسيرة، من دون أن تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها أو تكشف السلطات الليبية حتى الآن هوية منفذيها.
تصعيد في المنشآت النفطية
وقالت المؤسسة الوطنية للنفط إن الاعتداءات على المنشآت النفطية في المدينة تصاعدت خلال الأيام الماضية بصورة باتت تهدد سلامة المنشآت والعاملين والمناطق المحيطة بها، محذرة من أن استمرارها قد يدفعها إلى إعلان حالة “القوة القاهرة” ووقف عمليات مصفاة الزاوية.
وبدأت سلسلة الاعتداءات، وفق المؤسسة، باستهداف الخزان رقم 1-7 التابع للمصفاة والمخصص لتخزين منتج النافتا غير المعالجة، بطائرة مسيرة، ما أحدث أضراراً جسيمة في جداره وثقبين تسبباً في تسرب جزء من المخزون، من دون اندلاع حريق.
وفي اعتداء آخر، أصيب بصورة مباشرة خزان لتخزين وقود السيارات كان يحتوي على نحو 4.5 ملايين لتر، ما أدى إلى اندلاع حريق كبير وانهيار الخزان بالكامل، فيما عملت فرق الإطفاء على منع امتداد النيران إلى خزانات ومنشآت أخرى داخل المجمع.
واستمر التوتر، الإثنين، مع اندلاع حريق في خزان آخر داخل منشآت الزاوية النفطية إثر هجوم بطائرة مسيرة، في أحدث حلقة من سلسلة اعتداءات دفعت المؤسسة إلى مطالبة الجهات المختصة باتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المجمع. واستمر التهديد الثلاثاء، مع توثيق ضربة بطائرة مسيرة استهدفت منشأة نفطية في الزاوية، في وقت ظل فيه التحذير من توقف المصفاة قائماً.
ولا توجد حتى الآن أدلة موثوقة تسمح بربط هذه الضربات بأي من التشكيلات المسلحة المنتشرة في الزاوية أو غرب ليبيا، وهو ما يجعل نسبتها إلى أي طرف سابقاً لأوانه، إلا أن وقوعها بعد أيام قليلة من جولة جديدة من الاشتباكات في المدينة أعاد المخاوف بشأن انتقال الصراعات المحلية إلى استهداف البنية التحتية الاستراتيجية.
اشتباكات الزاوية وصرمان
والزاوية أصلاً لم تكن هادئة قبل ضربات المسيرات، ففي وقت متأخر من مساء الثالث من أغسطس/ آب وحتى الساعات الأولى من الرابع منه، اندلعت اشتباكات بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة في منطقة الحرشة ومحيط الطريق الساحلي القريب من مصفاة الزاوية، ما دفع جهاز الإسعاف والطوارئ إلى اعتبار الجزء الممتد من جسر بئر الغنم إلى الإشارة الضوئية في الصابرية، غير آمن، فيما طالب الهلال الأحمر، السكان، بالبقاء في منازلهم والابتعاد عن النوافذ والأماكن المكشوفة.
وارتبطت المواجهات الأخيرة بصورة أساسية بالتوتر بين عناصر تابعة لجهاز مكافحة التهديدات الأمنية بقيادة محمد بحرون، المعروف بـ”الفار”، والكتيبة 103 مشاة المعروفة بـ”كتيبة السلعة” بقيادة عثمان اللهب، وهما من أبرز مراكز القوة المسلحة داخل المدينة، مع مشاركة مسلحين آخرين في بعض محاور الاشتباكات.
وامتدت آثار التوتر إلى صرمان المجاورة، حيث شهدت المدينة بدورها مواجهات مسلحة وصلت آثارها إلى مناطق سكنية، فضلاً عن اضطراب الوضع في سجن صرمان وخروج عدد من السجناء منه وسط ظروف أمنية مضطربة.
وأدت المواجهات إلى سقوط قتلى وجرحى وأضرار مادية، وإغلاق أجزاء من الطريق الساحلي الذي يمثل الشريان الرئيسي الرابط بين طرابلس ومدن الساحل الغربي وصولاً إلى الحدود التونسية، قبل أن يكلف رئيس الأركان العامة المكلف، صلاح النمروش، المنطقة العسكرية الساحل الغربي بتجهيز قوة للانتشار في صرمان وتأمين المدينة وسجنها.
ومع انتشار قوات المنطقة العسكرية الساحل الغربي وانسحاب التشكيلات المسلحة من عدد من المواقع، عاد الهدوء تدريجياً وأعيد فتح الطريق، لكن انتهاء الاشتباكات لم يعالج أسبابها، قبل أن تعيد ضربات المسيرات على المنشآت النفطية في الزاوية المخاوف الأمنية إلى الواجهة.
وليست هذه الجولة الأولى التي تتحول فيها الزاوية إلى ساحة قتال خلال العام الجاري. ففي مايو/ أيار الماضي، شهدت المدينة ومحيط المصفاة مواجهات عنيفة استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة، وحذرت بعثة الأمم المتحدة حينها من سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين ومن استخدام مجمعات سكنية قريبة من المصفاة لأغراض عسكرية، معتبرة أن استمرار القتال يهدد بإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الاستراتيجية ذات الآثار الاقتصادية والإنسانية على البلاد.
وبعد أسابيع فقط، عادت البعثة لتحذر من استمرار حشد التشكيلات المسلحة وتواصل حوادث الاغتيال في الزاوية ومحيطها، وقالت إن التنافس بين الأطراف المسلحة على النفوذ والسيطرة على الأراضي والوصول إلى موارد الدولة لا يزال يقوض الأمن ويضعف مؤسسات الدولة.
شبكة تحالفات
هذه التطورات لا تبدو منفصلة عن الصورة الأوسع في غرب ليبيا، فالزاوية وصرمان وصبراتة ليست جزراً أمنية معزولة عن طرابلس، مثلما أن الصراعات المسلحة داخل العاصمة لم تعد محصورة بحدودها الإدارية. وفي المواجهات الكبرى، تستطيع القوى المتصارعة استدعاء حلفائها من مدن تبعد عشرات أو حتى مئات الكيلومترات، وهو ما ظهر بوضوح خلال أحداث طرابلس في مايو/ أيار 2025.
ففي 12 مايو/ أيار من ذلك العام، قتل قائد جهاز دعم الاستقرار، عبد الغني الككلي، المعروف بـ”غنيوة”، خلال اجتماع أمني، لتطلق قوات يقودها اللواء 444 قتال عملية سريعة ضد مواقع الجهاز في أبو سليم ومناطق أخرى من العاصمة، أنهت خلال ساعات جزءاً كبيراً من شبكة النفوذ التي بناها الككلي طوال سنوات.
لكن سقوط جهاز دعم الاستقرار بصورته القديمة لم يؤد إلى إنهاء تعدد مراكز القوة، فسرعان ما تحولت المواجهة إلى صدام بين القوى المتحالفة مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، وفي مقدمتها اللواءان 444 و111، وبين جهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب بقيادة عبد الرؤوف كارة، الذي يحتفظ بمركز ثقله في معيتيقة وسوق الجمعة وشرق العاصمة.
وكشفت تلك المواجهات حجم الترابط بين صراعات طرابلس ومدن الغرب. فقد تحركت قوات من الزاوية باتجاه العاصمة، بينها نحو 200 آلية مرتبطة بقوة محمد بحرون، فيما وصلت تعزيزات من الزنتان لدعم جهاز الأمن العام، وأرسلت قوة العمليات المشتركة من مصراتة عناصرها باتجاه طرابلس.
وبذلك لم يعد ميزان القوة داخل العاصمة يصنع داخل طرابلس وحدها، بل بات مرتبطاً بشبكة أوسع تمتد شرقاً إلى مصراتة، وغرباً عبر جنزور والزاوية وصرمان وصبراتة، وجنوباً وغرباً نحو ورشفانة والزنتان.
توازن بين 444 و111
وفي طرابلس نفسها، يبرز اليوم اللواء 444 قتال – بقيادة محمود حمزة، باعتباره أحد أبرز وأقوى التشكيلات العسكرية في العاصمة، إلى جانب اللواء 111 مجحفل – بقيادة عبد السلام الزوبي. ويتمتع التشكيلان بصفة رسمية ضمن المؤسسة العسكرية التابعة لحكومة الوحدة، وكانا من أبرز القوى التي تحركت ضد جهاز دعم الاستقرار خلال أحداث مايو/ أيار 2025.
إلى جانبهما يوجد جهاز الأمن العام، الذي يمتلك ثقلاً في غرب العاصمة وله امتدادات وصلات بشرية وعسكرية نحو الزنتان، بينما يحتفظ جهاز الردع بقيادة كارة بنفوذ مهم في معيتيقة وسوق الجمعة. ورغم المواجهة التي كادت تتحول إلى حرب واسعة بين الردع والقوى المتحالفة مع الدبيبة في 2025، لم تنته الأزمة بإقصائه كما حدث مع جهاز دعم الاستقرار.
وبقي الردع محتفظاً بقوته ومواقعه الرئيسية، قبل أن تعود خلال الفترة الأخيرة اتصالات بينه وبين حكومة الوحدة بشأن ترتيبات أمنية وانتشار القوات في محيط قاعدة معيتيقة، ما يعكس طبيعة التحالفات المتحركة في العاصمة، حيث يمكن أن تنتقل العلاقة بين بعض التشكيلات من المواجهة العسكرية إلى التفاوض من دون أن يعني ذلك فقدانها استقلالها أو نفوذها الميداني.
أما جهاز دعم الاستقرار نفسه فلم يختف تماماً بعد مقتل الككلي، إذ عُين حسن أبو زريبة، وهو من أبرز قادة الزاوية وكان مسؤولاً عن الجهاز في المنطقة الغربية، رئيساً له، في خطوة أعادت تشكيل الجهاز بعد انهيار جزء كبير من نفوذه السابق في أبو سليم، وعززت حضور قيادته الجديدة القادمة من غرب العاصمة.
مراكز قوة متعددة
وتقدم الزاوية المثال الأكثر وضوحاً على صعوبة رسم خط يفصل بين الدولة والتشكيلات المسلحة. فالمدينة تضم عدداً من القوى التي اكتسبت خلال السنوات الماضية مسميات وصفات رسمية، لكن العلاقات بينها ما زالت تقوم بدرجة كبيرة على توازنات محلية وشخصية وعائلية.
ومن أبرز هذه القوى جهاز مكافحة التهديدات الأمنية، المرتبط بمحمد بحرون “الفار”، الذي خرج من البيئة المسلحة في وسط الزاوية وبنى خلال السنوات الماضية شبكة نفوذ واسعة، وبرز دوره خارج المدينة عندما تحركت قوات مرتبطة به باتجاه طرابلس خلال صدامات مايو/ أيار 2025.
وفي المدينة أيضاً الكتيبة 103 مشاة بقيادة عثمان اللهب، المعروفة باسم “كتيبة السلعة”، والتي شكلت طرفاً رئيسياً في جولة القتال الأخيرة.
كما ظل محمود بن رجب من الشخصيات المؤثرة في المشهد المسلح داخل الزاوية، وارتبط تاريخياً بالكتيبة 52 مشاة وبشبكات عسكرية في وسط المدينة، إلا أن خريطة نفوذه الحالية أقل وضوحاً من بعض التشكيلات الأخرى، في ظل التحولات المتكررة التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.
ويضاف إلى هذه الخريطة حسن أبو زريبة، الذي بات يرأس جهاز دعم الاستقرار، فيما عرف محيط أبو حميرة والمصفاة تاريخياً بوجود محور مسلح آخر برزت ضمنه شخصيات من بينها محمد كشلاف وقوة النصر، التي ارتبطت في مراحل سابقة بحرس المنشآت النفطية. غير أن أوزان هذه القوى وتشكيلاتها شهدت بدورها تغيرات على مدى السنوات الماضية، ما يجعل المشهد الحالي أكثر تشظياً من الخريطة التقليدية التي كانت تحكم المدينة قبل أعوام.
وتكتسب المنافسة داخل الزاوية حساسية إضافية بسبب موقع المدينة، فهي لا تقع فقط على الطريق بين طرابلس والحدود التونسية، بل تضم مصفاة وميناء ومنشآت تخزين نفطية، وتقع ضمن مسارات للهجرة غير النظامية وتهريب الوقود والبضائع. ولهذا تتقاطع المنافسة العسكرية فيها مع السيطرة على الطرق والمنشآت والموارد الاقتصادية.
خريطة السلاح غرب العاصمة
أما صبراتة، فتشكل بدورها حلقة أخرى في هذا الشريط المسلح الممتد غرب العاصمة. وقد ارتبط اسمها لسنوات بشبكات مسلحة وتهريب مهاجرين، كان من أبرز قادتها أحمد الدباشي المعروف بـ”العمو”، الذي كان مدرجاً على قائمة عقوبات الأمم المتحدة، قبل مقتله في ديسمبر/ كانون الأول 2025 خلال عملية نفذها جهاز مكافحة التهديدات الأمنية في المدينة، وأعلن خلالها أيضاً ضبط شقيقه صالح الدباشي.
وأدى مقتل الدباشي وتراجع شبكته إلى تغير جزء من موازين القوة في صبراتة، بالتزامن مع محاولات أجهزة أمنية تابعة لحكومة الوحدة توسيع حضورها، فيما بقيت المدينة مرتبطة بشبكات مسلحة ومحلية تتداخل مصالحها مع الساحل والحدود والطرق المؤدية إلى الزاوية وطرابلس.
وفي الاتجاه الآخر، تمثل الزنتان مركز قوة عسكرياً مختلفاً. فالمدينة، التي لعبت دوراً رئيسياً في حروب ما بعد 2011، لا تخضع لتشكيل موحد. ومن أبرز شخصياتها العسكرية، أسامة الجويلي، قائد المنطقة العسكرية الجبل الغربي، إلى جانب شبكات مرتبطة بجهاز الأمن العام وقوى أخرى احتفظ بعضها تاريخياً بعلاقات مع معسكر شرق ليبيا، فيما سعى بعضها إلى البقاء خارج الاستقطابات الكبرى.
وتتوسط ورشفانة والعزيزية هذه المساحات، وتكمن أهميتهما في أنهما تشكلان ممراً عسكرياً بين طرابلس والزاوية والزنتان والجبل الغربي. وقد ظهرت تشكيلات من ورشفانة في أكثر من مواجهة، بينها اللواء 55، بينما تحركت قوى من المنطقة خلال أحداث مايو/ أيار 2025 على خطوط المواجهة المرتبطة بالصراع مع جهاز الردع.
وشرقاً، تحتفظ تاجوراء بتشكيلاتها المحلية، وفي مقدمتها قوة رحبة الدروع بقيادة بشير خلف الله المعروف بـ”البقرة”، بينما تجعلها جغرافيتها بوابة بين طرابلس والقوى القادمة من مصراتة والخمس وزليتن.
ثقل دون قيادة
لكن الثقل العسكري الأكبر القادر على التحرك من خارج العاصمة يبقى في مصراتة، التي تضم عدداً من التشكيلات والأجهزة العسكرية، بينها قوة العمليات المشتركة وقوة مكافحة الإرهاب، إلى جانب تشكيلات أخرى ذات جذور في كتائب المدينة التي برزت بعد العام 2011.
كما يرتبط جزء مهم من الثقل المصراتي في العاصمة باللواء 111 مجحفل بقيادة عبد السلام الزوبي، الذي تشكل من القوة التي عرفت سابقاً بالكتيبة 301 مشاة أو “لواء الحلبوص”، ولذلك لا يصح التعامل مع 111 و301 والحلبوص باعتبارها ثلاثة تشكيلات منفصلة قائمة حالياً.
وتبقى في مصراتة كذلك تشكيلات وشبكات مسلحة ذات جذور قديمة، من بينها المحجوب والمرسى وقوى أخرى، إلا أن أدوارها ومستويات نشاطها تغيرت مع مرور السنوات وعمليات إعادة الهيكلة والدمج داخل المؤسسات الرسمية.
ولا تتحرك جميع القوى المصراتية وفق موقف سياسي واحد، ولذلك لا يمكن التعامل مع مصراتة باعتبارها كتلة عسكرية موحدة، رغم أن قوى ذات ثقل مصراتي شكلت خلال المرحلة الأخيرة ركناً أساسياً في المعسكر المتحالف مع حكومة الدبيبة.
وهذه إحدى النتائج التي تعكسها قراءة أحدث تقرير لفريق خبراء مجلس الأمن بشأن ليبيا، الصادر في مارس/ آذار 2026، والذي يرسم صورة لصراع داخل غرب البلاد يتجاوز الانقسامات التقليدية، مع بروز ائتلاف ذي ثقل مصراتي في مواجهة شبكة من القوى المحلية الممتدة من الزاوية ومدن الساحل باتجاه الحدود التونسية، وسط مخاوف لدى بعض القوى الغربية من اختلال موازين التعيينات العسكرية والأمنية والنفوذ داخل مؤسسات الدولة.
لكن حتى هذا التقسيم لا يعني وجود معسكرين ثابتين؛ فالقوة التي تتحالف مع تشكيل في طرابلس قد تدخل معه أو مع حليفه في خلاف محلي في الزاوية، والقوى التي تقاتلت في مرحلة سابقة يمكن أن تتقارب عندما يظهر خصم أكثر قوة. كما أن التبعية الرسمية لوزارة الدفاع أو الداخلية أو المجلس الرئاسي لا تعني بالضرورة وجود سلسلة قيادة عسكرية واحدة.
أجهزة رسمية وولاءات مستقلة
وهنا تكمن المعضلة الأساسية في غرب ليبيا، فالكثير من التشكيلات التي كانت تعرف سابقاً باسم “الميليشيات” لم تختف، وإنما أعيد إدماجها في أجهزة وألوية تحمل أسماء رسمية وتحصل على التمويل والرواتب من الدولة، فيما حافظت بدرجات متفاوتة على قياداتها المحلية وشبكاتها الاجتماعية ومناطق انتشارها.
ويذهب فريق خبراء الأمم المتحدة أبعد من ذلك في توصيف نفوذ الجماعات المسلحة، إذ يشير إلى دورها المتزايد في منظومة الحكم، وعدم اقتصار المنافسة بينها على السيطرة العسكرية على الأحياء، بل امتدادها إلى النفوذ داخل المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية والوصول إلى موارد الدولة.
ولهذا تبدو أحداث الزاوية وصرمان وضربات المسيرات على المنشآت النفطية أكثر من مجرد حوادث أمنية منفصلة. فالمصفاة والطريق الساحلي ومطار معيتيقة ومداخل طرابلس والسجون والموانئ والمعابر الحدودية ليست فقط منشآت ومواقع جغرافية، وإنما نقاط قوة داخل شبكة التوازنات المسلحة.
وتكشف التطورات الأخيرة أيضاً حدود محاولات السلطات المتعاقبة تحويل هذه التشكيلات إلى مؤسسة أمنية موحدة؛ فحين تندلع المواجهة بين قوتين تحملان صفات رسمية، تلجأ الدولة إلى قوة ثالثة تحمل بدورها صفة رسمية للفصل بينهما، كما حدث في صرمان، فيما تبقى إمكانية تجدد الصدام مرتبطة بتغير ميزان المصالح والتحالفات.
ومن هنا، فإن الهدوء الذي عاد إلى صرمان والزاوية بعد اشتباكات الأسبوع الماضي لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة، تماماً كما لم يؤد وقف إطلاق النار في طرابلس بعد أحداث مايو/ أيار 2025 إلى إنهاء الصراع على النفوذ داخل العاصمة.
وبينما لا تزال هوية الجهة التي تقف وراء استهداف منشآت الزاوية بالطائرات المسيرة مجهولة، فإن تزامن الضربات مع حالة الاحتقان العسكري المتكررة يضيف عنصراً جديداً إلى مشهد أمني شديد الهشاشة، ويطرح مجدداً السؤال الذي ظل بلا إجابة منذ سنوات: كيف يمكن بناء مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة في غرب ليبيا بينما تمتلك القوى التي يفترض دمجها في هذه المؤسسة مناطق نفوذ وموارد وتحالفات ومصالح خاصة بها؟
وهو سؤال اكتسب دلالة إضافية هذا الأسبوع، في الوقت الذي كان فيه رئيس حكومة الوحدة، عبد الحميد الدبيبة، يؤكد، خلال إحياء الذكرى السادسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي، أن البلاد تحتاج إلى “جيش قوي واحد مهني ومنضبط”، وأن توحيد المؤسسة العسكرية أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل.
فبين خطاب توحيد الجيش، والمشهد الممتد على الأرض من مصراتة وتاجوراء وطرابلس إلى الزاوية وصرمان وصبراتة وورشفانة والزنتان، لا يزال غرب ليبيا محكوماً بتوازن دقيق بين مؤسسات الدولة من جهة، وقوى مسلحة أصبحت في الوقت نفسه جزءاً من تلك المؤسسات من جهة أخرى؛ وهو توازن يكفي لأي خلاف محلي أو محاولة تغيير في مناطق النفوذ لإعادة اختباره بالسلاح.
هشاشة تتجاوز الاشتباكات
وفي تعليق خاص لـ”القدس العربي”، رأى الصحافي والباحث الليبي، محمد القرج، أن التطورات المتزامنة التي شهدتها البلاد كشفت حجم الهشاشة التي تعانيها الدولة على أكثر من مستوى، قائلاَ إن “ليلة ثقيلة مرت على ليبيا (الإثنيبن)، كأن البلاد اختبرت في ساعات قليلة هشاشتها كلها دفعة واحدة”.
وأشار إلى أن اغتيال فوزي المنصوري بسيارة مفخخة في بنغازي أعاد إلى الذاكرة “لغة ظن الليبيون أنهم دفنوها”، بينما جاء استهداف منشأة نفطية في الزاوية بطائرات مسيرة ليبعث، حسب وصفه، “رسالة مخيفة بأن شريان البلاد الاقتصادي لم يعد بعيداَ عن مرمى الفوضى”، بالتزامن مع إعلان محافظ مصرف ليبيا المركزي استقالته في طرابلس، في وقت يقف فيه الاقتصاد الليبي أصلاً “فوق أرض شديدة الاضطراب”.
وشدد على أنه لا ينبغي بالضرورة الربط بين هذه الأحداث أو التعامل معها باعتبارها مترابطة، نظراً لاختلاف طبيعة كل منها، لكنه اعتبر أن اجتماعها خلال ليلة واحدة يرسم صورة لدولة تتعرض في الوقت نفسه للضغط في أمنها وقطاعها النفطي ونظامها النقدي.
وأضاف أن الأخطر لا يكمن فقط في مرور ليبيا بليلة مضطربة، بل في أن تكرار الأزمات بات يضع الليبيين أمام سؤال أكبر يتعلق بقدرة الدولة على تحمل هذا المستوى من الهشاشة، متسائلاً: “إلى أي حد تستطيع دولة أن تحتمل هذا القدر من الهشاشة قبل أن يصبح الاستثناء هو القاعدة؟”.
وتتقاطع قراءة القرج مع تحذيرات أطلقها محللون ليبيون عقب الاشتباكات التي شهدتها الزاوية وصرمان مطلع أغسطس/ آب، وإن ركزت تلك القراءات بصورة أكبر على بنية المشهد الأمني في غرب البلاد، وعلاقة تكرر المواجهات بعجز السلطات عن إخضاع التشكيلات المسلحة لقيادة موحدة.
وفي هذا السياق، رأى المحلل السياسي محمد محفوظ، أن المسؤولية عن حماية المدنيين وفرض الأمن تقع على حكومة الوحدة الوطنية، معتبراً أن استمرار سطوة التشكيلات المسلحة يعكس عدم نجاح السلطات في إنهاء هذه الحالة رغم الإمكانات والصلاحيات المتاحة لها.
أما المحلل السياسي فيصل الشريف، فاعتبر أن السلطات السياسية والعسكرية والأمنية في غرب ليبيا ستظل عاجزة عن أداء دورها ما لم تتمكن من وضع حد لحالة الانفلات الأمني التي كشفت عنها المواجهات في الزاوية وصرمان، في ظل مفارقة تتمثل في تعدد المؤسسات والأجهزة الرسمية مقابل استمرار اندلاع المواجهات المسلحة داخل المدن.
ووسع المحلل السياسي عمر السويحلي نطاق الأزمة إلى ما يتجاوز الزاوية وصرمان، معتبراً أن التطورات التي شهدتها المدينتان، إلى جانب صبراتة، تكشف تراجعاً في قدرة حكومة الوحدة على فرض سلطتها الأمنية في مناطق غرب ليبيا، واستمرار وجود مراكز قوة مسلحة تتحرك وفق حساباتها المحلية.
وفي الاتجاه نفسه، حمل المحلل السياسي عمر الغزيل حكومة الوحدة والمجلس الرئاسي المسؤولية السياسية عن استمرار حالة الانفلات، منتقداً عجز المؤسسات الرسمية عن ضبط الجماعات المسلحة ومنع انتقال خلافاتها إلى مواجهات تهدد السكان والمنشآت العامة.
ورغم اختلاف مواقف أصحاب هذه القراءات السياسية، فإنها تلتقي عند إشكالية أساسية تتعلق بطبيعة البنية الأمنية في غرب ليبيا، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على وجود تشكيلات مسلحة تعمل خارج مؤسسات الدولة، بعدما أصبح عدد كبير من هذه القوى يحمل مسميات وصفات رسمية وينضوي اسمياً تحت وزارتي الدفاع والداخلية أو أجهزة تابعة للمجلس الرئاسي، مع احتفاظه في الوقت نفسه بقيادته ومناطق نفوذه وشبكة تحالفاته.



