خطاب نصر الله لا حرب ولا سلم!

“المدارنت”..
بعدما وقف العالم على “رجل ونصف” بانتظار الخطاب “التاريخي” الذي سيلقيه الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله، حلّت الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الجمعة الماضي، وظهر نصر الله عبر الشاشة، ليترك هذا العالم واللبنانيين بنوع خاص، تائهين بين حالة اللاحرب واللاسلم، إذ لم يشفِ الأمين العام غليل “من يريد السير على طريق القدس”، فيعلن لهم ساعة الانطلاق، ولا هدأ من روع الخائفين على حياتهم وأرزاقهم ليعودوا إلى حياتهم الطبيعية “السلمية”.
وعلى جري العادة، كان السيد مزوداً بـ“الهبة الالهية” في فن الخطابة، حاسماً في اللحظات المطلوبة، وغامضاً في اللحظات الأخرى، فلم يترك وسيلة من ضمن “الحرب النفسية” التي يبرع في استخدامها ضد العدو الصهيوني، إلا واستغلها، والنتيجة كانت أن سارع رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، وربما كان الأول في الرد عليها، إلى استخدام الوسيلة نفسها لكن ليس ضد نصر الله وحزبه، بل ضد لبنان واللبنانيين أجمعين.
من يرتكب الخطأ أولاً؟ أصبح السؤال الذي يراود كل اللبنانيين وحتى أصحاب القرار في الدول المعنية بالحرب الاجرامية التي يشنها جيش الكيان الغاصب ضدّ قطاع غزة وأهله الفلسطينيين. فالسيد ربط تطورات الوضع على الحدود اللبنانية/ الفلسطينية بتطور الأحداث في غزة أولاً، وبتصرفات العدو تجاه لبنان ثانياً، ما يعني أن قرار إدخال لبنان في جحيم الحرب وفقاً لخطاب السيد ليس بيده، بل بيد نتنياهو ومن وراءه.
ومن ناحية نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت ورئيس أركان جيشه الجنرال هرتسي هاليفي، فإن أي خطأ يرتكبه نصر الله في توسيع قاعدة هجماته على الحدود، سيدفع لبنان ثمنه، في حين سارع المتحدث باسم البيت الأبيض إلى ملاقاة “الاسرائيليين” (الصهاينة) بالقول: “لا يمكن تصور الدمار المحتمل الذي سيحلّ بلبنان وشعبه في حال توسع الصراع”.
“كل الأطراف محرجة في هذه الحرب”، يقول مصدر نيابي مخضرم، ويوضح أن “نتنياهو صعد إلى الشجرة ولا يعرف كيف ينزل عنها وهو يريد من يساعده على النزول. وحماس التي حققت ما لم يتمكن العرب بجيوشهم المجتمعة من تحقيقه، لا تعرف إلى متى سيستمر نزف أهلها في القطاع أمام هذه الهجمة الشرسة الاجرامية التي يشنها العدو “الاسرائيلي” (الصهيوني). أما حزب الله، فمن ناحية أصبح محرجاً أمام حماس أولاً وأمام اللبنانيين ثانياً، فهو لا يريد الدخول فعلياً في حرب قد تدفع بيئته الحاضنة أولاً الثمن الأكبر لها، ولا يعرف كيف يظهر لحماس أنه معها ومستعد لخوض القتال ضد “الاسرائلييين” بالتكتيك نفسه الذي اتبعته الحركة في 7 تشرين الأول الماضي”.
لكن المصدر نفسه يقول: “غير أنه خلافاً لما يقوله غلاة المعارضين لحزب الله بأنه صادر قرار الدولة اللبنانية في الحرب والسلم، فإن خطاب السيد، يؤكد أن قرار الحرب والسلم في هذه المرحلة هو بيد “الاسرائيليين” والأميركيين، وليس بإمكانه سوى الرد على فعلهم، وهو من خلال خطابه كان واضحاً أنه لا يريد الدخول في حرب إلا إذا فرضت عليه وبالتالي لا يمكنه أن يشاهد القضية العربية المركزية والتي هي قضية فلسطين على طريق التصفية، ويقف متفرجاً خصوصاً أن تجربة الأنظمة العربية كلها لم تنفع القضية سوى بالكلام”.
وفيما يستمر النزف في غزة وسط الدعوات المتفرقة الى وقف إطلاق النار مؤقتاً أو قيام هدنة ذات طابع إنساني، انضم نصر الله في خطابه إلى الداعين لوقف إطلاق النار في ظل الرفض الاسرائيلي المطلق لهذا الطلب على الرغم من الاصرار الأميركي عليه. لكن السؤال الذي يطرحه المراقبون السياسيون: ما هي النتيجة التي تحققت لغاية اليوم سواء بالنسبة الى حماس ومن خلفها محور المقاومة، أو بالنسبة الى الدولة العبرية ومن يدعمها ويساندها سياسياً وعسكرياً مع وجود أساطيل في البحر الأبيض المتوسط لم يسبق أن حصل منذ الحرب العالمية الثانية؟
فهل إن وقف إطلاق النار يعني أن الحرب ستتوقف وينتقل المتحاربون إلى مرحلة المفاوضات التي تتضمن شروطاً من “حماس” تعرف مسبقاً أنها صعبة التحقيق، كما يعرف “الاسرائيليون” (الصهاينة) أيضاً أن الثمن الذي عليهم أن يدفعوه سيكون أكبر من قدرة نتنياهو على القبول به ولذلك يقف مصمماً على استكمال ما بدأه؟ هل أصحاب الأصوات التي تدعو للعودة إلى القبول بمبدأ حل الدولتين يتصورون أن هذا الحل يبدو منطقياً الآن وفي ظل عدم وجود ما يكفي من الأرض لكي تقوم عليها دولة فلسطينية؟
على الرغم من أن نصر الله استطاع مرحلياً أن يجنّب لبنان في المرحلة الحالية توسع قاعدة الحرب وبالتالي تهديم ما تبقى من بنيان البلد وربما وضعه على خارطة الزوال، بما يعني ذلك من إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط كما يجري الحديث عنه في أروقة المجتمع الدولي، وذلك من خلال اعتماد الغموض “البناء” في خطابه بعدم توسيع قاعدة الحرب، إلا أنه عزّز من دون أدنى شك من حالة إحباط تسود بين مناصريه ومطالبيه بالتدخل لأن “الفرصة” سانحة لكي “يصلي” في القدس كما وعد دائماً.
إن استمرار لبنان في مرحلة “اللاحرب واللاسلم” التي وضعه فيها نصر الله ليست لصالحه على جميع الصعد المالية والنقدية والاقتصادية والتجارية والتربوية، في ظل الأزمة الخانقة التي يعيشها اللبنانيون ما دفع البعض منهم إلى التباطؤ في تسديد الأقساط المدرسية المتوجبة خوفاً من الحرب على سبيل المثال، وبدء أصوات المسؤولين في القطاع السياحي بالتصاعد نتيجة إلغاء الحجوزات ما يعرض مؤسساتهم والعاملين فيها إلى الاقفال نتيجة هذه الحالة.
أسوأ الحالات هي حالة الانتظار خصوصاً تلك التي ليس في قدرة اللبنانيين التحكم بها، فكيف إذا كانت بيد نصر الله من جهة و”إسرائيل” والمجتمع الدولي من جهة أخرى؟
المصدر: صلاح تقي الدين/ “لبنان الكبير”.



