دلالات استقبال الممثل التركي بوراك في بيروت
د. عبد الناصر سكرية/لبنان
//خاص المدارنت//… أثار احتشاد مئات من اللبنانيين لاستقبال ممثل تركي (بوراك أوزجيفيت) في بيروت، استياء الكثيرين، مُتّهمِين المُستقبلين بالتفاهة والسخافة وأحيانا بقلة الأدب والحقيقة أن الأمر يحمل دلالات كثيرة مختلفة.
١ـ فمن حيث الشكل أن شركات تسويق متخصصة بالدعاية والتحريض والتجييش كانت وراء الزيارة، كما وراء ذلك الاستقبال الموصوف بالتفاهة، هي شركات تستخدم خبراء في علم الاجتماع وعلم النفس وعلم التأثير في الكتل الجماهيرية والقدرة على تحريكها وفق ما ترسم وتريد، مستفيدة من وسائل التسويق والاتصال الحديثة، ومستخدمة ما توصل اليه علم توجيه العقول من مقدرة خارقة على التلاعب بعقول الناس وإهتماماتهم.
٢ – ما حدث يحمل على القول أن هذه الحشود تعاني من حالة نفسية مضطربة، وهي تحتاج الى دراسة وتحليل ثم معالجة. اما الهجوم والسباب فلن يفيد في شيء.
٣ – الغالبية الساحقة من المشاركين ينتمون إلى فئة الشباب، ذكورا وإناسا، وهم جميعا تعرفوا على شخصية الممثل المعني من خلال اعمال تلفزيونية قدمته إليهم بشكل جذاب نفسيا وعاطفيا، فهو استنادا الى ادواره التلفزيونية، رمز انساني يحمل شحنات من العواطف تستطيع إملاء الفراغات العاطفية الكبيرة لهؤلاء، والناتجة عن الاحوال العامة المضطربة حولهم.
٤ – كما انه يمثل البطل الذي يحتاجه الشباب كمتخيّل ملهم، او كمثل اعلى محرّض ودافع باتجاه حركة واثبة تملأ فراغ العقول وخواء النفوس، المتعطشة المتلهفة الى نوع من الأهمية التي يفتقدونها أيضا، بفعل الواقع الموضوعي الذي يعيشونه بقسوة وخلل.
٥ – إن وظيفة تحريك الجماهير تقع عادة على عاتق الاحزاب ومؤسسات الأنشطة العامة، أما وقد سقطت جميعها وفرغت الساحة من فعاليتها وتواصلها مع الجماهير، فلم يبق امام هؤلاء الشباب إلا مجال التحشيد الفني، لملء ما يعانونه من نقص في الاهتمام المتبادل ببنهم وبين مجتمعهم، ومن فراغ عاطفي يكرّس حالة التشتت والضياع التي يعيشونها.
٦ – في غياب انشغال الشباب بالقضايا الوطنية والاجتماعية والانسانية العامة؛ فان الاهتمام بهكذا مناسبات يصبح نوعا من التعبير عن الذات والإحساس بالتفرّد والتميّز.
٦ – إن للشباب طاقات حركية وعاطفية كبيرة، تحتاج الى ضبط وتلطيف وتوجيه، حتى تبقى في أطار نافع مفيد، سواء على المستوى الشخصي او المجتمعي، فمن لهؤلاء الشباب من مُوجّه او راع أبوي توجيهي صادق مخلص أمين ؟؟
٧ – إن جميع الرموز العامة المتحركة في فضاء هؤلاء الشباب، إنما هم فاسدون، وفي ذات الوقت فعالون ونافذون، وهذا بحد ذاته كفيل بدفع اسراب الشباب نحو اليأس والاحباط والهامشية واللامبالاة، وما الاهتمام بأمور سخيفة او شكلية هامشية، الا تعبير عن ذلك الياس والإحباط.
٨ – واذا تساءلنا عن طبيعة تلك الحشود التي تهتف لهذا السياسي او ذاك، وتلك التي تتعصّب وتقاتل فداء لهذا المعنى الانغلاقي الضيق المتزمت هنا او هناك؛ لوجدنا حالة من التفاهة والسخافة، أعلى من تلك الفئة المحتشدة لاستقبال فنان.
وهذه الحشود، انما تعاني من ذات الخلل الفكري والخواء العاطفي، كما الفراغ النفسي الذي يعاني منه اؤلئك.
ومرة أخرى، فان الواقع الموضوعي المحيط بهم جميعا هو السبب وهو المسؤول.
٩ – واذا اردنا الحديث عن ذلك الواقع الموضوعي، نحتاج الى مطولات لبيان مدى خطورة الواقع المفروض على هؤلاء الشباب.
غياب تام لاي منهج تربوي اخلاقي في كل مؤسسات التعليم والتربية، غياب الرموز الشريفة المخلصة عن هذا الواقع الموضوعي المحيط بهم، امتلاء فضاءاتهم برموز كاذبة فاسدة مصنعة تصنيعا، ومفروضة عليهم فرضاً، إحباط عام من تلك الاحزاب والمؤسسات التي تصدت للعمل العام، سياسي او نقابي او ثقافي او اجتماعي، بعدما تبين مدى تشبثها بالمصالح الفئوية والشخصية ومعاناتها من الفردية والشخصانية، سيادة العقل الفردي الذاتي النفعي، مع ما يتركه من آثار سلبية على الحالة النفسية العامة للشباب، حيث المرحلة العمرية الحرجة، والتي اكثر ما تحتاج الى احساس بالاهلية العاطفية من خلال التفاعل الانساني الحرّ، وما حدث يدلّ مرة اخرى على مدى مقدرة الاعلام ومن يملكه ويوجهه؛ على التأثير في العقول، وتوجيهها الى اهتمامات هامشية سخيفة، لا تنفع وطنا ولا مجتمعا ولا انسانية.
وفي المحصلة، إن ما حدث يجب ان يدفعنا الى الاهتمام بكل وسائل صناعة الوعي، وتوجيه العقول، وتنشيط التفكير كسِمة ملازمة لوجود الانسان الحرّ.
أن المحزن المبكي الذي يدمي القلوب والافئدة، ليس ذلك الحشد من بضع مئات من الناس، في موقف غير مجد وغير نافع؛ ولكنه ذلك الواقع الموضوعي البالغ السوء الذي يعيشه شبابنا، حيث لا تربية ولا تأهيل اجتماعي ولا تأصيل اخلاقي، وحيث كل الرموز المحيطة المباشرة فاسدة ومصطنعة، وفي الوقت الذي تندفع جهود جبارة لإبعاد أولئك الشباب عن الرموز الحقيقية الشريفة، وعن المثل العليا، وعن الاحتكاك الحرّ بالهموم العامة.
إن تسخيف العقول ومصادرة التفكير، إنما هي وظيفة من وظائف سلاطين المال والاعمال والسياسة والاعلام.
ولربما، كان أولئك المحتشدون في استقبال ممثل شاب، أكثر الناس انسجاما مع ذواتهم واكثرهم قدرة على التعبير عنها بحرية، وهم على أيّ حال، لا يؤذون احداً بما فعلوا، خلاف حشود اخرى تؤذي الآخرين، ووطنها ومجتمعها، بكل ما هو مسيء ونافر وعنصري.. الله غالب.



