مقالات

“ربيع لبنان” في عنق الزجاجة..

د. حسام محيي الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”..
وإن أتى متأخراً، أتى “ربيع” لبنان حاملاً معه هتافات “الشعب يريد إسقاط النظام”؛ ويحمل معه وجع الناس، ونفاد صبرهم، وتعبهم من الاستهتار المستشري في إدارة شؤون الدولة.

فمنذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990، ودخول مفاعيل اتفاق الطائف حيّز التنفيذ باستنسابية، سارت عجلة الاعمار بالتوازي مع عجلة الفساد، ونمو طبقة سياسية جديدة، استفادت من غياب المحاسبة، ومن تأثير التوازنات الدقيقة على منع المساس بالحصص المتفق عليها في استنزاف الاقتصاد. وبدل الدولة الحديثة التي وُعد اللبنانيون بها، نمت وتشعبت “جمهوريات موز” على حساب بناء الدولة، دولة الرعاية الاجتماعية، دولة التوازن والاتزان الاقتصادي، دولة العدالة الاجتماعية والفرص المتكافئة، دولة “الدولة”.

وكأن اللبنانيون لم يكفهم ما عانوه من ويلات الحرب، ثم من حرب الاغتيالات منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005، وصولاً الى العدوان الاسرائيلي عام 2006 ودمويته المفرطة، مروراً بالأزمات السياسية ونكايات التعطيل على حساب قيام البلد من كبوته. لقد تراكمت المطالب الحياتية العامة والدقيقة، وتنامت دعوات إصلاح البنى التحتية ومن ضمنها الكهرباء وتمنيات المواطنين بعدم التعاطي معها بخفة، أو استثمار وضعها المتردي على قاعدة “الدجاجة التي تبيض ذهب”، وتضاعفت النقمة من الكارتل السياسي المسيطر بدكتاتورية مقنعة على الجمهورية اللبنانية التي خسرت جمهورها الحر وصاحب القرار الواعي والكريم.

صرخ اللبنانيون، بكل طوائفهم: لبنان كما نحلم هو الصورة التي نبحث عنها والتي نعمل لأجلها.. ليس من أجلنا فقط ولكن من أجل الأجيال القادمة؛ نريده وطنا لجميع اللبنانيين بكل قدراتهم وامكانياتهم؛ نريده وطنا للرعاية الاجتماعية وللحقوق المدنية ولصوت المواطن الشريف؛ نريده وطنا نختار فيه الحاكم ليسهم في تقدم البلد وتطويره لا في نهبه وتعتيره؛ نريده وطنا للعمل لا للبطالة؛ وطنا للصدق والشفافية وللفرص المتكافئة لجميع المواطنين،لا مرتعًا للنفاق وللزبائنية وللواسطة من خلال الزعيم الازلي؛ نريده وطنا للديمقراطية الحقة، وللتداول من خلال دينامية الحكم، لا امبراطورية توريث ولا ديكتاتورية مقنعة؛ نريده وطنا ينال كل مواطن بدل تعبه، ويدفع ضريبة منطقية ومشروعة لبناء الدولة، لا مزرعة الهدر والفساد واختلاس اموال الدولة وافقارها.

هذه الصرخة العفوية من قبل اللبنانيين، إن لم يكن لها سقف سياسي، وتجوهر منسق حول مطالب محددة، تبقى أسيرة الشارع، لا تستطيع الخروج منه، ولا تتمكن من التنازل عن الحراك السلمي الذي اثارته: وكأن “الربيع” أتى في غير موعده. وبالمقابل، لن تتمكن الطبقة السياسية، وإن أدارت الأذن الصماء للحراك الشعبي، من تجاوز الأخطاء التي ارتكبتها في سياسة المساومة التي اعتمدتها فيما بينها على حساب بناء “الدولة”. وتتجلد هذه الطبقة برؤوسها الثلاث، أمام المطالب العالية السقف بإسقاط النظام، وترفض مبدأ الاستقالة بأي شكل، وتحاول امتطاء موجة النقمة، لتنفض عن نفسها تهمة الانغماس في الفساد، كما تحاول التقليل من أهمية الحراك، أو إلصاق تهمة الخيانة العظمى به، وشبهات التعامل مع السفارات، فيما تغرق هذه الطبقة نفسها في علاقات خارجية مشبوهة أتت أحياناً على حساب الوطن.

من هنا، تبدو السيناريوهات المستشرفة لحل الأزمة، وإطفاء غليان الشعب اللبناني، وغضبه المبرر ضد غياب نزاهة المسؤولين، وضد استشراء الفساد والمحسوبية والتحشيد الطائفي، وبقاء الزعامات التقليدية على حساب دينامية الحكم وآليات الديموقراطية الحقة كالتالي:

أولاً: استقالة الحكومة اللبنانية بما تعنيه من استفراد رئاسة الحكومة في مواجهة الأزمة، وطرح إعادة تشكيل حكومة اختصاصيين مصغرة، ومهيئة للمبادرة بحلول ناجعة للازمة الاقتصادية، من خلال اختيار موضوعي للوزراء على قاعدة نظافة الكف، والمهنية العالية في إدارة شؤون وزارته. وربما يسهم هذا الحال بتبديد الاحتقان الشعبي جزئياً، ولكنه قد لا يلغيه في ظل السقف المفتوح والمرفوع من قبل الحراك الشعبي، والمطالب بقلب النظام وإسقاط رموزه.

ثانياً: استقالة النظام السياسي عبر رموزه، عبر استقالة رئيس الجمهورية وتسليم زمام الامور لقائد الجيش لانشاء حكومة انتقالية، ويترافق ذلك مع حل مجلس النواب. وتتولى الحكومة الانتقالية قمع الهدر والفساد، والتمهيد لإعادة تنظيم النظام الانتخابي ومهما كانت صورته، على قاعدة الزامية التداول على المقعد النيابي، ومنع اعادة الانتخاب للنائب نفسه او الاصول او الفروع لدورة واحدة على الاقل. ويسبق الانتخابات المبكرة المقترحة، حلّ الاحزاب السياسية ووضع قانون جديد للأحزاب يلغي الصبغة الطائفية عنها ويلزمها بالطابع المدني التعددي، وذلك تمهيداً أيضاً لتطبيق الغاء الطائفية السياسية حسب اتفاق الطائف دون تأخير.

ثالثاً: قبول الحراك الشعبي بالورقة الاصلاحية، والتي تحمل مطالب شعبية قديمة جديدة تفاداها بعض رجال السلطة خوفاً على مكتسباتهم ومحسوبياتهم، وإعادة بناء ثقة مشروطة مع أهل الحكم، على قاعدة أن سقوط النظام الطائفي بزعاماته المقدسة، يكاد يكون مستحيلاً في الوقت الراهن؛ وبذلك يخسر الحراك فرصته بتغيير النظام ككل. وينبغي أن تكون الورقة الاصلاحية مقنعة في مراسيمها التطبيقية غير المسوّفة، وغير المؤجلة، وإطلاق بنودها الى حيز التنفيذ دون تأخير، لإضفاء طابع الصدقية. والورقة الاصلاحية تكون قد أصابت الهدف إذا احتوت على بنود تعزز الرعاية الاجتماعية وضمان الشيخوخة، وبنود توقف الهدر المنظور شعبياً وغير المنظور، وحماية الاقتصاد الوطني، وحل مشكلات البنى التحتية ومن ضمنها الكهرباء والتلوث البيئي الطاغي في أنحاء الوطن.

هذه السيناريوهات في حال لم يتم إحداها، لا يقابلها إلا الفوضى التي لا يمكن أن تنتج الا الفوضى؛ وربما انحرفت الى تمزيق الشارع وصدامات بين مكوناته، لاسيما بين أزلام السلطة والحراك الشعبي، مما يؤدي الى نتائج غير محمودة، قد يكون أشدها دخول لبنان تحت البند السابع ودخول القوات الدولية لضبط الفوضى فيه من شماله الى جنوبه.

صحيح أن الحلم اللبناني بربيع حديث وغير طائفي، وبعيد عن الاستزلام والمحسوبية، وخالٍ من الفساد، ومطالب باستعادة “الأموال المنهوبة”، وجد صداه في هتافات الشعب في تشرين 2019، غير أنه ربما يبقى هذا الربيع في عنق الزجاجة، في غياب القبول بالممكن، وأمام الأصرار على طرح بنود التغيير على المدى الطويل، وفي ظل التعنت السياسي للحكم، وفي أجواء غياب الثقة بين طرفي الحكم، وفي ظل كفر الشعب بإصلاحات لا تلبث أن تظهر مكررة منذ زمن دون نوايا صادقة في تنفيذها. وها هو الشعب اللبناني صرخ بإرادته للحياة، فهل يستجيب القدر؟!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى