روسيا/ أوكرانيا.. فرصة أميركية لرسم خرائط جديدة

خاص “المدارنت”..
يدرك الاميركان أنّهم في تحد مفصلي على صعيد بقائهم في موقع التسيّد على العالم، وضبط إيقاع عناصر القوة فيه فإما أن يستمر هذا الوضع أو أن تتدحرج الهيمنة الأمريكية على سلم العجز بوتيرة أسرع.. ويدرك الروس أن هناك محاولات مستمرة لإفقادهم الهيمنة على سوق الغاز عالميا الأمر الذي سيفقدهم فرصتهم في العودة من جديد الى توزع التشكل القطبي في العالم.. وعلى أرضية هذا التصادم الاستراتيجي تتفجر المعارك في كثير من المواقع مزودة بدوافع استراتيجية أخرى وبملفات من أنواع أخرى، الأمر الذي يعني بوضوح أننا إزاء مرحلة جديدة من رسم الخرائط على مستوى توزع القوة في العالم.. فيما يتم ترتيب صياغات أخرى لوقائع الأمس وخرائطه.. وستكون أوربا والبلاد العربية مسرح عمليات التصارع الروسي الأمريكي حول الطاقة.. فما هو نصيب بلادنا من هذا التطاحن في المشرق العربي والمغرب العربي سواء تلك التي تملك الطاقة «الغاز والبترول” أو التي ستكون ممرا لها؟
الأزمة الأوكرانية/ الروسية
من العبث محاولة قراءة الازمة الأوكرانية/ الروسية، بمعزل عن سياق تحليلي يأخذ في الاعتبار الجذور المختلفة لهذه الأزمة، وأبعادها الجيوسياسية، وآثارها المحتملة في النطاق الإقليمي الجديد لأوروبا الشرقية في حقبة ما بعد الإتحاد السوفياتي أو بمعزل عن ادراك التطورات في الإقليم و العالم، وهكذا تبدو انها الازمة الأخطر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وهي تسير الى محاولة صياغة خرائط سياسية ومناطق نفوذ وفق معاملات القوة الجديدة.. مرحلة انتقال تاريخي بين حقبتين تحتاج لصدام عنيف قبل ان تترسم الخرائط كما حصل في تجارب كثيرة وصلت الى حدود مدمرة أحيانا، وما يجري حول عنوان أوكرانيا اليوم هو واحد من تلك التحولات والانتقال التاريخي.
لقد اندلعت الازمة الأوكرانية في 2013، عندما رفض الرئيس الأوكراني توقيع اتفاقية تجارة وشراكة مع الاتحاد الأوربي ووجد فيها الحاقا مهينا لبلاده وتوجه بدلا عن ذلك الى توقيع اتفاقيات تجارية استراتيجية مع روسيا فتحركت القوى السياسية الموالية للخيار الاوربي في سلسلة مظاهرات وحراك بشعارات تؤكد على الرغبة في الحياة أوربيا وفي اطار أوربا..
لم تكن المواجهات فقط بين الرئيس الاوكراني وخياره من جهة والمعارضة المتغربة من جهة أخرى بل دخل الاتحاد الأوربي وأمريكا على الخط وتوالت المواقف الامر الذي يعني بوضوح ان الأزمة وان بدت اختلاف خيارات اقتصادية الا انها ازمة عميقة في المجتمع الأوكراني وخياراته الثقافية والاجتماعية والسياسية حول تحديد موقعه الجيوسياسي ووجهته..
وتعد الازمة الأوكرانية الحالية اهم تجليات المواجهة بين روسيا من جهة وامريكا والاتحاد الأوربي من جهة أخرى بل ولعلها تكون بداية ترتيبات كونية في العلاقات السياسية على مستوى العالم، وتأتي الموجة الجديدة من الأزمة بعد ان حاولت الولايات المتحدة التعافي من المشكلات المتتالية في العقدين الأخيرين جراء حربيها الخاسرتين في العراق وافغانستان.. وبعد ان فرضت روسيا وقائع مهمة منذ اندلاع الازمة في 2014.. فيما يعاني الاتحاد الأوربي أزمات اقتصادية متراكمة نتيجة العجز الذي عصف باقتصادات أروبا بعد 2010 وما نتج عنها من خروج بريطانيا وتذمر اسبانيا وإيطاليا واليونان الأمر الذي هدد بفرط عقد الاتحاد وتصدعه و هو لازال يعاني لاسيما بعد أن جاءت جائحة كورونا لتلقي بثقلها على الخزينة المالية في الاتحاد الأوربي وعلى تماسكه.. رغم ما تم من ضخ كتلة مالية ضخمة فيها.
الأزمة الأوكرانية والاتحاد الأوربي
تعيش القارة الأوروبية حالة من القلق جراء أزمة الطاقة المستمرة بسبب تصاعد التوتر بين روسيا وأوكرانيا، الذي ينذر بتعمق أزمة الطاقة في القارة التي تتعمق بالإنذارات الحقيقية حيث تستورد أوروبا من روسيا نحو 40 بالمائة من الغاز الطبيعي الذي تحتاجه أي ما يعادل180 مليار متر مكعب.
وتتصاعد التوترات في منطقة شمالي البحر الأسود مع زيادة روسيا لأنشطتها العسكرية على الحدود الأوكرانية والدول الغربية، فلقد حشدت روسيا أكثر من 100 ألف عسكري بكامل معداتهم الهجومية على الحدود الأوكرانية لإرغام أوكرانيا على إعادة النظر في وجهتها الاستراتيجية وابعادها عن الناتو وتوفير الشروط الأمنية الاستراتيجية لروسيا.. فيما اندفعت الولايات المتحدة، الى زيادة شحنات الأسلحة المرسلة لدعم أوكرانيا.. بل واعلانها نيتها في نشر قواتها في دول أوربا الشرقية لمحاصرة روسيا..
وهنا يطل الغاز برأسه كورقة حساسة في الصراع تحاول روسيا ان تستفيد منها الى اقصى حد.. حيث تصدّر روسيا غازها إلى القارة بشكل رئيس عبر خط أنابيب يامال – أوروبا، الذي يمر عبر بيلاروسيا وبولندا، وخطوط أنابيب نورد ستريم (تيار الشمال) الذي يوصل الغاز الروسي إلى منطقة بحر البلطيق عبر أوكرانيا.
ووفقًا لبيانات الشركة الروسية لاستخراج الغاز الطبيعي “غازبروم”، فإن الكمية التقريبية للغاز الطبيعي التي أرسلتها الشركة إلى أوروبا عبر أوكرانيا العام الماضي كانت حوالي 42 مليار متر مكعب..
صحيح أن خزانات الغاز في أوربا ممتلئة حاليا بنسبة 40 بالمائة ولكنها ستفرغ في وقت قصير في حال قطعت روسيا امدادات الغاز الى أوربا.. ومن هنا يتم التعامل مع موضوعة سلامة الغاز وتدفقه الى أوربا كمسألة حيوية وأساسية يجب عدم التلاعب بها، ولذا يثير احتمال الغزو الروسي لأوكرانيا، وما يستتبعه من العقوبات الأوروبية ضد الغاز الروسي، واحتمال إيقاف روسيا تدفق الغاز إلى أوروبا، مخاوف جدية حول أمن الطاقة في أوربا في وقت تشهد فيه المنطقة أزمة حادة في مجال الطاقة.
ووفقا لبيانات صادرة عن مركز الأبحاث “بروكل” (Bruegel) ومقره العاصمة البلجيكية بروكسل، فإن” 38.2 بالمئة من احتياجات الاتحاد الأوروبي من الغاز في عام 2021 ستأتي من روسيا.. بينما 21.9 بالمئة من النرويج، و 18.4 بالمئة من الغاز الطبيعي المسال محليا، و9 بالمئة من الجزائر، و2.2 بالمئة من أذربيجان، و0.8 بالمئة من ليبيا.
وفي إشارة إلى أن الغاز الطبيعي المسال (المحلي) يمثل 20 بالمئة من الاحتياجات الأوروبية من الغاز، أوضح المسؤولون الأوروبيون إنه في إجمالي المعروض البالغ 80 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال في 2021، تم توفير ما نسبته 20 بالمئة من الولايات المتحدة، و 20 بالمئة من قطر، و18 بالمئة من روسيا، و17 بالمئة من نيجيريا، و14 بالمئة من الجزائر، و2 بالمئة من النرويج، في حين تم تعويض ما نسبته 9 بالمئة من قبل موردين آخرين.”
لذا ترى روسيا ان لا أحد يستطيع توفير الكمية التي تضخها الى اوربا ولقد سبق للنرويج التي تضخ كمية كبيرة لأروبا ان أعلنت انها تشتغل بالحد الأقصى على صعيد قدرتها الإنتاجية ولهذا تكون زيادة الوارد من الغاز لأروبا بدون روسيا عملية معقدة وغير ممكنة.
ومن ناحية أخرى، فإن أسواق الغاز الطبيعي المسال العالمية في وضع حرج بالفعل بسبب زيادة الطلب نتيجة حالة الانتعاش الاقتصادي التي تشهدها الأسواق العالمية.
وتبلغ قدرة استيراد الغاز الطبيعي المسال السنوية للاتحاد الأوروبي 157 مليار متر مكعب. حتى مع استمرار التدفق من روسيا، يستخدم الاتحاد الأوروبي 66 بالمئة من إجمالي قدرته من الغاز الطبيعي المسال.
روسيا بين خيارات صعبة
تلوح في أفق الخيارات دروب كل منها له تحدياته الكبيرة فموضوع الغاز يتم عنونته في قائمة أدوات القوة الاستراتيجية التي تخدم رؤية سياسية وامنية ترى في حضور الناتو في جوار روسيا تهديدا للامن القومي الروسي لاسيما وموضوع القرم والحالات الانفصالية في أوكرانيا تلاقي رفضا اوربيا وامريكيا ويرى الروس في إصرار حكام أوكرانيا على جلب سلاح الناتو وقوته خطوة خطيرة لابد من التصدي لها ولم تبادر الدول الغربية وعلى راسها أمريكا بالرد على الشروط والاسئلة الأمنية الاستراتيجية الروسية.. وهنا تجد روسيا ان خطوة الحكومة الأوكرانية عدائية مقصودة وان الغرب وجد فيها فرصة لمحاصرة روسية وتجريدها من عناصر القوة وإعادة وضعها في حجم لا يسمح لها بالتموضع القطبي في العالم.. فماذا على روسيا فعله؟ هل يكون العزو سبيلا مناسبا؟ سيكون الغزو اذا اضطرت له روسيا خيارا صعبا لأنه يعني استنزافا كبيرا للاقتصاد الروسي وللأمن الروسي مما يعني ان جولة جديدة ستفرض عليها التقوقع في ظل حصار غربي وعقوبات عالمية قد تطال مجالات عديدة وتقاد فيها دول العالم ضد روسيا.. وهنا يطرح الخيار الاخر هل تلجأ روسيا بوقف الامدادات من الغاز لأروبا التي هي في أمسّ الحاجة اليه؟ وهذا الخيار ليس سهلا لأنه يعني حصار ذاتي وعقوبة ذاتية لن تتحملها موسكو..
صحيح ان الاتحاد السوفيتي في أجواء الحرب الباردة لم يقدم على قطع امدادات الغاز عن أوربا لكن ما نمر فيه الان هو مرحلة أخرى تماما حيث تشير القراءات والمتابعات إلى تصاعد إمكانية حدوث صراع ساخن محتمل تستخدم فيها كل الوسائل لاسيما ما قبل العسكرية مما سيؤثر على استقرار إمدادات الطاقة.. ومن الواضح ان وقف الامدادات ولو جزئيا عن اوربا سينتج عنه أزمات حقيقية في موسكو حيث ان تجد بديلا كاملا عن السوق الاوربية فلقد قامت البنية التحتية الروسية في الغاز على أساس انه يتدفق نحو اوربا منذ الاتحاد السوفيتي ولهذا فان الانقطاع او التخفيض سينعكس بمردود سيء على الاقتصاد الروسي..
فلقد سعت روسيا، بعد ان تلقت عقوبات اقتصادية قاسية من الغرب بعد ضمها لشبه جزيرة القرم في عام 2014، إلى إيجاد أسواق بديلة، فكانت الصين، الجار الشرقي لروسيا وإحدى أكبر الاقتصادات في العالم، والصديق التقليدي والتاريخي في مواجهة الغرب فكانت الصين حاضرة وبقوة كبديل للسوق الأوروبية، ووقع البلدان عام 2014 اتفاقية لتوريد الغاز الطبيعي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار.. وتعتبر هذه الاتفاقية ذات أهمية كبيرة بالنسبة لروسيا، التي تتبع استراتيجية تهدف إلى توسيع أسواقها في آسيا للتخلص من العقوبات الغربية.. الا ان الصين لن تستطيع ان تحل محل السوق الاوربية فهي قد تستقبل 38 مليار متر مكعب من الغاز في حين تستهلك السوق الاوربية 180 مليار متر مكعب سنويا.. وهذا ما يدفع روسيا الى استحداث خط انابيب اخر تعتزم بناءه لتستطيع تصدير ما يبلغ 50 مليار متر مكعب للصين.. وهذا يكشف انه في حال خسارة السوق الأوروبي، فإن روسيا ستتكبد خسائر فادحة، وسيكون من الصعب على روسيا توفير أسواق بديلة تستوعب الإنتاج الروسي من الغاز الذي يعتبر اكبر انتاج غاز طبيعي في العالم و لهذا ستلجأ روسيا الى زيادة انتاجها للغاز المسال لترتفع حصتها في الإنتاج العالمي منه من 4 بالمائة الى 15 بالمائة بعد 15 سنة.. الا ان هذه الحلول لن تكون فورية مما يعني حدوث ازمة حقيقية للاقتصاد الروسي.
ان أمريكا ومعها اوربا تكون قد اتخذت قرار التحجيم للدور الروسي على الأقل هذا ان لم يكن في جعبة المشروع الأمريكي محاولات تفكيك الاتحاد الروسي الى إثنياته.. ومعاقبة روسيا اقتصاديا للضغط عليها داخليا وتفسيخها.
وتحاول أمريكا في هذه الآونة فرض وقائع بنشر قواتها في اوربا الشرقية التي كانت قبل عقود جزء من الاتحاد السوفيتي او جزء من الكتلة الاشتراكية.
آثار المواجهة الاميركية/ الروسية
ستنعكس المواجهة الحالية المحتدمة بآثارها في كل الأقاليم لاسيما في المشرق العربي والمغرب العربي.. فلقد سبق وان حققت روسيا مكاسب استراتيجية في سورية وليبيا وبعض الدول الافريقية.. وقد ترك لها المجال للتحرك في اخطر منطقة امنية “الشرق الأوسط” ليس فقط لأنها أعطت ضمانات بان لا يمس امن الكيان الصهيوني بضرر، ولكن لأنه أريد لها ان تقوم بمهمة كان على الولايات المتحدة القيام بها في المساهمة في تدمير المجتمع السوري والتمكين للكيان الصهيوني بعد أن تم تدمير المجتمع والدولة في العراق، فكما قامت أمريكا بتكوين داعش لمهمات معينة مرئية وغير مرئية قامت نفسها بالتحالف مع الحشد الشعبي في العراق لتدمير داعش في الموصل والعراق جملة مما انتج ارتجاجا مزلزلا في جسم العراق وجراحا لا يمكن لأمها بسهولة أو قريبا.. روسيا قامت بمهمة التصدي للإرهابيين والمجموعات المسلحة، ولكنها لم تسهم قيد أنملة في حماية سورية من الانهيار ولم تضع يدها على حل الازمة بل عفنتها بترحيل 7 مليون سوري وتدمير مدن وقرى ومزارع ومصانع أي بتدمير المجتمع السوري وارهاقه في ظل حماية عملية للحدود مع الكيان الصهيوني والسماح للطيران العسكري الصهيوني بقصف كل ما يريد قصفه في سورية.
سيكون الوجود الروسي في سورية وفي ليبيا وافريقيا مضمنا في خطة تلي مباشرة فرض وقائع جديدة في الملف الاوكراني.. ولن تقبل أمريكا وحلفاؤها أي حضور لروسيا في مناطق النفوذ والمصالح الاستراتيجية في العالم.. وها هي أمريكا تعيد ترتيب أولوياتها وحلفائها استعدادا لمرحلة قادمة.
وستستمر أمريكا في محاولة احتواء ايران وصرفها نحو قضايا استنزاف من خلال عقوبات او اشتراطات او جرها الى معارك ثانوية او تفاهمات تحجم فيها دور ايران الإقليمي.. فيما تراقب تركيا بقلق تطورات الأوضاع فهي تتمنى ضعف الروس او تحجيم قوتهم ولكنها تخشى من انحسار دورها الإقليمي بقوة دول الناتو الأخرى قريبا منها.
بجملة ستكون نتائج احتدام المواجهة بين روسيا والغرب حاسمة في كثير من الملفات الكبيرة.. اما روسيا فتقف على مفترق طرق كل منها يحتوي على كمائن وحفر خطيرة.. أما الدول العربية فهي في غيبوبة عما يجري.


