مقالات

زعامة الحريري.. ولاهثون خلف الرئاسة

الزميل خالد صالح*

//خاص المدارنت//… أيّ متابعٍ بدقة للتجاذبات السياسية التي تمرّ بها البلاد، ولا فرق من تشغيل استشعاراته، عن بعد أو عن قرب، يكتشف أن بعض الأسماء في الوسط “السنّي”، أعياها صبر الرئيس سعد الحريري، بل وأعجزها، فأطلقت تجاهه بعضًا من الأقلام الصفراء المأجورة، تارةً عبر تسويق تفريطه بصلاحيات رئاسة الحكومة، وتارة أخرى عبر انبطاحه أمام هجمة (الوزير) جبران باسيل، واليوم تسويق فكرة اقترابه من الإستقالة.

ولعلّ حركة النائب نهاد المشنوق مؤشر لهذا الأمر، فهو، وعلى الرغم من تصنّعه البرودة السياسية واتّساع صدره، مع أنه شخصية إنفعالية، أصبح غير قادر على ضبط تعبيراته، التي تفلت منه على وجهه ولغته وحركاته وإيحاءاته، وبدا واضحًا شعوره بالإنزواء والأفول والتقوقع، داخل أروقة “معادية” للرئيس الحريري في الشارع السنّي، على محدوديتها، منذ عرف باحتراق ورقته عند الحريري، بأنه لن يسكت على طرحه جانباً، هذا التلميح كان مناورة أو إثارة غبار للتعمية على سقوط من تحت القمّة بخطوات قليلة، ليس سهلاً عليه سحب اللقمة بعد أن كادت تقع في فمه، وهو ليس لديه نفس “سيزيف” الإغريقي، فلن تكون هناك أمامه فرصة ثانية ليحمل “صخرة” طموحه ثم تتدحرج، لأنه لن يكون مرة أخرى.

بالمباشر، وفي أكثر من تصريح معلن، كان يؤكد التزامه بالخروج الهادىء والعاقل من جنّة الحكم، لم يكن ذلك تعففًا أو زهدًا، أو حرصًا على وحدة المستقبليين، أو إعطاء الفرصة لزعيمهم لينطلق بحكومته الجديدة، فشراهة طموحاته تخرج عن الحسابات الموضوعية، تبدأ مع تسليط السهام على الحريري، وتنتهي مع إظهاره بصورة “الحريص” على موقع رئاسة الحكومة وصلاحياتها.

ماذا يفعل المشنوق الآن؟ قبل أن نأخذ أسراره من كتّابه على مواقع التواصل، وعبر بعض المواقع الإلكترونية، غاب المشنوق عن ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد وعن جلسات مناقشة البيان الوزاري، والحضور الباهت جدًا حدّ الدهشة لجلسات مناقشة مشروع الموازنة، ليقول أنا هنا، هي لحظة خالف تُعرف، التغيّب، يعيده للأضواء، تعويض تدريجي عن صدمة سقوط أحلامه بلقب “دولة الرئيس” نهائياً، ومرارتها أشدّ وقعًا من مرارة الخروج من “الداخلية”، إذ يصعب على مَن مثّله أن يسير مع الزمن الذي تلا إعلان تشكيل الحكومة، ويريد إيقاف دوران الأيام عند تلك اللحظة ليظلّ في مكانه، يخشى أن يكون ذلك الذي كتب عنه غابرييل غارسيا ماركيز “لا أحد يكاتب الكولونيل” أو ذاك الضابط في فيلم “زوجة رجل مهم”.

على مواقع التواصل، كتّاب المشنوق ومحبّوه، بانقلابهم بين ليلة وضحاها، وتحوّلهم الفجائي من تسوَوِيين وبراغماتيين يبيحون الانفتاح على وفيق صفا ووئام وهّاب، إلى راديكاليين متشدّدين لا حلول وسط مع الطرف الآخر، أو كل شيء أو لا شيء، أزاحو الستارة عن المشنوق، فكل ما يُكتب هو بطلب منه، يريد اصطناع خط يشطر “التاريخ السنّي” في لبنان إلى قسمين، الأول المشنوق في وزارة الداخلية، والآخر ما بعد خروجه منها، هذا ليس مبالغة على شخص لا ينقصه “ليسُوق السنّة” بعصاً واحدة سوى خمسة ملايين دولار.

الآن استفاقوا على “البديل” المحتمل للحريري في رئاسة الحكومة، لا سيما بعد زيارة الرؤساء الثلاثة إلى الرياض مؤخرًا، وطالما أن ورقة المشنوق طوتها ردود فعله، سياسيًا وحضورًا في الوسط السياسي، وباءت بالفشل محاولاته بتشكيل “جبهة سنّية”، تضمّ في رحابها “الخارجون” من أفق الحريري والمستقبل، بدءًا منه، وإنتهاءً ببعض الأقلام التي لا شغل لها سوى محاولة النيل من رئيس الحكومة، بحجة “التفريط في الصلاحيات”، وهذا عنوان فاقع جدًا ومبتذل، لأن القصة “ليست رمّانة بل قلوب مليانة”.

الآن استفاقوا على (النائب) نجيب ميقاتي وتمّام سلام (رئيسان سابقان للحكومة) ومحمد الصفدي (نائب سابق)، كمشاريع بديلة، لأن الإشعار القادم من المشنوق، أنا أصبحتُ خارج السباق بصفتي “الحصان الأعرج”، فليكن إذن التصويب على تمّام سلام، في محاولة مكشوفة النوايا، والهدف واحد، النيل من سعد الحريري بأي شكل، وبأي صورة وبأي لغة، حتى فؤاد السنيورة تمّ استبعاده من المعادلة، لأن هذا الأخير مهما تقلّبت الأحوال، فإنه لن يقف في وجه سعد الحريري.

هناك الكثير من “الغسيل الوسخ”، ولا داع لنشره كله على حبال الإعلام، فتنظيفه داخل الدار هو الأصح والاسلم، وهذا ما يفعله الحريري، لأنه يرى في ذلك، عين مصلحة لبنان و”السنّة”، فالمطلوب ضبط الانفعال وليس اصطناع البرودة، والانتقام من خلف الستائر، لأن الحريري “زعيم”، والبقية لاهثون خلف الرئاسة.

*الآراء الواردة في النصّ تعبّر عن رأي كاتبها

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى