مقالات

سنة لبنان ليسوا قطيعا.. ولا سقط متاع يتم توارثهم

خالد بريش/ باريس

خاص “المدارنت”..

منذ اغتيال المغفور له دولة الرئيس رشيد كرامي، ومن بعده دولة الرئيس الشيخ رفيق الحريري، وتغييب الموت لمجموعة من الزعماء، ورجال السياسة السنة في لبنان، والمكون السني يعاني من  فراغ سياسي كبير. مما ولد لدى شريحة كبيرة من أبناء الطائفة، مشاعر يُتْم وحسرة، في بلد الطوائف، والمذاهب، والقبلية بأبشع صورها… وهذا الفراغ سمح لبعض زعامات الطوائف الأخرى، بأن يمارسوا بحق أبناء هذه الطائفة، كثيرا من الاستهتار والابتزاز، ويمعنون في حرمان أبنائها ومناطقهم، من خيرات الوطن ومشاريعه، التي أصبحت حكرا على كل المنضوين تحت راية من يتحكم في مفاصل الدولة، عبر سلاح غير شرعي…!

إن مشاعر اليُتْم هذه، التي يُطلق عليها البعض « إحْباط »، لا يمكن لأحد أن يُنْكرها، ولها أسبابها ومسبباتها الكثيرة، التي في مقدمتها، تلزيم لبنان يوما من قبل الأشقاء، والدول الكبرى، إلى الجارة الشقيقة، ولعب بعض الأنظمة الخاطئ على التناقضات، وتصور آخرين بأنهم أولياء أمر السنة، مما يذكرنا بتصرفات المستعمر البشعة يوما تجاه الأقليات في المنطقة، أيام الدولة العثمانية…

مع العلم أن حالة الإحباط هذه ليست خاصة بسنة لبنان فقط، بل إن معظم الشرفاء في الوطن العربي اليوم، يعانون من الإحباط، وذلك منذ « الربيع العربي »، عندما بذلت الأنظمة العربية كل ما بوسعها، بالتحالف مع الدول الغربية التي تدعي الديمقراطية، لإفشاله… وأيضا بسبب حالة التشرذم التي تعاني منها هذه الأمة، وعدم وجود أي أفق واضح، أو مشروع سياسي مستقبلي في المنطقة، وانفتاح أنظمتها على العدو الصهيوني ضد إرادة ورغبات شعوبها… وبسبب الصراعات المشتعلة فيما بينها سرا وعلانية، واتفاقها في نفس الوقت على حكم شعوبها بالحذاء، وعدم السماح بأي إصلاح ديمقراطي في كل المنطقة، وما يحدث في سوريا وتونس وليبيا والسودان، خير مثال على ما نقول…

وبالعودة إلى الشأن اللبناني، فإن هذا الشعور بالإحباط ليس بالأمر الجديد، فهو ظهر في السابق كثيرا، وعند منعطفات مصيرية. وباستقراء التاريخ نجد أن أول مرة شعر فيها المسلمون بالإحباط، كانت في عام 1932، يوم ترشح المغفور له دولة الرئيس محمد يمن الجسر، إلى انتخابات رئاسة الجمهورية، بعد إحصاء ظهر فيه تفوق المسلمين عددا واقتصادا ورأس مال. وكان يحظى حينها، بتأييد النواب المسلمين، والروم الأرثوذكس، وغالبية النواب الموارنة، من أمثال آميل إدِّه، وحَبِيب السَّعْد ويُوسُف الخَازِن وغيرهم… وعارضة حينها قلة على رأسهم غبطة البَطْرِيَرْك أنطون بطرس عَرِيضَة، الذي ضغط على المندوب السامي الفرنسي هنْرِي بُونْسُو Henri Ponsot، فقام الأخير بتعليق العمل بالدُّسْتُور، وألغى الانتخابات، وحَلَّ المجلس النيابي، وعين شارل دَبَّاس، رئيسا مُفَوَّضًا، لأجل غير مُسَمَّى… مرسلا برسالة إلى الخارجية الفرنسية كشفت عن الوجه الحقيقي للمستعمر العلماني، منها: « إن نجاح الشيخ الجسر سيضع فرنسا في واجِهَة سياسة صعبة جدا لأنَّ نُفُوذنا في المَشْرق يرتكز أساسا على المَسيحِيِّين اللبنانيين، أعواننا وأصدقائنا التقليديين »…

لقد قدمت الطائفة السنية منذ إنشاء هذا الوطن، نضالات وتضحيات لا تحصى، لم يتم الاعتراف بها، ولا حتى بدماء أبنائها الزكية من أجل الاستقلال…! بل نجد أنه عند الاحتفال بالاستقلال، لا يأتون على ذكر شهداء وجرحى الاستقلال من المسلمين، في طرابلس وصيدا وبيروت، ويتم الاقتصار فقط على ممثلي الإقطاع السياسي، الذين سجنهم المستعمر في قلعة راشيا…! وحتى مناطق الطائفة السنية، بقيت محرومة من خيرات الدولة ومشاريعها، وكذلك حرم غالبية أبناء الطائفة، من وظائف الدولة الكبيرة، التي كانت غالبيتها حكرا على طائفة بعينها، إلى أن دخل الرئيس فؤاد شهاب القصر الجمهوري، فأرسى كثيرا من قواعد التنظيم والعدالة، فتنفس الصعداء كثيرون من أبناء الطائفة، وأبناء الطوائف الأخرى، التي توصف ظلما بالأقليات…

وبعد هزيمة 1967، بدأ الآخر، الشريك في الوطن، ينظر إلى السنة وكأنهم هم المهزومون، بسبب حب غالبيتهم لعبد الناصر، وإيمانهم بمشروعه الوحدوي، وكأن العروبة والتشبث بأهدابها وبالعمق العروبي، الذي لا تنكره الجغرافيا ولا التاريخ، من المستكرهات بالنسبة لهم، مع أنهم لو فتشوا عن جذورهم، لوجدوا أن غالبيتهم من أصول عربية بحتة، ولكن العنصرية والحقد لا دواء لهما… إلا أن المسلمين استطاعوا حينها، إحداث بعض التوازن، من خلال برنامج الحركة الوطنية، الذي انضوى تحته كثير من غير المسلمين، وأيضا بالتحالف مع المقاومة الفلسطينية… إلى أن دخلت إسرائيل على الخط، وكان الانكسار الكبير…! ولكن وجود قيادة سنية حكيمة حينها، وقامات وطنية كبيرة من أمثال المغفور لهم دولة الرئيس رشيد كرامي وصائب سلام، وتقي الدين الصلح، وسليم الحص، وغيرهم من رجالات الصف الثاني، ساعد على استيعاب الكارثة، التي حلت بالوطن، وأحدثت شرخا عاموديا حادا…

وقامت كل من دار الفتوى حينها، بقيادة سماحة المغفور له الشهيد الشيخ حسن خالد، والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي كان على رأسه المغفور له سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بلعب دور بارز وكبير، بالإضافة إلى دور فعال لدولة الرئيس تقي الدين الصلح، وذلك من خلال إعلان ما أسموه « الثوابت الإسلامية »، لتأتي بعدها صلاة العيد الأضحى في الملعب البلدي، التي شارك فيها المسلمون بكل مذاهبهم، فأعادت بعضا من الروح إلى الطائفة، وتم استيعاب الكارثة… وللأسف الشديد فإن أولائك الرجال الكبار غير موجودين اليوم، ودار الفتوى غائبة كليا عن الساحة، وكأن ما يحدث في الوطن، وعلى صعيد الطائفة لا يعنيها…!

يمر الوطن اليوم بمرحلة مفصلية وحساسة، وعلى جميع الشركاء أن يدركوا، أن السنة في لبنان، وعلى مدى تاريخهم، لم يكونوا تابعين يوما لأنظمة ينفذون سياسيات حكامها… ولكنهم مؤمنون بالله ربا، عروبيون وحدويون على مستوى الأمة والوطن حتى النخاع، ولا يستطيع أحد أن يزايد عليهم في هذا الموضوع… ولم يكن لهم يوما أم حنونة، أو أب رؤوم مثلا… بل كان الوطن مظلتهم، وأمهم وأبوهم، وكانوا دائما أم الولد… وليت الذين يتهمونهم اليوم بأبشع التهم، يفتحون دفاتر الماضي وحتى الحاضر، ويعيدوا قراءتها جيدا، وينظروا إلى مواقعهم، ومواضع أقدامهم، وسوف يدركون كبد الحقيقة المرة والمشينة بالنسبة لبعضهم… وعليهم أن يدركوا كذلك أن السنة عندما رفعوا شعار « أوقفنا العد »، لم يكن ذلك عن ضعف، بل من أجل هذا الوطن ووحدته…

ولا بد من كلمة أخيرة في هذا الصدد أيضا، وهي أن السنة في لبنان جزء من جسم الأمة، من محيطها إلى خليجها، وهم ليسوا قُصَّرا يبحثون عن كفيل، ولا أيتاما ليتصدق عليهم القاصي والداني، بمشاعر مُعَلبة مُبَسْترة… وأنهم يعرفون ما يريدون في هذه المَعْمَعَة، وهذا الوطن… وليسوا نعاجا يقادون بِمِرْباع، ولا مرتهنين أو ملكا لأحد، لا في الداخل ولا في الخارج… وليسوا سقط متاع تتوارثهم العائلات، والزعامات السياسية وغلمانها وصبيانها… ولا معروضين للبيع المزاد العلني، وعلى عربات الخضار…

وأنه آن الأوان لكي يعي الهباشون الفاسدون أخلاقيا وماليا وإنسانيا، ساسة هذه الطائفة، المعروف تاريخهم الإنساني والسياسي جيدا، أن يتوقفوا عن المتاجرة باسم هذه الطائفة… وأنهم برعاعهم وأذنابهم يستطيعون أن يملؤا الإعلام ضجيجا وقرقعة، ولكن من دون طحين…! لأن الزعامة لا تقوم، ولا تبنى على الهتاف والصراخ، وامتطاء الظهور، وصفحات الفيس بوك… بل هي عمل دؤوب، ومشروع وطني وإنساني، قبل أي شيء آخر… الزعامة مواقف وطنية وإنسانية نبيلة في الأزمات والحوالك، وأن الشعب من يصنعها، وليست هي من يصنع الشعب…

والأمل كل الأمل أن تتوقف كل هذه الهرطقات والسخافات، ويفهم القاصي والداني، أننا في القرن الواحد والعشرين، وأن عهد المتصرفية، والسفارات وسلطتها قد ولى منذ زمن بعيد، وأنه لا يوجد بين طوائف هذا الوطن أقليات ليدعوا حمايتها… وأن السنة في لبنان ما كانوا يوما، ولن يكونوا أقلية لكي يحميهم، ويحمي مصالحهم الأشقاء، وأنهم مكون رئيسي فعال فكرا وإشعاعا ودورا، في جسم الأمة، وفي هذا الوطن… وآن للشعب اللبناني أن يدرك، أن مغامرات وانتماءات بعض ساسته، هي التي فككت نسيج الوطن وشعبه، وفرطت باستقلاله، وداست على كرامة أبنائه، وجعلت منه علبة بريد، وملعبا، وورقة بأيدي أعداء أوطاننا وأمتنا وعروبتنا…

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى