مقالات

سوريا ـ الأردن ـ لبنان.. مُقاربات مختلفة تجاه “إسرائيل”؟

“المدارنت”
أعلنت وكالة الأنباء السورية الثلاثاء الماضي خبر لقاء وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني بوفد إسرائيلي في العاصمة الفرنسية باريس، وحصل اللقاء، حسب وكالة «سانا»، بوساطة أمريكية في إطار جهود دبلوماسية «لتعزيز الأمن والاستقرار في سوريا والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها»، وتناولت النقاشات «خفض التصعيد وعدم التدخل بالشأن السوري الداخلي، والتوصل لتفاهمات تدعم الاستقرار في المنطقة، ومراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، وإعادة تفعيل اتفاق 1974».

يعتبر نشر الخبر الإعلان الأول الذي يتحدث صراحة عن لقاء بين وفد رسمي تابع للحكم الجديد في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وآخر إسرائيلي، وهو حدث يغيّر، بهذا الإعلان البسيط المفترض، ديناميّات السياسة بين سوريا وإسرائيل، وهو ما سينعكس، بالضرورة، على علاقات السياسة ضمن الإقليم، وخصوصا ضمن مثلث سوريا – الأردن – لبنان، الذي يقع كل واحد من أطرافه الثلاثة في دائرة الخطر الإسرائيلي.
رغم توضيحات «مصدر حكومي سوري» تبعت الخبر عن عدم الاتفاق مع وفد تل أبيب على «ممر إنساني» من إسرائيل إلى السويداء، ورغم إشارة الخبر قبله إلى «عدم التدخّل بالشأن السوري الداخلي»، فإن الواضح أن الإدارة السورية بإقرارها مبدأ الانخراط المباشر في المفاوضات مع إسرائيل، أقرّت عمليا بالمعادلة المختلة لعناصر القوة الفائضة لدى الدولة العبرية، والضعف الفائض لدى الحكم السوري، الذي عزّزته أخطاء سياسية داخلية، بدءا من القصور في إجراءات «العدالة الانتقالية»، وفي الترتيب المتواضع لعملية «الحوار الوطني»، وفي النقاط المثيرة للجدل في «الإعلان الدستوري»، وصولا إلى الانفلات الأمني الخطير في مناطق الساحل، والانجرار إلى ممارسات عنفية وانتهاكات جسيمة في محافظة السويداء، وهو ما ساهم في إعطاء إسرائيل تعزيزا لمبرراتها حول «حماية الأقليات»، كما ساهم في إعطاء دفعة قوية للفئات الدرزية السورية المنادية بالتحالف مع إسرائيل.
وهكذا، وفي الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل بغاراتها اليومية على سوريا وبالتدخل في شؤونها عبر إعلان «حماية الدروز» وتسليحهم ودعمهم (وهو ما يؤدي عمليا إلى تقويض سيادة الدولة السورية) فإن غاراتها على لبنان واحتلال تلال خمسة فيه تقوم على معادلة معاكسة تبرر التدخّلات العسكرية بمطالبة الدولة بالسيادة على كل أراضيها ونزع سلاح «حزب الله»!
لا يتعلّق نزع سلاح «حزب الله»، بالنسبة للبنان، بإسرائيل وحدها، بل بمصير الدولة واللبنانيين عموما، وهو ما عبر عنه إعلان الحكومة قرارها حصر السلاح بيد الدولة، ولجوء السلطات اللبنانية – حسب تقارير أمريكية – للتعامل مع إسرائيل عبر آلية تنسيق «غير مباشرة» ومعقدة، يشرف عليها ضباط أمريكيون وفرنسيون ومن قوة السلام الأممية (اليونيفيل) يعود لكون السلطات اللبنانية تخضع بدورها لضرورات سياسية داخلية لا يمكن تجاوزها، مما يوضّح اختلافا في ظروف السلطات في البلدين، كما يشير، بطريقة غير مباشرة، إلى خلافات أخرى (بينها ملف المعتقلين السوريين على خلفية العداء للنظام السابق) وهو ما يسعى لقاء مقبل بين المسؤولين بين البلدين لحلحلته.
يمثّل إعلان ولي عهد الأردن، قبل أيام، إعادة تفعيل «برنامج خدمة العلم» (التجنيد العسكري الإلزامي) بعد 35 عاما من إلغائها، وهو ما قرئ على أنه استجابة أردنية لما أعلنه نتنياهو عن مشروع «إسرائيل الكبرى» التي قد تشمل «مناطق من الأردن»، وتبعت ذلك تصريحات لنائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، الذي حذر من «التبعات الكارثية على الأمن الإقليمي والدولي للسياسات العدوانية والتوسعية الإسرائيلية».

في التصريحات نفسها، أشار الصفدي إلى «وقوف الأردن بالمطلق إلى جانب سوريا» وضمان «وحدتها وأمنها وسيادتها واستقرارها وسلامة مواطنيها»، وسبق ذلك لقاء للملك الأردني عبد الله الثاني مع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، وأكد الملك فيه أيضا على «دعم الأردن للبنان في تعزيز أمنه والحفاظ على سيادته»، وتطرق في اللقاء نفسه إلى «دعم جهود السوريين في الحفاظ على استقرار بلدهم وسيادته وسلامة مواطنيه».في الوقت الذي تظهر التصريحات الأردنية استيعابا لترابط قضايا الاستقرار والسيادة والأمن وسلامة المواطنين في الأردن وسوريا ولبنان، واستشعارا للخطر الإسرائيلي على المشرق كلّه، يبدو لبنان وسوريا منهكين بالقضايا الداخلية التي يترابط فيها التدخّل الإسرائيلي مع مخاطر تفكك النسيج الوطنيّ والطائفيّ، وهو ما ينعكس في مقاربتين مختلفتين تجاه إسرائيل، وكذلك تجاه القضايا العالقة فيما بينهما، وهو ما يعطي حكومة نتنياهو مجالا أوسع لإدامة التدخّل والاحتلال والتوغّلات على أراضيهما.

رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى