سوريا والحرب على الإرهاب!

خاص “المدارنت”
في مؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب المنعقد في نيويورك، طرح رئيس المخابرات السورية “حسين سلامة” رؤية سوريا ودورها في مكافحة الإرهاب، وتأتي هذه المشاركة على خلفية انضمام سوريا في 12 / 11 / 2025 إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الذي يضم تسعين دولة والذي أسس في العام 2014 بقيادة الولايات المتحدة.
وفي كلمته أكد “سلامة” على دور سوريا في مكافحة الإرهاب والتزامها بهذا الدور، وتطلعها لدور دولي في دعم الاستقرار المستدام فيها لتكون فاعلة في تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي، وذلك بعد أن استعادت سوريا سيادتها وقرارها المستقل، وأشار “سلامة” إلى أن سوريا تواجه تحديات تتجاوز إرهاب تنظيم الدولة ” داعش”، لتصل إلى خلايا تتبع فلول النظام الأسدي، وأخرى مرتبطة بحزب الله، وأشار إلى التوترات في جنوب سوريا والتوغل والقصف والاعتقالات التي تقوم بها “إسرائيل” والتي تقوض استقرار سوريا وتهدد أمنها.
ورغم أهمية هذه المشاركة السورية، وأهمية هذه المنصة الدولية، فإن خطاب المسؤول السوري جاء قاصرا عن تغطية احتياج “الجمهورية العربية السورية” من مثل هذا المؤتمر المهم، ومتجاوزا عن رؤية خطر حقيقي يهدد الأمن والسلام في المنطقة وهو الخطر المتمثل بالاحتلال الإسرائيلي للجولان السورية.
إن اقتصار الحديث عن الخطر “الإسرائيلي”، بالتوغلات التي تقوم بها القوات الإسرائيلية في الجنوب، والخطف والقصف، ينم عن رؤية قاصرة، وعن رؤية خطرة أيضا فيها تفريط بمفهوم الأمن الوطني، وبالالتزام الذي قطعته القيادة السورية على نفسها بالحفاظ على وحدة الأرض السورية وتحررها، واستقلالها.
إن الجولان السورية “أرض سورية محتلة”، وبهذا الوضع يعتبر هذا الاحتلال مصدر الخطر الذي يعصف باستقرار سوريا عموما، وباستقرار الجنوب السوري على وجه الخصوص، ومن غير المقبول أن تأتي كلمة المسؤول الأمني الأول في سوريا، في مؤتمر دولي يتحدث عن الإرهاب خالية من الإشارة إلى هذا المصدر من مصادر الإرهاب. إذ كيف يكون التوغل الإسرائيلي الراهن في الجنوب السوري مهددا للأمن والاستقرار ولا يكون الاحتلال كذلك.
لقد كان واجبا على رئيس جهاز الاستخبارات السوري أن يقول في هذا المؤتمر بوضوح وحسم: إن أخطر ما يهدد الاستقرار في سوريا هو “الاحتلال الإسرائيلي للجولان”، وإن أهم ما يمكن أن يعزز الاستقرار في سوريا والمنطقة وهو أن تستعيد سوريا أرضها المحتلة، وأن يفرض المجتمع الدولي على جميع الدول ذات التأثير بأحداث المنطقة أن تلتزم وتطبق القرارات الدولية بشأن المشكلات القائمة فيما بينها.
إن هذا هو الحد الأدنى المطلوب من أي مسؤول سوري، في أي محفل دولي، وهو حد لا صلة كبيرة له بالشعارات الوطنية والقومية والتحررية، وإنما صلته بالقرارات والمواقف الدولية المعتمدة، والمستقرة في المنظمات الدولية التي نلتزمها، ونشارك فيها كدول.
إن موقفا كهذا يعبر عن ضمير الشارع السوري، وهو يقدمنا للعالم كدولة وسلطة وقيادة مسؤولة وواعية تعرف حدود الفعل الدولي، وما هو متاح وفق القانون والأعراف الدولية.
وإن موقفا كهذا يحفظ للقيادة السورية رؤية أولية من القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب احتلت أرضه، وباعتبارها قضية توفر لها موقف دولي قائم على ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وعلى أن وجود هذه الدولة هو المدخل للأمن والاستقرار والسلام في الإقليم كله.
لقد كان مهما لأقصى حد أن تأخذ سوريا من هذه المنصة الدولية، وفي هذه اللحظة المهمة مناسبة للمبادرة في طرح سؤال رئيسي بشأن هذا التحالف ” التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب”، سؤال كان يجب أن يطرح منذ تشكل هذا التحالف في العام 2014، وهو يخص “تحديد معنى الإرهاب ونطاقه وأدواته”، إذ من غير المعقول أن تلتقي تسعين دولة تتقدمها الولايات المتحدة لتشكيل تحالف مهمة مكافحة الإرهاب، دون أن يستند هذا التشكيل إلى تعريف واضح موضوعي للإرهاب، ما هو الإرهاب؟ كيف نَعرفه، وكيف نُعرٍفَه، وهل هو مقتصر على أفعال معينة، يقوم بها أفراد أو منظمات أو دول؟ وما هي هذه الأفعال؟
هل مقاومة الاحتلال إرهاب؟
هل المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي إرهاب؟
هل مقاومة أهلنا في غزة لقوات الاحتلال إرهاب؟
هل الاحتلال في جوهره وطبيعته عمل إرهابي؟
هل توصف دولة” الكيان الصهيوني” بالإرهاب استنادا لما فعلته في غزة؟
هل استخدام الأسلحة التي تدمر كل شيء في صراع عسكري إرهاب؟
هل استهداف المدنيين أثناء الصراعات المسلحة إرهاب؟
هل التهديد بإزالة حضارة بأكملها وشعب بأكمله إرهاب؟
ما لم يكن هناك تحديد حقيق ومتفق عليه لمعنى الإرهاب فإن كل مساهمة في محاربته ستكون قاصرة، ولن تفيدنا كثيرا، لأن القوى والجهات التي ينظر إليها اليوم بأنها “إرهابية” ونُستدعى لحربها، يمكن في أي لحظة أن تتحول إلى غير ذلك.
نحن نعلم حجم الضغوط التي تتعرض لها سوريا في هذه المرحلة، وفظاعة ما فعلته المرحلة الأسدية البائدة فيها، لكن ذلك كله لا يعفي من رؤية الأمور على حقيقتها، والتعامل معها بشكل صحيح، ولعل هذا السبيل هو الأقصر والأجدى في الوصول بسوريا إلى بر الأمان.



