مقالات

شيء ما.. بين التاريخ والاقتصاد

د. حسام محيي الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”..
تتكون هوية الدول الاقتصادية منذ لحظة نشوئها، وترتسم معالمها بشكل واضح؛ هذا في المعتاد الطبيعي، ولكن الاستثناء التاريخي كان حاضراً في تركيب الدولة اللبنانية، على أساس كلمة “الكبير” حينها أي عام 1920، وكان ماثلاً في جملة واحدة دفعت بحدود المتصرفية إلى قبول الالتحام بالمدن الساحلية والأقضية الأربعة، وهضم الحدود الجديدة، بما تحتويه من كتل سكانية غيّرت ديموغرافية الجبل الى الأبد. كانت عبارة تأمين المجال الحيوي للجبل، المبنية على الخوف من الحصار والمجاعة، عاملاً وحيداً في بناء الدولة.

غير أن الواقع التاريخي تغيّر، وبدأت عمليات التنظير لهوية اقتصادية جديدة للحدود الجديدة “النهائية” بعد الاستقلال عام 1943، وتدافع السياسيون حينها الى الاستعانة بالبعثات الاقتصادية والخبراء، لدراسة كيفية صمود الاقتصاد اللبناني على هذه البقعة الجغرافية المتأرجحة بين الداخل والساحل، وبين الجغرافيا والسياسة بشكل خطر؛ فكانت بعثة “جيب” عام 1948، التي كلفتها الدولة اللبنانية رسمياً بإجراء مسح اقتصادي شامل. وتبعتها بعثة “إيرفد”، التي دعاها الرئيس فؤاد شهاب عام 1959 بقيادة العالِم الاقتصاديّ والإنمائيّ الأب لويس جوزف لوبريه، للقيام بعمليّة مسح للأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة؛ وأدّت هذه الأخيرة، إلى وضع برنامج إنمائيّ هو الأوّل من نوعه في لبنان، بهذا المستوى العلميّ وهذه الشموليّة، لكنّه للأسف لم ينفّذ.

كان السؤال الدائم الذي أقلق مضاجع السياسيين، من أين نأتي بالمال ليعيش الاقتصاد اللبناني؟ وتتالت المحاولات التي سعت إلى جذب الكتل النقدية الصالحة لسدّ عجز الخزينة، ومنها تقرير لشركة “بوز اند كومباني”، وسبقتهما محاولة استشرافية لرئيس الحكومة سليم الحص عام 1976، ومعهما خبير محترف هو الدكتور محمد عطا الله وتجربة مجلس الإنماء والإعمار؛ وجاءت بعد ذلك تجربة الرئيس رفيق الحريري، التي انطلقت من فرضية بناء دور خدماتي لبناني، لتنتهي باستشارات شركة “ماكينزي”.

كل ذلك اللجوء الى استشارات معلبة من الخارج، ترافق مع حوادث لعبت دوراً سلبياً في تكبيد الاقتصاد اللبناني خسائر مادية، بدءاً من الحروب العربية ـ الاسرائيلية وما تلاها، انتهاءًا بعام 2006، ومروراً بالحرب الأهلية الفظيعة، التي أنهكت لبنان وأكلت أخضره ويابسه كالجراد. واستمرت الأزمات الداخلية والاقليمية والنزاعات السياسية الداخلية، وفترات التعطيل، في إضعاف مردود الترانزيت، والسياحة، وضرب جذب الودائع العربية، يدعمها الفساد المستشري في “تهشيل” الاستثمار الأجنبي والمحلي.

وبالنظر الى فشل القطاع الزراعي، وارتفاع تكلفة القطاع الصناعي بسبب خلل الكهرباء، واحتكار استيراد النفط، إضافة إلى العجز المستمر في الميزان التجاري، يبدو الأفق الاقتصادي اللبناني، وزيادة دخل الدولة في خبر “كان”: تراكم أزمات والتهاء داخلي في جحيم مالي يستعر دون رحمة.

والمفاجئ، أن الحلول المطروحة حالياً، تركز العمل على ذات السلة الاقتصادية “المثقوبة”، بزيادة الضرائب والمحسومات التقاعدية من دخل الفرد، وتقليص التقديمات الاجتماعية، و”فرملة” الحركة الاقتصادية الداخلية بمزيد من الضرائب، وإضافة تعديلات وظيفية مثل التعاقد الوظيفي، وكأن الدولة تهرب من واجباتها، بل تهرب من الأزمة الاقتصادية علنًا. وتطالعنا خطابات الصحف بجمل فارغة المعنى، “تجلجل” بالانهيار، من دون التفكير بزيادة مردود الدولة، ولا تركز سوى على ذلك التفكير الأحادي بمردود النفط والغاز.
لا أدعي الخبرة في الاقتصاد، غير أن العارف بشؤون لبنان، يرى بديهيات الحلول الأولية للخروج من خندق إفلاس الدولة، ومن هذه الطروحات:

1 – الاستثمار بالأمن أولاً قبل أي شيء.
2 – حلّ مشكلة الكهرباء جذريًا.
3 – ربط الساحل بالداخل بسكك حديد عبر سلسلة أنفاق حديثة، وربط البلد برمته بمشروع سكك حديد ساحلي يصل الى تركيا، وداخلي عبر سوريا والداخل العربي؛ وذلك عبر تلزيم (BOT).
4 – تخفيف أكلاف النفط المستهلك داخلياً، وخفض منسوب التلوذث الذي ينعكس على الأكلاف الصحية، وذلك عبر تلزيم مترو الأنفاق، انطلاقاً من بيروت شمالاً وجنوباً قدر المستطاع: أيضاً عبر الـ(BOT).
5 – التحوّل باتجاه سيارات الأجرة الكهربائية، ودعم هذا القطاع، بشكل مبدئي، لما يخفف من أكلاف مالية سواء على مستوى استيراد النفط، أو على مستوى الأكلاف الصحية.
6-التحوّل الى التعامل الرقمي في عمليات الشراء بالجملة وبالتجزئة، وتعميم هذه الثقافة بشكل سريع، للقضاء على تهريب الدولار نحو الخارج، أو التلاعب بسعر الصرف، مما يجعل العمليات المالية تتم بمجملها في البنوك.
7 – جذب الاستثمار الأجنبي، وإنشاء شركات تجميع سلع الكترونية، وتصنيع سيارات تابعة لشركات كبرى، وتحفيز اليد العاملة المؤهلة لذلك، واستعادة دور لبنان الاقتصادي كبوابة للتصدير نحو الداخل العربي.
8 – التحوّل الى الزراعات البيئية، وتشديد الرقابة على سلامة مياه الريّ، وضبط معايير المبيدات الزراعية والمغذيات، وتعزيز التصدير النوعي نحو الخارج.
9 – التحوّل الى السياحة البيئية بمعايير دقيقة، وحلّ مشكلة النفايات جذريًا، وضبط الأسعار لتحويل وجهة السياح مجدداً الى لبنان.
(…)
وربما تطول اللائحة، ولكن، تبقى هذه الحلول على بساطة عددها، جذرية في تحوّل لبنان وفق خطة عشرية، تصل الى عام 2030، الى بلد متوازن مالياً إن لم يكن لديه فائض مردود، وزيادة في دخله القومي وزيادة في معدل دخل الفرد.

يبقى هذا الكلام حبراً على ورق، مثل غيره من الطروحات القديمة، ما لم تتغير العقلية الحاكمة المتجلّدة، وما لم يتطلع الحكم الى ترك الحلول المكررة والـ”المسطحة”، بحثاً عن حلول غير مألوفة، في معالجة أزمة انحدر فيها الوضع الاقتصادي الى قعر الهاوية. وكما قيل: “المعرفة لا تبحث عنك، ابحث أنت عنها”

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى