عقلانية الكلام.. رسالة إنسانية وضرورة حضارية.. الجزء (1-2)

خاص “المدارنت”
البداية، ذكر الآيات القرآنية الدالة على ما للكلام من أهمية في بناء الإنسان، الذي هي الخلية الأولى لبناء حضارة وترسيخ مفهومها الإنساني. وهذا قوله تعالى: “ن والقلم وما يسطرون”/ القلم/ 1..
– “ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ،إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد “ق/ 17-18..
– “ألم ترَ كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء “ابراهيم/24..
– “اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه” فاطر/ 10
– “وقولوا للناس حسنا” البقرة/ 83..
الإنسان مخلوق مسؤول عن أقواله وافعاله، في شتى المجالات التي يخوضها، كونه المخلوق الذي حمل الأمانة، وتميز بعقله وملكة التفكير، إذ كل ما ينتجه، وكل ما يصدر عنه، يتوقف عليه قيام البناء أو هدمه، انطلاقا بما يتعلق بشخصية الفرد والأسرة والامة، مرورا بالمجتمع والوطن.
مع العلم ان الفطرة الإنسانية تأخذك إلى ضرورة تحقيق رسالتها الإنسانية وتشييد بناءها الحضاري، خدمة لما تهدف من مُثُل تغرسها في ذاتية الفرد الإنساني الاجتماعي، والتي تبدأ خطواتها بالكشف عن الحقيقة ثم الأخذ بها، لأن في ذلك أكبر من شعار يُرفع، لأن الحقيقة الحقة تعتبر علة الوجود، الكامل الشامل. وذلك يخضع لفحص وتمحيص وتدقيق، مما تتطلب الحاجة للاستناد الى ركائز فكرية منطقية جوهرية.
هذا الأسلوب العملي، يستند إلى تكامل أفكار الأفراد المجتمعي، التي تضم إليها المنافسة لها، والناقدة ايضا، كونها آخذة بدليل معلومة حقة، أو حجة برهان، مع التحذير من الأخذ بتلك الأفكار الغوغاءية الحاقدة.
اننا بحاجة لعقل جمعي، يسعى منسجما ومتناغما لبيان الحقيقة وتوضيحها، والمهم في ذلك، الانطلاق من عملية التفاعل الصادق الجدي مع أولئك الأشخاص الذين يفكرون بشكل مختلف عنك، والأهم لعدم الوقوع في المحظور، أن تملك قدرة التغيبر الذاتي، ثم التأقلم مع ما هو طارئ جديد، يعني ضرورة تغيير الآراء والقناعات السابقة لسبب حجة صادقة، أو برهان أفضل او معلومة جديدة، لما تستند، انت عليه.
هذا الإستعداد الذاتي الواعي الذي تحمله، جراء تجاربك الحياتية، العلمية والعملية والمعيشية، لا بد أنه سيجعل من شخصك إنسانا جاهزا، يملك من القدرات والملكات ما يدفع لإحداث تغييرات وتمايز فرق على صعيد الحركة التطورية العالمية.
انطلاقا من فكرة المصالحة الذاتية، واستنادا إلى فكرة الإيمان اليقيني الحق بان كل ما تلفظه، وما تخطه من حروف، سيتحقق لديك أيها الانسان، مصداقية المراقبة الذاتية، والمحاسبة ايضا، بهذه الحال تصلح الأمور، لأن تحقق ذلك، يدفع إلى تربية الضمير الإنساني واحياؤه من جديد، إضافة لغرسها واستنباتها في النفس الإنسانية. لقوله تعالى: “سورة ق/ الاية/ 17- 18… لذلك تجب الضرورة في أن يعي الإنسان ويستشعر كل كلمة تصدر عنه، وكل حرف يكتبه، كما ويجب عليه الإدراك التام أن لسانه قد يكون سبب نجاة أو هلاك. اذكر المثل الشعبي (لسانك حصانك إن صنته صانك).
فالكلمة أمانة والقلم مسؤولية، فاتحادهما يرسمان صورة المواقف وبيان الآراء، فإما إصلاح، واما إفساد، ومن ثم تصدر الأحكام، إيجابا أو سلبا، إذ من عظيم الكاتب حين يجعل حروف كلماته نورا تهدي، محبة تحرك الوجدان، وفكرة ترتقي بالإنسان، وليس حمل معول يهدم، ولا حقد يُفرق، إنما الكلام الطيب أثر إيجابي يمتد إلى العقول قبل القلوب. فكن، أيها الانسان، باب إصلاح، وباب تفاعل، لا باب خصومة أو باب عداوة، فالشرر إنما يحتاج لكبريت.
كل ذلك، مرتبط بروحية الأسلوب وانتقاء المفردات التي تكتب بها أيها العظيم، مما تنتج موقفا لانصاف حق، أو لزيف جور وظلم.
أحيانا.. أتوقف متعجبًا، أمام بعض المواقف والمفاهيم المنحرفة والمزيفة، في المعنى والأسلوب والممارسة، فالسؤال يطرح نفسه: هل أصبح أدب الحديث والعناية بما يسطره القلم، تخلفا؟ ولكنني أراه (أدب الحديث) من دواعي الالتزام القيمي وحدود الاحترام المتبادل.
وسؤال آخر ايضا، هل أصبح الوقار والحياء والعفة أمورا تدعو إلى السخرية والاستهزاء؟ والحق أقول، إن ذلك انعكاس لتربية راقية وحضور لأصل طيب. فالإنسان الطيب الأصيل، لا يخسر شيئا ولا ينقص منه شيء، حين يأخذ أو يحترم رأي الآخرين، إنما يضيف إلى نفسه قيمة ومكانة. مع الإشارة، إلى ضرورة عدم رفع الحواجز بين الناس، تلك التي تحكمها الاعراف والقوانين. وهذا حق عام يحفظ الحدود التي بدورها تحفظ الكرامات، فالاحترام المتبادل، والحوار الواعي المنتج، لا يبعد المسافات، إنما يصنع علاقات ود وتآلف وتفاهم، أكثر رقيًا واعظم ثباتا، وهذا بداية التقدم والتطوير. وعليه فالكلمة الطيبة عنوان شخصية صاحبها، فرقي الحديث واختيار الكلمات، اساس ذاتي وانعكاس لرقي الأخلاق.
يخبر الله الإنسان، أن لديه ملكان يلازمانه في حياته ومعاشه، يسجلان أقواله وافعاله، لقوله تعالى: “إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد “ق/18. من جهة ثانية يفيد قوله تعالى: “ما يلفظ من قول…” ق/17.. العموم والشمول، بمعنى أن كل ما يخرج من حرف فإنه تحت المراقبة والتسجيل والمحاسبة، لأن الكلام ليس ذبذبات صوتية عابرة، أو أنه صدى يتردد بلا معنى ولا هدف، إنما الكلام مؤثر فاعل في السلوك الإنساني وايضا، في العلاقات الاجتماعية.
لذلك، نجد أن أثر الكلمة الطيبة في حياتنا الإنسانية وفي علاقاتنا الاجتماعية لمن الفاعلية العظيمة في بناء شخصية الفرد وفي رفع معنوياتها، وفي غرس الثقة بذاته، بينما الكلام السلبي وتفرعاته، يهدم البناء الأسري ويزعزع الحصن الاجتماعي، ويقوض أركان الوطن، لذلك جاء القرار الإلهي الحق لبيان أن الكلمة أمانة ومسؤولية، يحاسب عليها صاحبها. راجع الآية: ق/17-18. كما ونلفت النظر إلى أن كلمة (لفظ ) تعني إخراج ما كان مستورا، أي إخراج تَكنّه أنفسنا في الحافظ أو الذاكرة، وايضا، فإن دلالة كلمة (رقيب) تعني ديمومة واستمرار المراقبة.
واما دلالة كلمة (عتيد) فتعني الحضور القاءم والمستعد، أي لا يغفل ولا يغيب. وهكذا يظهر الإعجاز اللغوي والبلاغة الادبية، خضوع الإنسان إلى كمال المراقبة وجمعها مع كمال الإستعداد، واستمرار ديمومتها.
لقد سادت في مجتمعاتنا فكرة أن الخيانة لدى مَن نثق بهم، ذكاء وشطارة، وهي ايضا مهارة اسلوب، ولكن الرد الحق يختصر ذلك في أنه غباء وجهل، فخيانة مَن اؤتمن فإنه يهدم جسور التواصل الاجتماعي والأخلاقي، ويقوض جسر العبور إلى الفضيلة والمثل العليا. فالثقة بالآخر ليست غفلة، إنما هي عمل أخلاقي، والثقة بين الناس واجب وضرورة حضارية، ومع ضياعها واستبدالها بالخياتة،تسقط كل القيم والمبادئ الأخلاقية، وبذلك ينهار البناء الاجتماعي، ويفقد الإنسان قدرته على امتلاك الأمن والأمان، وإلى راحة الطمأنينة والانتماء.
فالإنسان الحق المستقيم هو ذاك الذي يطابق قوله عمله، إذ العمل الملتزم بأوامر الله ونواهيه، يكشف أسرار الوجود وجوهر حقيقته، ويزين صاحبه بالقيم والفصائل. وعليه، يمكن استنتاج ما للكلمة الطيبة من أهمية وقيمة عظيمة. لقوله تعالى: “وقولوا للناس حسنا” البقرة/83. — “اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ” فاطر/10- “الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء ” ابراهيم/ 24.
هكذا يرشدنا النص القرآني إلى وجوب التداول بالكلم الطيب، حيث تتجلى الحكمة الإلهية فما يتركه من فائدة عظيمة واثر أبعاده القيمية، جراء ما ينتجه من فهم ووعي وادراك رفيع، على مستوى حياتنا المعاشة، وعلى اساليبنا التربوية، والتي تتطلب إسناد الكلام إلى المعرفة العلمية بالدليل والبرهان، ثم إخراجه على قواعد من العدل والإنصاف، فلا ظلم ولا بهتان.
أما تلك الأحاديث الغوغائية العشوائية الفوضوية، والتي تتلفظها الأفواه من دون بينة أو دليل، ستدخل حتما، في دائرة الظن والتشهير والتجريح. لذلك وجب ضرورة الأخذ بالأمانة العلمية التي تقتضي التدقيق والتثبت من الأدلة، قبل إطلاق الأحكام اوالتشهير (لامر في نفس يعقوب). إذ من الوفاء وحسن الخلق ذكر الحق في ما يحمله الإنسان من صفات وتصرفات، مع وجوب حق الحفظ لفضله السابق واجتهاداته العملية، بخاصة إن كان من أهل علم ورجاحة عقل..
وننوه إلى اننا جميعا، من دون استثناء، بحاجة إلى وجوب استحضار رقابة الله تعالى في اقوالنا وافعالنا وايضا احكامنا. فالعدل والإنصاف خُلُق العلماء والحكماء، ومن خلال ذلك تتجلى العظمة والحكمة في كل ما يصدر عنا من كلام، مهما كانت مسؤولياتنا ومكانتنا وموقعنا..



