مقالات

على المقلب الآخر.. الجزء “14”.. غواتيمالا.. “المايا” واسرائيل.. والهال للقهوة العربية

عبد الناصر طه/ لبنان

//خاص المدارنت//… أشرنا في الجزء السابق، الى أنه “… مع بداية القرن العشرين، تحوّل كثير من الباعة المتجوّلين من أبناء الجالية العربية، إلى فتح محلات تجارية في وسط العاصمة غواتيمالا سيتي. وتطورت تلك التجارة في عقديّ الثلاثينيات والاربعينات من القرن الماضي، إلى مؤسّسات تجارية كبرى…”.

عائلات ونفوذ:

في تلك الآونة؛ وفي مراجعة أسماء أعضاء غرفة التجارة والغواتمالية، نرى إسميّ جورج إدوارد أبو العراج، الرئيس لها، والجنرال اسماعيل سيغورا أبو العراج، وكلاهما يتحدر من عائلة عربية تعد من اهم عائلات غواتيمالا نفوذًا وقوة .

ويشير بعض الباحثين، إلى تأخر الأبناء المتحدرين في الدخول إلى عالم السياسة، حتى مرحلة التسعينات من القرن المنصرم، وحيث شكلت الاوليغاركية الزراعية ذات الأصول الأوربية مع البورجوازية الصناعية العربية، قوة ضاغطة في تشكيل السياسة العامة للبلاد، وكان من أبرز وجوهها “اميليو سقا دبدوب”، عضو مجلس نواب عام 1996، و”اميليو تاغر كاستيلو”، رئيس بلدية peten، وآخرهم كان النائب “بيدرو موادي”، ذي أصول اللبنانية، رئيس مجلس النواب بين عامي 2013 و2014، وهؤلاء ينتمون إلى حزب اليمين المحافظ PAN، دلالة على موقعهم في الطبقة البرجوازية التي تشكلت من أقطاب الزراعة ذوي الأصول الاوروبية، واقطاب التجارة والصناعة ذوي الأصول العربية.

وتعتبر عائلة أبو العراج الفلسطينية المنتمية إلى مدينة “بيت لحم”، إحدى أكثر العائلات شهرة ونفوذا في الإقتصاد الغواتيمالي، حيث يتصدر أفرادها تجارة وصناعة التبغ والقماش والفولاذ، ويرأس “خوسيه لويس رينيه أبو العراج” جمعية معادن غواتيمالا، وهو المصدّر الأول للفولاذ الى الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وآسيا، في تجارة تدرّ الملايين من الدولارات؛ ويشغل أيضا شريكا في البنك الصناعي في غواتيمالا؛ ولعل انطونيو أبو العراج من مواليد بيت لحم عام 1871، هو أول مهاجر من العائلة الى غواتيمالا مع زوجته إميليا جبرائيل، عام 1895، وكان له تسعة من الأبناء.

ومنهم من تجاوزت شهرته غواتيمالا، أعني الرسام العالمي “رودولفو أبو العراج”، الذي حاز على جوائز عالمية وقارّية؛ وعن هجرة عائلته يقول: أجدادي من بيت لحم، كانوا مسافرين الى كولومبيا حيث يعيش أقارب لهم، ولكن الباخرة توقفت في مرفأ puerto barrios للراحة، وأخبرهم القبطان أنه بإمكانهم النزول والتجوّل في المدينة وأخذ استراحة طويلة؛ وكانت المفاجأة أن المدينة أعجبتهم، فاحضروا أغراضهم من السفينة الراسية واستقروا في غواتيمالا.

ومنهم “سلفادور أبو العراج”، 1900 ـ 1965، صناعي ومثقف مطلع على الموسيقى الشعبية، اشتهر ببناء الكنائس، والفنادق التي كان يدعو اليها نخبة المجتمع المثقفة للقاءات فكرية ثقافية، ورائد في عالم السينما.

أولئك، من نخبة الأبناء الذين توفرت لهم سبل العلم والثقافة، في أرقى الجامعات والمعاهد العالمية في دول اوروبية، مثل فرنسا وانكلترا واسبانيا، وفي الولايات المتحدة الاميركية؛ حيث انتقل التنافس من عالم التجارة الى عوالم الطب والمحاماة والهندسة والثقافة والأدب، فصار ابناء الجيل الثالث وما تبعه، يضمّ نخبة المجتمع وطلائعه الأكاديمية، في بيئة يغلب عليها طابع الثراء المادي؛ ولم تكن العائلات التي استوطنت غواتيمالا، مثل أبو العراج، حزبون، قطان، دبدوب، سمعان، ناصر، الأعرج، إلا امتدادا طبيعيا لعائلات عربية، استقرت في كل من هندوراس والسلفادور وكوستاريكا ونيكاراغوا على وجه الخصوص.

هجرة حديثة “مسلمون وموارنة”:

الهجرة الحديثة بعد أعوام 1948، 1967، 1975 في بداية الحرب الاهلية في لبنان، وفدت موجة جديدة من الهجرة، مختلفة كلياً عمّا سبقها، ومتميزة لجهة إتقان اللغة العربية ولغات أجنبية، وازياد عدد الوافدين المسلمين، ثم تأسيس مسجد الدعوة عام 1996، والمناداة بالمحافظة على العادات والتقاليد العربية، والمحافظة على المطبخ العربي، والدعوة إلى التقارب الاجتماعي الذي لم يكن موجوداً عند المسافرين الأوائل.

وتميزت الهجرة الحديثة هذه، بوجود العنصر المسيحي الماروني فيها، حيث بدأ الموارنة بالهجرة إلى غواتيمالا، بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، بينما زادت نسبة المسلمين الفلسطينيين القادمين ضمن الوافدين الجدد.

وتختلف المصادر اختلافا كبيرا في تحديد عدد المهاجرين المسلمين في غواتيمالا، حيث يقدر “مرصد الازهر” عددهم بـ1300 شخص، في حين يشير امام مسجد العاصمة الى وجود 350 شخصا مسلما فقط، بينما صرح موقع “ويكيبيديا” الى وجود 200 شخص مسلم.

ولا بد من الإشارة إلى دور السفارة المصرية، في تشييد مسجد الدعوة في العاصمة غواتيمالا سيتي، الذي يضم مركزا للدعوة والإرشاد، ومدرسة تعطي دروسا دينية وتربوية، إضافة إلى إحياء المناسبات الدينية الاسلامية المعروفة؛ وهناك مركز اسلامي نسائي تشرف عليه “فاطمة ارياس”، ويهتم بالتوعية الدينية والاجتماعية، وتعطى فيه دروس اللغة العربية والتربية الاسلامية، كما يعمل على مساعدة الفقراء على اختلاف أديانهم، من ألبسة وطعام وحاجيات ضرورية.

الدول العربية وغواتيمالا: قهوة وهال!

احتلت غواتيمالا المرتبة العاشرة عالمياً في قائمة الدول المنتجة للقهوة، ذات الجودة العالية؛ والأهم أنها تحتل المرتبة الأولى عالميا، في إنتاج وتصدير الهال منذ أكثر من عشرين عاما، ونظرا لجودة إنتاجها من الهال، فهي تصدر معظمه الى دول عربية وإسلامية، تأتي في مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية ودولة اندونيسيا، وتفوق قيمة تلك الصادرات مبلغ 300 مليون دولار سنويا، يستفيد من تصديرها حوالي مليون شخص غواتيمالي، معظمهم فلاحون ومزارعون من شعب البلاد الأصليين “المايا”.

وعندما أقدم الرئيس الحالي “جيمي موراليس” على نقل سفارة بلده من تل أبيب الى القدس المحتلة، مؤازرة لتوجهات الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، أُصيب المزارعون والمستفيدون من تجارة الهال بالهلع، خوفاً من إقدام الدول العربية والإسلامية المستوردة على قطع العلاقات التجارية مع حكومة غواتيمالا، كما حصل في ثمانينات القرن الماضي، وللسبب ذاته، حين توقفت تلك الدول عن استيراد الهال، وخسر المصدرون ثلاثة ملايين دولار آنذاك، علما أن التصدير كان في بداياته وبكميات صغيرة؛ وقد ناشد ممثلوا الفلسطينيين في أميركا اللاتينية عامة، ومعهم السلطة الوطنية الفلسطينية، الدول المستوردة للهال الى الضغط على حكومة غواتيمالا للعودة عن قرارها، ولكن مناشداتهم لم تلق صدى يذكر.

وعلى الرغم من أن 40% من شعب غواتيمالا يؤيدون قرار حكومتهم، ومجمل القرارات التي تخدم مصالح الولايات المتحدة الأميركية، نظرا الى انتمائهم الى الطائفة الإنجيلية المرتبطة عضويا بالسياسة الاميركية.

اما الطبقة المثقفة التي لم تخنها ذاكرة الحرب الأهلية، حين توقف الدعم الأميركي للجيش في غواتيمالان بعد تقارير متراكمة عن قتل المدنيين الأبرياء، وهدم القرى على رؤوس ساكنيها، واستغلال إسرائيل تلك الفرصة، لعرض مساعدتها العسكرية، وخبرتها ذائعة الصيت في الجريمة المنظمة، وحاجة جنرالات الحرب الغواتيماليون لأسلحة حديثة، ما خلق حالة من التوافق بين الفريقين، وكان السلاح الإسرائيلي مدعوما بخبرات الضباط الإسرائيليين في الجرائم؛ كل ذلك ادّى إلى قتل وتشريد آلاف المواطنين، وإبادة جماعية لأكثر من 200 ألف شخص من سكان الأرياف المنتمين إلى شعب “المايا”، أو الهنود الحمر، شعوب البلاد الأصليين.

هنا وقفت هيئات ومنظمات ونقابات، موقفاً مناوئاً لما قرره الرئيس “جيمي موراليس”، في ردّ رافض لازدهار العلاقات الغواتيمالية ـ الإسرائيلية من جديد؛ وذلك حصل، بينما اقتصرت علاقات الدول العربية مع غواتيمالا على تجارة القهوة والهال!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى