مقالات

على المقلب الآخر.. الجزء “17”.. العرب في الأرجنتين

عبد الناصر طه/ لبنان

//خاص المدارنت//..

عود على بدء: دخلنا إلى الارجنتين من بوابة التمرد و الثورة، ذلك الشاب الذي جرت في عروقه دماء البيرونية الساسية. “أنبار القادري (أنور)، في اشارة الى تجذّر الأفكار التي طرحها خوان بيرون (1895-1974) في اوساط الشعب الارجنتيني، وقام على اساسها حزب “العدالة الإجتماعية”، الذي يمثل اهم حركة سياسية استطاعت حكم البلاد منذ اربعينيات القرن الماضي، وما تزال اقوى ظاهرة حتى اليوم، رغم تعرضها لإنقسامات حادة وتوزع قادتها بين يمين محافظ ويسار اشتراكي، كان للعرب مساهمات بارزة في كلا التيارين، خصوصًا في تبوأ مراكز عالية من وزراء الى نواب الى محافظين، الى رؤساء بلديات ومقاطعات.

العرب في الأرجنتين، تاريخ مليء بالتناقضات، حافل بالنجاحات والمآسي، اثار اهتمام الباحثين، وكتبوا عنه المجلدات، لاسباب متنوعة ابرزها: الكثافة العربية للمهاجرين العرب وأبنائهم، حيث انها تأتي في الدرجة الثانية بعد البرازيل؛ و الحضور النوعي في المجتمع الارجنتيني مترافقًا مع اندماج كلّي ومشاركة واسعة، منذ بدايات الهجرة الى اميركا اللاتينية في أواخر القرن التاسع عشر.

حاول الجنرال بيرون، استمالة الجالية العربية الى جانبه، فبعد تأسيس حزب العدالة الاجنماعية، استقطب عددا من من قياديي الحزب الراديكالي، من بينهم متحدرون من اصل عربي، أشهرهم “فيسينتي سعادة” و”روسيندو أيوب” اللذان أصبحا من رموز البيرونية.

وكانت المصلحة المشتركة هي سبب التحالف بين بيرون و العرب، استمالهم الى تمويل مشاريعه الاقتصادية، وهم رأوا في مشروعه لتصنيع البلاد فرصة للانتقال من عالم التجارة الى عالم الصناعة، وذلك ما تحقق على يد “خورخي أنطونيو سلّوم”، الذي كان صلة الوصل بين “بيرون” والجالية العربية، وقد عيّنه بيرون مستشاره الاقتصادي، ثم مسؤولا عن التخطيط ،ليصبح خورخي فيما بعد، واضع اسس الصناعات الثقيلة في الأرجنتين.

وكانت له صداقة مع زعيم الحزب الشيوعي، السوري الأصل “فرناندو ندرة”، الذي قدّم له كل الدعم، معتبرًا أن “بيرون” نصير الطبقة العاملة. وكان وقع انقلاب عام 1955 كالصاعقة على الشعب الارجنتيني، عقابًا لبيرون على اعلانه “الموقف الثالث”، الذي يعني رفض الإنقياد وراء أي من المعسكرين، الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي، او الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ما جرّ عليه نقمة الحلفين اللدودين معًا.

تداعيات إنقلاب عام 1976

تعرض الحكم البيروني لانقلابين، الأول عام 1955 واستمر إلى عام 1971، و على اثره اختار الجنرال بيرون المنفى في اسبانيا، و الانقلاب الثاني عام 1976، بقيادة خورخي فيديلا، الجنرال الذي أغرق الارجنتين بالدماء، و خلّفت فترة حكمه ما يزيد عن ثلاثين ألف ضحية. تم اعدام الكثيرين منهم بأبشع الأساليب، من اعدام بالرصاص، الى إلقاء المعارضين احياء في الأنهار و البحار، وخطف المعارضين وإلقائهم من الطائرات بعد تكبيلهم، من طائرات هيليكوبتر في عرض المحيط الاطلسي، وخطف الأطفال الصغار من احضان امهاتهم وبيعهم او اهدائهم الى عائلات تعيش على هامش النظام العسكري؛ وحتى تاريخ نيسان 2019 استطاع 129 شخصًا كانوا في عداد الأطفال المختطفين ان يعودوا الى ذويهم، وما يزال ثلاثمائة منهم مجهولين ، تحاول المنظمات الإنسانية البحث عنهم.

مرحلة دموية طبعت الحياة العامة في الارجنتين بين عامي 1976 و 1983، ارهاب دولة من ناحية، وتنظيم (مونتنيروس) في مواجهتها بالضغط العسكري، حتى اقتنع العسكريون انه لم يعد امامهم الا الحوار و اللجوء الى التفاوض، وهكذا تم التمهيد لمرحلة الحكم الديموقراطي الذي تناوب على سدة الرئاسة فيه اليمين البيروني، ممثلًا بـ”كارلوس منعم” واليسار البيروني ممثلًا بـ “ارنستو كريتشز” ثم زوجته “كريستينا كريشنر”.

و لم يكن العرب بعيدين عن دورة العنف الدموي، بين عامي 1967-1983 حيث برز منهم أسماء لامعة بين جنرالات الانقلاب و وزرائه، أمثال جميل رستم، الذي تولى وزارة الداخلية قبل انتخابات 1983؛ وفي اوساط الحركة الثورية Montoneros، لمعت أسماء أمثال اسماعيل سلامة، و خورخي عبيد، و روني عمر حيدر، وشقيقتيه ادريانا و ميرتا، والاستاذة روني اخواجي، وخرمان عبدالله؛ ونظرا لأهمية الموضوع، سيكون له جزء خاص من البحث في دراسة الوجود العربي في الأرجنتين.

الحلقة المقبلة: أغلبية لبنانية وسورية في الأرجنتين

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى