على المقلب الآخر.. غواتيمالا.. المايا واسرائيل.. والهال للقهوة العربية.. الجزء “13”

//خاص المدارنت//... مقدمة: أصبح نجيب بوكيلة، رئيس السلفادور الحالي، ذي الاصول الفلسطينية، مالئ الدنيا وشاغل الناس في اميركا الوسطى، حيث عقد العزم على إنهاء وجود العصابات الاجرامية في بلده من جماعتيّ مارا سالفاتروتشا ومارا 18؛ وحظي بدعم أميركي وأوروبي ومكسيكي، وإعجاب لاتيني، لجهة قراراته الحاسمة في إرغام العصابات على تسليم اسلحتها للدولة، وإنهاء سيطرتها على بعض المناطق الشعبية، أو اختيار مصير القتل أو السجن.
ذلك النجاح، أوحى لمرشّحي الرئاسة في دولة غواتيمالا المجاورة، وإحدى دول مثلث الموت مع السلفادور وهندوراس، اختيار برنامج بوكيلة الانتخابي، وتتبع خطاه الحاسمة، في انتخابات الدورة الثانية بتاريخ 11 آب المقبل، في بلد يبلغ تعداد سكانه 18 مليون نسمة تقريبًا، ومجمل الناخبين المسجلين حوالي 8.200.000 نسمة، بينما ينتخب منهم خمسة ملايين فقط، وتحتل المرشحة ساندرا تورّيس لائحة المنافسين، يليها المرشح اليخاندرو جياماتي، وكلاهما يتعهّد بإعادة الامن الى ربوع الوطن، وتوفير فرص عمل للشباب، أمام عجز حكومة الرئيس “جيمي مورالس” في مواجهة الهجرة الكبيرة الى الولايات المتحدة الاميركية، ودعاوى قضائية ضدّه، لم تأخذ طريقها إلى النور منذ العام 2017، بسبب وجوده في سدّة الرئاسة.
أمام شحّ المصادر العربية، ووسائل الإعلام الناطقة بالعربية، في معرفة أحوال دولة غواتيمالا، كان من الواجب تقصّي المعلومات والحقائق من مصادر مكتوبة باللغة الإسبانية؛ وتظهر أمامنا مفارقات شتّى، أبرزها النفوذ الإسرائيلي في هذا البلد، الواقع في أميركا الوسطى، والعلاقة المميزة بين البلدين منذ عام 1947. فقد كانت غواتيمالا من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل، وأقامت لها سفارة في القدس عام 1955، الى أن نقلت سفارتها الى تل أبيب في ثمانينات القرن الماضي.
ابتدأ التعاون العسكري عام 1971، وما لبث أن تعاظم، بعد أن توقفت الولايات المتحدة الأميركية عن تزويد الجيش النظامي بالسلاح عام 1977، فصار اعتماد الجيش الغواتيمالي على تسليح معظمه من إسرائيل، ناهيك عن التدريب والتطوير للقدرات العسكرية الغواتيمالية، والمساهمة في إنشاء فرق الموت، التي قتلت ما يزيد عن مئتيّ ألف شخص في الحرب الأهلية، التي نشبت في الثمانينات، وتعرّض فيها شعب “المايا”، وهم سكان البلاد الأصليين الى إبادة جماعية، عبر تدمير قرى بأكملها، وقتل كلّ من فيها، على يد قوات الأمن، وبإشراف مباشر من ضباط إسرائيليين. كما تم إنشاء هياكل أمنية سرية، تمارس خطف وتعذيب وقتل ناشطي المجتمع المدني، والنقابيين من طلاب وحقوقيين، وتصفية وتشريد شعب “المايا” على وجه الخصوص؛ ولا يزال بعضها مؤثراً في السلطة السياسية الغواتيمالية، من دون محاسبة أو عقاب، على الرغم من نداءات الأمم المتحدة ولجان حقوق الإنسان العالمية .
والجدير بالذكر، أن غواتيمالا كان لها نصيب جيد من جوائز نوبل، فقد حصل الكاتب الروائي “ميغيل أنخل استورياس” 1899-1974 على جائزة نوبل للآداب عام 1967، عن روايته “السيّد الرئيس”، وفيها يصوّرُ إرهاب الديكتاتورية العسكرية في البلاد.
تليه الناشطة الاجتماعية “ريغوبرتا مينتشو”، التي نالت جائزة نوبل للسلام عام 1992، لجهدها المتواصل في الدفاع عن شعب “المايا”، سكان البلاد الأصليين التي تنتمي اليهم، ولعملها الدؤوب في تحسين أوضاع اللاجئين الغواتيماليين في الولايات المتحدة الأميركية ووالمكسيك؛ تلك المرأة المناضلة التي فقدت أهلها جميعاً على يد قوات الأمن.
الهجرة العربية.. بدايات صعبة ومتعثرة
كانت هجرة العرب الى غواتيمالا غير مُرحّب بها في بداياتها، خصوصاً، إذا ما قورنت بقبول الهجرة الاوروبية، شأن غالبية الدول اللاتينية، التي سعت الى جلب مهاجرين من أوروبا، لتحديث مجمل قطاعات الاقتصاد في بلادهم، وأهمها قطاع الزراعة، وذلك في نهايات القرن التاسع عشر وفي النصف الاول من القرن العشرين؛ واستطاعت هجرة الألمان ان تكون الرائدة، حيث توفرت لها عناصر النجاح المطلوبة، وهي: الارض، التي كانت الحكومة تقدمها لهم مجانًا، والعمل، يتمثل برخص اليد العاملة، التي كان معظمها من أبناء الهنود الحمر، سكان البلاد الأصليين. وثالث العناصر، وهو الأهم: تأمين الرساميل المطلوبة عبر القروض، التي كانت توفّرها بنوك فرانكفورت أنذاك.
امتهن العرب التجارة المتجوّلة، والبيع بالتقسيط، وكان همّهم الأول تكوين رأسمال، يؤهلهم لفتح محلّ تجاري صغير، في الاطار الجغرافي لتنقلهم التجاري؛ ولم يكن لديهم اهتمام بمظهرهم الخارجي، شأن المهاجرين الأوروبيين، الذين كان شعب غواتيمالا وسلطته ينظرون إليهم بعين التعظيم والاعتبار، وذلك أعطى انطباعًا سلبيًا لدى السلطات والطبقة الحاكمة، التي كانت ترى في الرجل الابيض الأوروبي ذي الملابس الجيدة والمظهر الحسن، مثالًا يحتدى به، وعنصراً مساعداً لتطوير الشعب الهندي، ونقله الى وسط الحضارة، في وقت لن يضيف المهاجر العربي أو الآسيوي شيئاً، حسب زعمهم.
وترافقت القرارات العنصرية بحقّ العرب المهاجرين إلى غواتيمالا، إبان حكم الدكتاتورية العسكرية “خورخي أويبكو”، الذي أصدر قراراً حظر دخول الأشخاص الأجانب من أصول “تركية، سورية، لبنانية، عربية، يونانية، فلسطينية، أرمنية، مصرية، أفغانية، بلغارية، روسية”. ما أدّى الى لجوء عدد كبير من أبناء الجالية العربية، إلى دول مجاورة في أميركا الوسطى كالسفادور وهندرواس.
ومع بداية القرن العشرين، تحوّل كثير من الباعة المتجوّلين من أبناء الجالية العربية، إلى فتح محلات تجارية في وسط العاصمة غواتيمالا سيتي. وتطورت تلك التجارة في عقديّ الثلاثينيات والاربعينات من القرن الماضي، إلى مؤسّسات تجارية كبرى. وضع أسسها الآباء بشكل بدائي، وطورّها الأبناء خريجو الجامعات، فصارت مؤسّسات يشهد لها على امتداد غواتيمالا، وكان النجاح الباهر في رأسمال جناه الأباء، وآلات حديثة استوردها الأبناء من أميركا وأوروبا، مع عائلتيّ صفية وزيبارا، ثم عائلة أبو الاعرج، التي كان لها النصيب الأكثر في صناعات الاقمشة على مستوى دول أميركا الوسطى عموماً، ولازم هذا النجاح اندماج الأبناء في المجتمع الغواتيمالي، لجهة العلوم الثقافة والعادات والتقاليد، ولجهة زواج الأبناء من بنات الطبقة الغواتيمالية الراقية، واعتناق الكاثوليكية، دين الدولة الرسمي.



