فاعل مجهول تقديره أهل العقد والحلّ
//خاص المدارنت//..

كتب د. جميل علي حمّود… عاد (العميل) عامر الفاخوري والجميع متفاجيء. ممثل للشعب في مجلس نوابه ينتمي لافعل واقوى حزب يسأل من سهّل عودة العميل؟ يلاقيه زعيم بارز يتساءل عمّن يشرّع عودة العملاء؟ يبدو ان العودة تمّت بسحر ساحر.
كان الرجل يُدعى الى احتفالات السفارة اللبنانية في واشنطن، وتُلتقط له الصور مع كبار القوم. ولا بدّ من ان احد ما اعطاه الضوء الاخضر ليعود. والثابت ان عميداً ما استقبله في المطار. من دعاه الى السفارة؟ من اعطى الضوء الاخضر؟ من ارسل العميد؟ لا بدّ انهم جنود في كتيبة الجنّ الازرق.
علماَ، ان تفاهم حزب الله والتيار الوطني الحرّ المنجز في 2006، اكد في بنده السادس على ضرورة عودة العملاء، وايجاد السبل الآيلة الى ذلك. كما ان التيار الوطني الحرّ، تقدم بمشروع قانون وافق عليه مجلس النواب في 2011، يشرّع عودة العملاء. وفي 2012 اقترح حزب “الكتائب اللبنانية” قانون اعفاء للُبنانيّي الكيان الصهيوني. واخيرا وليس آخرا، اثار معالي وزير الخارجية جبران باسيل المسألة اثناء زيارة قرى الشريط الحدودي، معلنا ان وزير العدل (البير سرحان) يُعدّ المراسيم الإجرائية الضرورية لعودة العملاء. فأين المفاجأة في عودة عميل بعد كل هذا؟ لكن ليس هذا كله مهما. المهم اننا لا نعرف، لا نعلم، متفاجئون والفاعل مجهول.
ما لنا وللعملاء، فمجرّد الحديث عنهم يثير الاعصاب ويرفع الضغط. ونحن فينا ما يكفينا جرّاء ازمة الوطن المالية والاقتصادية. وفي صبيحة يوم من زمن ليس ببعيد، استيقظنا على ديون هائلة، وعجز حكومي مستفحل، وسيولة مفقودة، وتصنيف ائتماني متهاوي، واقتصاد على وشك الانهيار. كيف تراكمت الديون؟ اين ذهبت الاموال؟ من يصرف المال العام؟ وعلى ماذا؟ رأفة بالسحرة وجنود الجنّ الازرق. ليس عدلا ان تلقي اللوم عليهم في كل شيء. ظننا والله أعلم، انهم حكما شياطين الإنس في المال والاقتصاد.
اما في موضوع الفساد فحدّث ولا حرج. الجميع يشكي من الفساد، بما في ذلك المسؤولون والوزراء و الرؤساء والنواب. نعرف ان هناك تهرّب ضريبي وجمركي، لكن المُتهرّب مجهول. نسهب في الحديث عن صفقات، لكن لا اثر يذكر لاصحاب الصفقات. نستطيع قياس كل امتار الاملاك البحرية والنهرية المستغلة على حساب الناس و المال العام. لكننا لا نعرف من يستغلها. فمن يهرّب عبر المطار؟ و من يهرّب عبر المرفأ؟ ومن يبني قصور الف ليلة وليلة وراتبه الوظيفي لا يتجاوز الألفين او ثلاثة آلاف دولار؟ استنزفنا في الجريمة السحرة والجنّ والشياطين. فما عاد أمامنا الا الإمبريالية والمؤامرة الكونية.
لقد أصبح تجهيل الفاعل في لبنان طريقة حياة، وفلسفة عيش حتى على مستوى المنطقة والقرية والحيّ والعائلة والفرد. انها ثقافة جمع من الناس، مستفيدون من آفات جمعهم بدرجات متفاوتة، وبالتالي، لا احد يستطيع محاسبة أحد.
فمن تبعات تجهيل الفاعل في وطن صغير، انه يبقى معلوم مجهول. اي انه ضائع بين الشبهة والذنب. ان انت اتهمته يردّ عليك بان الاتهام اشاعات وكلام اعلام. وقد يرفع عليك دعوى قدح وذم وإساءة سمعة. وتبعات تجهيل الفاعل ايضا ضياع المسؤولية. فالوطن يقبع في قعر الهاوية، ولكن هم المسؤولين عن ذلك. وهم هنا فاعل مجهول. كما انه من تبعات تجهيل الفاعل، ان لا احد يحاسب احد، خصوصاً وأن الجميع مستفيد. وتجهيل الفاعل يؤدي في اللحظة التي تتقاطع فيها المصالح الى تبني قوانين عفو عام، فينجو الطالح بفعلته.
اما الطامة الكبرى في تجهيل الفاعل، فهي في تعميم ثقافة تشجع الصالح على ان يصبح طالحاً، ويتحوّل الى فاعل مجهول. لاحظو معي ان كاتب هذه السطور نفسه، جهّل الفاعل في العنوان، فقال اهل العقد والحلّ، وذلك تجهيل للفاعل.



