مقالات

فـــي عـمـــق الأبـحـــاث الـعـمـيـقــــــة.. الجزء (3) والأخير!

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”../ يتابع “المدارنت” اليوم، نشر الجزء الثالث والأخير من دراسة د. محمد الحسامي، التي تحمل عنوان: “في عمق الأبحاث العميقة”..

النظرية الثالثة: “نظرية عدم مرور العرب بمرحلة الزراعة

يرى المفكر الأعرجي، أن عدم مرور العرب بمرحلة الزراعة، والانتقال من مرحلة البداوة المتأصلة إلى طور التحضر، بخاصة بعد الفتوحات الإسلامية، يعتبر سبباً وعاملا مهما من ضمن الأسباب والعوامل الذاتية الأخرى التي أدت إلى تخلفهم في وقتنا الحاضر.
فهو يقرر ذلك بقوله: “الفرضيَّة/ النظريَّة الثالثة هي عدم مرور العرب بمرحلة الزراعة على نحوٍ كافٍ لمحْو المُسلّمات/الخصائص القَبَليَّة البدويَّة. ذلك لأنَّ العرب الأوائل الذين كان معظمهم من البدْو أو الخاضعين للعقليَّة البدويَّة، حتَّى الذين كانوا يسكنون المدن الصغيرة، عندما حقَّقوا تلك الفتوح العظيمة بعد الإسلام، أصبحوا الأسياد في تلك البلدان، التي كانت متحضِّرة ومتقدِّمة، بمقاييس عصرها، ولا سيَّما بلاد العراق والشام ومصر”.
أقول: إنَّ هؤلاء العرب الفاتحين، انتقلوا من مرحلة البداوة إلى مرحلة التحضُّر، أي مجرد الاستقرار في المدن، -بدلاً من الترَحُّلِ المتواصل وراء الكلأ والماء- وليس الحضارة بمعناها الحديث المعروف اليوم. معنى ذلك أنَّهم لم يمرُّوا بمرحلة الزراعة بشكلٍ طبيعيٍّ، كما مرَّ بها أجدادُهم العرب ُ القدامى، الذين هاجروا قبل ذلك بآلاف السنين، بسبب الجفاف الذي حلَّ بالجزيرة العربيَّة في نهاية العصر الجليديِّ الأخير، قبل حوالى عشرين ألف عام. حيث قلَّتِ الأمطارُ فماتتُ الأشجارُ الـمُثمرة ونفقت الحيوانات البرية، التي كان الإنسان القديم يعتاش عليها. وقد أطلقنا على تلك الفترة “مرحلة البداوة الأُولى، وهكذا هاجر الكثير من سُكَّان تلك الأصقاع شمالاً، إلى منطقة الهلال الخصيب. وهناك اكتشفوا الزراعة، التي اقتضت الاستقرار بالأرض وبناء المساكن، التي تجمَّعت فشكَّلت قرىً ثمَّ مُدناً، حصل فيها تقسيم العمل، الآليِّ فالعضويِّ “نظريَّة دوركايم”، كعنصرٍ مهمٍّ في بناء الحضارة. وتمخَّضت تلك الثورة الزراعيَّةُ الناعمةُ، عن بناء أعظم الحضارات الأُولى في التاريخ البشريِّ، ومنها الحضارة السومريَّة والمصريَّة والأكديَّة والبابليَّة والآشوريَّة والفينيقيَّة وغيرها.
أمَّا البقيَّة الباقية من العرب التي تخلَّفت عن الهجرة إلى الشمال، فـتكيَّفت مع الجفاف بطريقةٍ أخرى؛ وهي التجوال في الصحراء؛ بحثاً عن الكلإ لتغذية قطعانها التي تعيش على منتجاتها أو لحمها، “مرحلة البداوة الثانية”. وهذا ما كان عليه الحال بالنسبة لمعظم العرب عند ظهور الإسلام. كما يمكن أن ينطبق هذا الحال اليوم على معظم مناطق الخليج وسكَّانها الذين انتقلوا بسرعة نسبيّة، من مرحلة البداوة- التي كانت وما تزال تتمسَّك بالانتماء العشائريِّ أكثر من الوطني إلى مرحلة “التحضُّر”، أيّ سكنى المُدُنِ، وليس “الحضارة”، بمعناها المعروف حاليّاً”.
وهو يرى بأن تلك الظاهرة الحاضرة ليست خاصة بمناطق الخليج وحدها، كما يقول ذلك في موضع آخر: “.. والعقلية العشائرية (العقل المجتمعي البدوي) ما تزال سائدة في بعض البلدان العربية ولا سيما في بلدان الخليج وفي العراق وسوريا والأردن وليبيا. وقد علمتُ مؤخراً أن بعض العشائر العراقية أخذت تطبق أعرافها العشائرية لفض النزاعات، فيما بينها. علماً أن المجتمعات الخليجية تمر اليوم بنفس المرحلة التي مرّ بها العرب بعد الفتوح الإسلامية”.
لكنه يرى بأن المجتمعات الخليجية هي الأكثر تماثلا مع ما تقضيه النظرية الثالثة، حيث خصّص لها فصلا مستقلا هو الفصل الرابع تحت عنوان: “نتائج الطفرة الخليجية”، وذلك في كتابه الثالث: “الأمة العربية الممزقة بين البداوة المتأصلة والحضارة الزائفة”، دراسة لتفسير الصراع بنظرة العقل المجتمعي.
لقد تحدثنا في المنشورات المتواضعة السابقة،أو بالأصح عرضنا في المنشورات المتواضعة السابقة، وبشكل موجز ويسير إلى تلك الفرضيات/ النظريات الثلاث التي أشار إليها الكاتب والباحث والمفكر الأعرجي، والتي من خلالها حاول الإجابة على الأسئلة الشائعة والمتكررة حول الأزمة الحضارية التي تعاني منها أمتنا العربية الحاضرة، ومن دون الدخول في تفاصيل تلك الحجج والبراهين التي أوردها في ثلاثيته تلك والتي تدعم وجهة نظره الخاصة حول ذلك، حيث أن المجال هنا لا يتسع لذكرها وتفصيلها، ولمن أراد الإطلاع عليها فما عليه إلا قرأتها.
وعليه.. وكما قلت في الجزء الأول من هذه السلسلة المتواضعة، بغض النظر عن الاتفاق أو الإختلاف مع ما ذهب إليه الباحث والمفكر الأعرجي في متلازمته الثلاثية في محاولاته تلك التي احتوتها، إلا أنها ومن وجهة نظري الشخصية المتواضعة، كقارىء ومهتم بما تعانيه أمته وكتواق للخروج مما هي فيها.. وعليها.. إنني أرى شخصيًا بأن ما احتوته تلك المتلازمة الثلاثية جدير بالقراءة من قبل أيّ شخص يهتم بأمر أمته..
وبغض النظر عن استخدامه لكلمة العقل المجتمعي العربي، وكذلك، بغض النظر عن توصيفه للعقل عموما، فاعل أو متفاعل، حسب رأيه طبعا، أو عقل مكون – بسكون الواو – أو مكون – بفتح الواو -، أو نقدي وتقليدي، ولو أنني شخصيا أفضل استخدام مصطلح: “العقل النقدي والعقل النقلي”، كتوصيف للعقل عموما، وذلك لأسباب خاصة من وجهة نظري الشخصية المتواضعة، وبحسب الأرضية المعرفية المتواضعة التي أدعي بأنني أمتلكها،..
وكذلك بغض النظر عن مدي صوابية أو خطأ تلك الفرضيات/ النظريات، كليا أو جزئيا وبدرجة أكثر أو أقل، وبخاصة نظريته الثالثة الخاصة بعدم مرور العرب بمرحلة الزراعة والانتقال من مرحلة البداوة المتأصلة إلى طور التحضر..
أقول بغض النظر عن ذلك كله فإن العقل العربي الحاضر، سواء العقل المجتمعي عموماً، والنخبوي منه على وجه الخصوص يعاني من إشكاليات عديدة ومتعددة ومتنوعة لزم إخراجه منها، تلك الإشكاليات العديدة والمتعددة والمتنوعة التي تعاني منها العقلية العربية الحاضرة مصدرها ومنبعها واحد؛ ألا وهو “وعي التخلف” و “وعي الظلامية” بكل سماتهما وخصائصهما ومظاهرهما وبكل شخوصهما ورموزهما وقواهما وأنظمتهما وثقافتهما، فهذا هو جوهر الإشكاليات العديدة والمتعددة والمتنوعة تلك، طبعا من وجهة نظري الشخصية، وأن الخروج من ذلك لا يمكن له بأن يكون ويحصل ويتم ويتحقق، إلا بعملية تفكيكية لهما، تزامنا مع بناء وعي تنويري حداثي يحلّ محلهما، وقد تحدثت شخصيا حول ذلك في كثير من المنشورات الشخصية المتواضعة على هذه الصفحة الشخصية المتواضعة…
الخلاصة:
يقول أحدهم: يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.. وأنا أضيف إلى ذلك، وأقول: يا أمة ضحكت من جهلها وتخلفها الأمم الأخرى، وأصبحت فريسة سهلة وسريعة وبسيطة لجميع المتربّصين بها وسائرة نحو الانقراض، إن لم تعِ تخلّفها وجهلها وتحاول الخروج من ذلك التخلف، وذلك الجهل بكل طاقاتها وقدراتها وبخاصة البشرية منها…
إن ما حدث ويحدث في أمتنا منذ العام 2011 م، ما هو إلا دليل واضح بأن أمتنا قد فهمت ذلك واستوعبته، وباتت تشعر وتحسّ بأنها في أمسّ الحاجة إلى الخروج مما هي فيها.. وعليها.. وأنها الآن تسير في الإتجاه والطريق الصحيح والسليم للخروج من كل ذلك، وأنها على أعتاب بوابة جديدة من تاريخها, وذلك سوف يؤتي نتائجه عاجلا أم آجلًا، مهما كان حجم وقوة المتربصين بها..  فالأمم الحيّة كأمتنا بحجمها وقدراتها وقدرتها وموقعها وبتاريخها، وقبل ذلك بآلامها وأوجاعها وجراحاتها ومعاناتها وآمالها وأحلامها وطموحاتها، وتوقها الى أن تكون أمة متقدمة ومتحضرة.. لا يمكن لها بأن تنقرض وتصبح أمة منقرضة…
إن ما حدث ويحدث منذ ذلك التاريخ، ما هو إلا البداية الصحيحة والسليمة لمرحلة الإنبلاجة التاريخية لأمتنا.. هذا هو إيماني ويقيني بأمتي، بإذن الله تعالى.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى