مقالات

فـي ذكـرى رحـيـل الـبـطـل الـعـربـي خـالــد جـــمـال عـبـد الـنـاصـر ​

الكاتب العربي الراحل محمد خليفة/ سوريا

“المدارنت”..
من مصادفات القدر أن يكون 15 ايلول/ سبتمبر ذكرى ميلادي, وذكرى رحيل الصديق د. خالد جمال عبد الناصر, رحمه الله.
في العادة لا أهتم أبدا بعيد ميلادي, ولا تعنيني المناسبة, ونادرا ما تذكرتها. أما البطل الراحل خالد عبد الناصر، فإنني ساكتب عنه اليوم في ذكرى رحيله متأخرا ست سنوات, معتذرا عن تأخري, بسبب انهماكي بالشأن السوري الذي ملك علينا جوارحنا كلها, واحتكر كل الوقت والإهتمام.
خالد عبد الناصر، بطل عربي من مصر، لم ينل ما يستحقه من الاهتمام, وأسهم في ذلك عزوفه شخصيا عن الاضواء والحديث عن نفسه, وقد بالغ في ذلك خوفا من التهمة الجاهزة له (استغلال اسم أبيه)، وكان حريصا دائما على تحاشي هذا الاستغلال, وكان حين يُسأل عن صلته السياسية بأبيه، يحرص على تقديم نفسه كأيّ عربي يؤمن بفكر وطريق الزعيم الراحل. وربما تحولت هذه الميزة (عقدة) في شخصيته، تضخمت بسبب تضخم ظاهرة استغلال أبناء الرؤساء العرب لمناصب آبائهم في تسعينيات القرن الماضي, بدءا من علاء وجمال مبارك, وصولا الى بشار وباسل الأسد, ومن قصي وعدي صدام حسين الى سيف الاسلام القذافي, وأحمد علي عبد الله صالح.. مع التشديد على الفوارق النوعية والضوئية بين هذه الشخصيات!
منذ أن تعرفت عليه في نهاية عام 1987، وحتى آخر مرة التقيته في عام 2005، كنت أطالب خالد، وألحّ عليه بدخول المعترك السياسي, وترشيح نفسه للرئاسة، وتحدي الديكتاتور العجوز حسني مبارك, وكنت أقول له: هذا واجبك كمناضل مصري وعليك ألا تتردد, وكان يرد: سيفسر الأمر كما لو أنني أحذو حذو جمال مبارك. وكنت أرد عليه: إبن مبارك هو مرشح أبيه, ويستغل منصبه للاستيلاء على الرئاسة, أما أنت فتترشح كمواطن مصري, وقد مضى على وفاة والدك سنين طويلة, وقد شققت طريقك المستقل عن أبيك, وكان ينهي الحديث: سأترشح.. ولكن لم يحن الوقت بعد.
وفي عام 2005، طلب مني زيارته في القاهرة، لمناقشة هذا الأمر بشكل جدّي وعملي. خصوصا، وأن الصديق أيمن نور، ترشح في تلك الدورة، فأغضب مبارك غضبا شديدا، دفعه لتلفيق تهمة مفبركة له والحكم عليه حوالي خمس سنوات, ثم اتفقنا على تأجيل الترشح الى الدورة التالية, وقلت للراحل: لن يجرؤ على إيذائك, وستجد التفافا شعبيا وسياسيا واسعا حولك.
في الواقع، لم يكن خالد، راهبا صوفيا معتكفا أو معتزلا للسياسة, وإنما كان يمارسها بهدوء ومن خلف الأضواء, وكانت له “هيئة أركان” من خيرة الرجال المعارضين, فرغم تمسكه بطريق أبيه العروبي, إلا أنه كان حريصا على الخروج من عباءة أبيه, ولا يريد أن يعامله الناس كامتداد عضوي لجمال عبد الناصر, أو وريث سياسي له, وكان أكثر ما تميز به في هذا الصدد صداقته الوثيقة مع جماعة الإخوان المسلمين. ولنفس السبب كان يعتذر عن تلبية عشرات الدعوات لزيارة دول وزعماء ومنظمات توجه له بصفته إبنا للرئيس الراحل!
وحين حزم أمره وقرر ممارسة السياسة بعد (كامب ديفيد)، مارسها بطريقة ثورية لا بطريقة نمطية, وتنطوي على أعلى درجات المخاطرة, الأمر الذي يؤكد طبيعة شخصيته وبصمته المميزة, وتلخص توجهاته السياسية: التصدي للوجود “الاسرائيلي” (الصهيوني) داخل مصر, باعتباره وجودا معاديا محرما, رافضا معاهدة كامب ديفيد وما ترتب عليها من تبادل للعلاقات الديبلوماسية ومن تطبيع, فأسس منظمة (ثورة مصر)، بالتعاون مع صديقه الراحل محمود نور الدين، رحمه الله بهدف ضرب “الاسرائيليين” (الصهاينة).

الراحل خالد جمال عبد الناصر

وأود التأكيد والجزم على أن كل ما كتب ونشر عن علاقة خالد، بتنظيم “ثورة مصر”، يظل حتى اليوم ناقصا وغير واف, وأتعهد بنشر المعلومات الدقيقة التي حصلت عليها منه شخصيا, وكما رواها لي وسجلتها بحضوره على الورق بطريقة رمزية، لكي لا يفهمها أحد سواي أو يستفيد منها أحد إذا وقعت بيد أي شخص آخر.
تعرفت عليه بعد انكشاف (ثورة مصر) من قبل المخابرات الأميركية عام 1987، وخروجه من مصر بناء على نصائح بعض أصدقائه، ولجوئه الى يوغوسلافيا في ديسمبر من ذلك العام, فزرته في بلغراد كصحافي, وقضيت معه عدة ساعات، وأجريت تحقيقا عنه نشرته في (مجلة) “الشراع”. وبسرعة لافتة فعلت (الكيمياء الشخصية) فعلها وتاثيرها، وصرنا نتبادل الاتصال الهاتفي يوميا.
كنت أعيش في أثينا في تلك المرحلة, وكانت المسافة قريبة بيننا, فصرت أزوره كل شهر مرة, وغالبا ما كنت أنزل في بيته, وقمنا بنشاط سياسي واعلامي للدفاع عنه في العالم العربي, والتقيت عنده بمحاميَيه الراحلين النقيب أحمد الخواجة والمفكر الكبير د. عصمت سيف الدولة رحمهما الله, فضلا عن تعرفي عن قرب على جميع افراد أسرته, شريكته العظيمة السيدة داليا فهمي, وأبنائه الرائعين: جمال وتحية وماجدة.
ثم توثقت العلاقة أكثر، فكنا نتحادث عدة مرات كل يوم، وكان يستشيرني في كثير من المسائل العربية, وطلب مني مرافقته في بعض زياراته للدول الأجنبية. وبعد عودته الى مصر في منتصف 1990، زرته عدة مرات, وفي آخر زيارة أصر على أن أنزل عنده في البيت, كما كنت أفعل في بلغراد, ولكنه كان يطلب مني ألا أحدث أحدا عن ذلك ويبرره: (لكي لا يغار منك الاصدقاء .. انا لا استضيف أحدا في بيتي.. أنت حالة استثنائية)!
وأذكر أنني منذ أن توثقت العلاقة عام 1988، كنت دائما ألح عليه ليبوح لي بأسرار (تنظيم ثورة مصر)، وكان يرفض أو يؤجل.. ثم وافق بعد سنتين.
ذهبنا الى مطعم يقع في غابة منعزلة خارج بلغراد, تناولنا الغداء ثم احتسينا القهوة، وأخذ يسرد لي الوقائع منذ أن كان التنظيم فكرة حتى أصبحت تنظيما فاعلا. وقد سجلت كل ما قاله لي على الورق بحضوره, وبطريقة مشفرة ومرمزة. وعندما انتهينا طلب مني عدم نشر شيء قبل أن يأذن لي, لأن القضية كانت ما تزال منظورة أمام القضاء المصري, وما يزال هو شخصيا قيد الملاحقة الأمنية من المخابرات الاسرائيلية (الصهيونية) والاميركية .. وغيرها!
وسألته عن نشرها بعد سنوت، فقال لي أرجو أن تتمهل قليلا..!
أما الآن، بعد أن رحل هو، وسبقه الشهيد محمود نور الدين، ونشر الكثير عن القضية، فقد حان الوقت لنشر القصة كما رواها لي بلسانه, واتعهد بإعدادها ونشرها في إحدى الدوريات المصرية أو العربية قريبا!
رحم الله البطل خالد جمال عبد الناصر, مؤسس وقائد (تنظيم ثورة مصر)، الذي رحل عن الدنيا في 15 ايلول/ سبتمبر 2011، بينما كانت ثورات الربيع العربي في أعلى درجات عنفوانها وعصفها وبهائها. وكان قد أصيب في السنوات العشر الأخيرة من حياته، بورم خبيث في رأسه، وأجرى جراحة ناجحة في مستشفى الجامعة الاميركية في باريس, ثم اصيب بالكبد, وأجرى جراحة معقدة في أحد مشافي لندن, ولكن المنية أنشبت أظفارها، ولم يعد الطب يجدي نفعا.
والجدير بالذكر، أن الراحل كان مهندسا مدنيا متخصصا بتخطيط المدن، ذائع الصيت على الصعيد العالمي, عمل استاذا في جامعة القاهرة, وشارك في عشرات المؤتمرات العلمية العالمية وعمل مع شركات عالمية.
ذات مرة سألت الكاتب الصحافي الراحل محمد حسنين هيكل: أيّ أبناء عبد الناصر الأقرب اليه..؟ فأجابني: للأسف أولاد عبد الناصر لا يشبهونه أبدا.. بل إنهم أبعد ما يكونون عنه. فأعدت السؤال: ولا خالد.. ؟ فرد بحسم: .. ولا صديقك خالد!
وفي رأيي، أن خالد، صنع ملحمته الخاصة، بمعزل عن اسم أبيه، وبعد وفاته بخمس عشرة سنة.. سواء شبهه أو لم يشبهه, وهو كما ذكرت، كان يسعى دائما لفك الحبل السري الذي يربطه به, وكان متمسكا بمبادئه، ولكنه كان يتصرف باستقلالية واعية وناضجة، وبثقة نامة بنفسها.
المصدر: صفحة الراحل محمد خليفة على منصّة “فيسبوك”.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى