في الذكرى 104 لميلاد جمال عبد الناصر.. “الناصرية والدين”.. الجزء الأول.

خاص “المدارنت”..
مع حلول الذكرى 104 لميلاد الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر، ينشر موقع “المدارنت” دراسة: “الناصرية والدين”، للباحث والمفكر والكاتب العربي د. مخلص الصيادي، التي يتطرق فيها الى رؤية جمال عبد الناصر الى الدين والإيمان، وفهمه للإسلام، ولا سيّما بعد أن تجرأ بعض “المتأسلمين على عبد الناصر وفترة حكمة لأرض الكنانة، وبلغ ببعضهم الحقد، حدّ تناوله شخصيًا، والتشكيك بإيمان عبد الناصر، وبإسلامه. نتمنى أن تقدم هذه الدراسة الموجزة والمعبّرة/ على الرغم من غناها، وتسليطها الضوء على كل ما يمرّ في مخيلة القارىْ/، بعضّا من الوضوح لأصحاب النوايا الحسنة والسيئة على السواء. وإجابات على تساؤلات تراود فكر المهتمين من الشباب العربي والمسلم.. (المدارنت).
كتب د. الصيادي… يكاد يجمع الباحثون على أن ثورة 23 يوليو دخلت بمصر وبالأمة العربية ، في مرحلة جديدة، وتجربة جديدة، كان لها تجلياتها على المستوى الدولي، ومثلت عنوان مرحلة كاملة بخصائصها، وخياراتها التي لم تقتصر على النطاق المحلي، وإنما امتدت إلى النطاق الدولي، حتى ليصح القول إنه مع ثورة يوليو كان العالم يشرف ـ بفعلها وبفعل ما رافقها من أحداث ـ على أبواب عهد جديد .
كذلك يكاد يجمع المراقبون أيضا على أن الهزيمة التي منيت بها الثورة وكشفت عن طبيعتها، ومداها عقب حرب رمضان ومسيرة الارتباط بالولايات المتحدة، أدخلت مصر وثم الأمة العربية في خضم مرحلة جديدة ما زالت تعيشها حتى الآن، وترافقت هذه أيضا مع تطورات دولية جذرية عمقت من تلك الهزيمة، ووضعت الأمة في حالة من عدم التوازن ، والإهدار لطاقاتها، ومواردها، ومخزونها الحضاري قد لا يكون لها مثيل ، أو سابقة.
وإذا كانت قوى الأمة قد انقسمت في زمن ثورة يوليو بين مؤيد للثورة، ومعارض لها وإذا كانت شواهد التاريخ الحاسمة تقول إن القوى الاجتماعية الأساسية وقفت مع الثورة في كل ما دخلته من معارك ومراحل وخيارات، وأن القوى الشعبية المنظمة كانت تلاحق هذا الانحياز الشعبي وتحاول أن تتمثله، وتعبر عنه، فإن قوى عديدة منظمة كان يجب أن لا تقف ضد الثورة لكنها وقفت ، وكان يجب ألا تعادي الثورة، لكنها عادتها، وكان يجب ألا تصطف إلى جانب القوى التي حاربت الثورة وتحالفت مع الغرب الاستعماري في مواجهتها ، لكنها فعلت ذلك ، وإذا كان من الطبيعي أن تكون هذه القوى هي المسئولة عن مواقفها وخياراتها ، فإن مما لا يجوز إهماله أن الثورة وقواها كانت كذلك مسئولة عن هذا الوضع، وفي الحد الأدنى فإن مسؤوليتها تنبع من المكانة التي وضعت نفسها فيها باعتبارها قائدة التغيير والمسئولة عن القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة فيه ومالكة أدوات التغيير الرئيسة “الدولة: المؤسسات, والشرعية ، والقوة ، والموارد”.
وعند هذا المعيار الفارق بين الثورة، ومن عارضها، فإنه لا تساوي، وإن المسؤولية الأساس هي مسؤولية من يملك الدولة والقرار والإمكانيات.
من هي القوى التي نتحدث عنها هنا؟
**هل هي قوى الإسلام السياسي؟! ويبرز هنا على وجه الخصوص جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وامتداداتها العربية.
**هل هي قوى المصالح الإقليمية؟!
**هل هي القوى اليسارية الماركسية؟!
**هل هي القوى الشعبية العامة التي وجدت مصالحها في الثورة، وتجاوبت معها، وأعطتها كل ما تختزن من طاقاتها ثم لم تستطع الثورة أن تحسن استخدام هذه الطاقات فأضاعت قسما كبيرا منها في أروقة البيروقراطية،
**هل هي القوى التي شاركت في صناعة الثورة، ثم اختلفت مع جزئيات من حركتها فعزلت وأبعدت وتعطلت حركتها في وقت كانت تنمو فيه وتتمدد قوى انتهازية لا ارتباط حقيقي لها بالثورة وأهدافها؟!
في التدقيق نستطيع أن نقول إنها كل هذه القوى، وقد نجد كلما أمعنا النظر والتمحيص قوى أخرى، كان يمكن، أو كان يجب أن تكون مع الثورة، أو أن تستطيع الثورة أن تجعلها جزء من حركتها اليومية والاستراتيجية، وأن تطورها وتتطور معها لتكون في النهاية جزءا طبيعيا منها.
كل ما سبق حديث عما مضى، لكن هدفنا فيما نريد ليس الحديث عن الماضي على أهمية ذلك الحديث في تقويم النظرة، وتسديد الذاكرة، وإنما التطلع إلى المستقبل، وهذا التطلع من أهم نواتج بل ودوافع النظر في الماضي، في التاريخ ،وإعادة قراءته وتفكيك رموزه، وأحكامه لاستخلاص الحقائق منها،
وقد نكون نحن المنتمين إلى تلك المرحلة، الذين نرى تاريخنا وخياراتنا، وحيويتنا فيها وفي رمزها ، وفي أعلامها، وفي معاركها، قد نكون نحن الأولى في إنجاز هذه المهمة ، والمسئولين أكثر من غيرنا عنها. ما دمنا نعتقد أن المستقبل الممكن لهذه الأمة لابد أن يكون متصل ومرتبط أشد الارتباط بتلك التجربة والمرحلة والثورة.
وقد اخترت أن تكون زاوية المراجعة هي الزاوية الدينية، أي هي موقف الثورة من الإيمان بالله، ومن الدين عموما، والدين الاسلامي على وجه الخصوص، وأعتقد أن هذه الزاوية هي الأهم لعمقها في حياة الأمة العربية، ولمكانتها عند كل فرد في هذه الأمة، وكذلك للأهمية البالغة التي اكتشفها الجميع في كل أنحاء العالم وفي كل المجتمعات للدين في وجود الإنسان وفي حياته، وأخيرا لما شهدناه ونشهده في من استخدامات متناقضة ومتصادمة ومدمرة لهذا العامل المؤسس في وجود حياة الإنسان والمجتمعات.
إن المراجعة التي أدعو إليها ، وأبدأ بها هنا، جاء جزء منها في إطار جهد أكاديمي قمت به قبل عدة سنوات، وجاء جزء آخر مساهمة وتلبية لدعوة من أخوة أرادوا المساهمة والخوض في هذه المسألة.
ولأنني أعتقد أن الحديث عن الناصرية والإسلام هو في الجوهر حديث عن عبد الناصر والإسلام ، باعتبار هذا القائد هو رمز الثورة ومجسدها، وكان دائما الأقدر في التعبير عنها، وكان بحق المسؤول عن إنجازاتها وإخفاقاتها، وجاء الالتفاف الشعبي حول الثورة التفافا حوله، وحول رؤيته، فإنني اخترت أن أتناول هذا الموضوع من أربع زوايا محددة تصنع في مجموعها الاستهداف الذي أريد:

1ـ الإسلام في فكر جمال عبد الناصر.
2ـ الإسلام في ثورة جمال عبد الناصر “أي في معترك الحياة التي راح يصنعها”.
3ـ الناصرية والنظام الإسلامي.
وقد جعلت كل زاوية من هذه الزوايا في حلقة خاصة على أمل أن تثير مناقشات ونقد يزيدها ثراء وتقويما وصوابية، ويسمح بإعادة صياغتها لاحقا لتستوعب ذلك كله.
الإسلام في فكر جمال عبد الناصر
لم يكن جمال عبد الناصر صانع ايدولوجيا، أو فلسفة، أو منشأ لها، ولم يدع ذلك يوما ما، ولكنه كان يبني نظرية تغيير تبدأ بمصر إقليمه الذي يعيش فيه، ويمسك مقدراته، وتمتد لتحيط بالأمة العربية، ثم الإسلامية، والإفريقية، في نطاق ما يدعى بالعالم الثالث، وفي مواجهة احتياجات التقدم والاستقلال
لذلك لم يجد نفسه مضطرا للخوض فيما بدأ به عادة أصحاب الفلسفات من محاولة الإجابة عن الأسئلة الأولى حول العالم، والأسبقية، وأولوية الخلق، أو ما يحاول أصحاب الإيديولوجيات إقامته من أبنية فكرية ـ نظرية، تكًون فيما بينها كلا منسجما متكاملا حتى ليخيل لأصحابها أنها تجيب على كل شيء.
فعنده أن رسالة الإسلام “رسالات السماء” أجابت عن كل هذه التساؤلات إجابات واضحة وقاطعة، وأنه ما من أحد ملك ما هو أكثر رسوخا من تلك الإجابات، أو حتى قاربها بدرجة اليقين أو المصداقية.
كذلك لم يجد نفسه بحاجة لأن يثبت إسلامية المجتمع المصري، لذلك لم ينظر إلى مسالة الاسلام: الدين، في المجتمع نظرته إلى إشكالية تحتاج إلى حل وعلاج، كما نظرت بعض التيارات السياسية الدينية أو المضادة لها، وإنما نظر إلى هذه المسالة نظرته إلى طاقة عظيمة مودعة في قلب هذا الشعب، كان لها في الماضي شأن عظيم، ولها في حاضر هذه الأمة، وكذلك في مستقبلها الشأن نفسه.
وعنده أن المجتمع المصري مجتمع مسلم بالفطرة، وليس مجتمعا جاهليا ، وإذا ما وجدت انحرافات أو شذوذ فهي أمور جزئية تتعلق بظواهر غير مستقرة، أو بظروف مادية على الثورة أن تغيرها، أما ما كان يشد نظره دائما فهو ضرورة التنبه واليقظة إلى كل ما يمكن أن يعطل هذه الطاقة العظيمة، أو يعوق عملها واندفاعها، أو يحرفها عن طريق الطريق الصحيح وفق ما يرى، وفي هذا السبيل فقد وجهت فكره في المسألة الدينية مفاهيم رئيسية نضعها في نقاط محددة.
1ـ الدين والفكر الديني
مما يلاحظ بوضوح أن جمال عبد الناصر ما وقف يوما يتحدث أو يعالج مسألة دينية إلا وفرق بين الدين والفكر الديني، فينما هو يسلم بالأول فإنه يقف أمام الثاني وقفته أمام منتج اجتماعي يتأثر بكافة العوامل التي تتأثر بها الحياة الاجتماعية، فالفكر الديني هنا جزء من البنية الاجتماعية، وكما نرى في هذه البنية فكرا تقدميا، وآخر رجعيا، فكرا يريد أن يقلب الواقع ويغير موازينه، وآخر يرى وظيفته في الحفاظ على هذا الواقع، فإننا نرى فكرا دينيا تقدميا، وفكرا دينيا رجعيا، وهذا وذاك تتحكم فيه العناصر نفسها التي تتحكم بمختلف قوى الصراع والتأثير في المجتمع.
هذا التفريق بين الدين والفكر الديني، بين الفكر الديني التقدمي، وبين الفكر الديني الرجعي يمكن اعتباره دليلا إضافيا على الزاوية التي نظر من خلالها جمال عبد الناصر إلى المسألة الدينية، وهي زاوية مهمته “كقائد تغيير” أو كمحرك لطاقات المجتمع في اتجاه محدد.
لقد رسخ في عميق تفكيره أن الدين “الإسلام أساسا”، وأديان السماء كلها، تتطابق ومفاهيم العدل والتقدم والكرامة، بل هي منشئة لها ، لذلك كان مجرد اصطدامه بالظلم أو الاستغلال أو الاضطهاد أو التبعية أو التخلف، يعني اصطدامه بما ينافي جوهر الأديان والدين الاسلامي على وجه الخصوص، ومن هذه الزاوية لم يُؤخذ كثيرا بالشعارات التي كانت القوى السياسية ترفعها، أو كانت الدول المختلفة والتكتلات المختلفة ترفعها، وإنما كان بصره مشدودا إلى جوهر ممارستها، لذلك نراه يتحالف مع حركات دينية إسلامية ويتصادم مع أخرى، ويتحالف مع دول إسلامية ويتصادم مع أخرى، ولم يكن معياره في هذا الموقف أو ذاك إلا تطابق مواقف هذه الحركات والدول مع قوى التغيير واتجاهاته، أي تطابقها مع ما أشارت إليه مقاصد الشريعة الإسلامية اجتماعيا، والمتتبع لسياساته الخارجية يلحظ مباشرة أن إسلامية الدولة أو القوة ليست الفيصل لديه في الوقوف معها أو ضدها وإنما عدالة موقفها أو تماشي هذا الموقف مع الحق والعدل.
2ـ الوحدة الوطنية ـ المواطنة
طرح جمال عبد الناصر بوضوح ودون أي مواربة رؤيته لعلاقة المواطنة بالدين، فنفى أن يكون الدين محكا أو معيارا يحتكم إليه في تقريرها، فعنده أن الوطن: مصري كان أو عربي وأي وطن، يتشكل من مجموع مواطنيه، على اختلاف أديانهم: مسلمين ومسيحيين ويهود أو أي ديانة أخرى، وأن محاولة بناء الوطن على غير هذه القاعدة محاولة تخريب لطاقات وإمكانيات عظيمة سيؤدي اجتماعها إلى دعم طاقات التغيير في الوطن، والى تحقيق استقلاله ووحدته ونموه، لذلك اعتبر جمال عبد الناصر أن القوى التي تقف ضد بناء الوطن على هذه القاعدة، أو تعمل على التلاعب بهذه القاعدة، هي قوى مدمرة ومضادة للوطن، ويأتي في مقدمة هذه القوى الاستعمار العالمي، والرجعية، ولم يعن طرحه إهمال أو عزل المسألة الدينية، وإنما أراد تجنيدها لدعم وحدة الوطن وأهدافه، واعتبر هذا جوهرا أصيلا فيها ،لقد امتدت رؤيته لهذه المسألة إلى المسالة الطائفية، فكان يرفض تقسيم الأوطان أو إنشائها على أساس طائفي، كما كان يرفض إقامة السلطة أي سلطة على أساس طائفي أو مذهبي، إن هذا لا يعني إهماله للوجود الموضوعي للطوائف والمذاهب، وتأثيرات هذا الوجود على الكيان السياسي، ولكنها عنى بدقة عدم صلاحية هذه التقسيمات في إقامة دولة وفي إقامة مجتمع متماسك، والذي يتتبع سياسة عبد الناصر في إفريقيا، ودعمه لحركات التحرر في الصومال وفي تنزانيا وفي نيجيريا، يدرك هذه الخط الواضح في سياسته، كذلك من اضطلع على تفاصيل موقف قيادة ثورة يوليو وتوجيهاتها فيما يخص مشروع الثورة الإيرانية، وفيما يخص نظرة هذا المشروع للمذهبية الشيعية وللعرب الشيعة في العراق يكتشف عمق ووضوح نظرة هذه القيادة للقضية الطائفية. “إن الوثائق تكشف تفاصيل مهمة حول هذا الجانب من رؤية الثورة ويمكن تلمس بعض منها في كتاب محمد فائق: “عبد الناصر والثورة الأفريقية”، وكتاب فتحي الديب: “عبد الناصر والثورة الإيرانية”…. (يتبع).


