في ذكرى رحيل الكاتب الصحافي النقي إبراهيم بيتموني
خاص المدارنت”..

رحل عن عالمنا في مثل هذه الأيام، ومنذ ما يزيد عن ست سنوات خلت، رجل من الرجال والكتّاب الصحفيين السوريين، الذين سكن الوطن فيهم وأبى أن يغادرهم، هو الأستاذ إبراهيم بيتموني/ أبو حسان، بعد أن ملأ الحيوات من حوله ثقافة ومعرفة، وعمل في مهنة المتاعب بحنكة وروية وشجاعة في نفس الوقت، لم يهادن نظام الاستبداد، ولم يتهوّر خارج المنطق الوطني أو السياسي، فراح يواكب الحالة الوطنية السورية ضمن منعرجاتها المتلاحقة، فأنتج العديد من الكتب، وترك إرثًا ثقافيًا للمكتبة العربية، كسلسلة “الأيام العربية”، ما نزال نعتز بها، وننهل من معينها.
غادر عالمنا “أبا حسان”، وهو ابن دمشق البار لمدينته ووطنه السوري، ولكل ذرة تراب في الوطن الجريح، بعد أن اكتحلت عيناه برؤية دمشق التي أحبّ وعشق، تثور وتنتفض ضدّ طاغية العصر، وضدّ سلطة الاستبداد.
عندما رحل الكاتب والصحافي النظيف وعاشق الحرية ابراهيم بيتموني، بعد عمر أمضاه بالجدّ والتعب المضني، نقابيًا صلبًا، وصحافيًا قلّ نظيره، كان قد ترك لنا ذاك الإرث الكتابي المهم، وهو الذي لن ينساه كل من عرفه، وكل من قرأ له، رحل “أبا حسان” وعيونه تنظر إلى الأمام، وقلبه ينزف ألمًا، على وطن سوري يغرق بدمائه، ويفقد كل يوم الكثير من أبنائه الميامين.

عمل الأستاذ ابراهيم بيتموني كصحافي نظيف، طاهر اليد واللسان والقلم، لم يفقد البوصلة يومًا، ولم يقبل بما قبل به غيره، عبر المضي بانزلاقات الطريق الشائكة، فكان مِمّن يفرض الاحترام على كل من يلقاه، وهو ابن الياسمين الدمشقي الأصيل والفواح، دمشق نزار قباني، وقمر كيلاني، وألفة الادلبي، وسواهم من أدباء دمشق، الذين سيذكرهم الزمان بأحرف من نور. نعم إنه من ذاك الجيل الذي لا يمكن للمرء المنصف أن يتجاوزه، ولا أن يتجاوز رؤياه الوطنية الديموقراطية العروبية، ولا أن يتخطّى دماثة خلقه، وأناقة معشره، وطيب نفسه.
كم كان مريحًا لي ولنفسي القلقة، ومع استفحال إيغال آل الأسد في الدماء السورية من قبل نظام الفجور السوري، أن أرفع سماعة الهاتف، فأجد ذاك الصوت الدمشقي الأصيل، وبعمره ومكانته، ليقول “لا شيء سوى الاطمئنان عنك، وعن أسرتك، وعن أخبار الوطن السوري لديك، وبين ظهرانيك، الوطن الذي أحببت وأحببنا بلا آل الأسد، ولا إيران دولة الملالي”، كم كان هذا الاتصال يؤنسني، ويجعلني أنسى “ولو قليلًا” الوجع المقيم، الذي يحيط بنا جميعًا كسوريين، حيث ما زلنا نئن تحت وطأته وفداحته.
رحلت صديقي وأستاذي إلى عالم آخر، يخلوا من البطش، والتعدّي على الحريات، وكسر أصابع الصحفيين الأحرار، فقد كنت رجلًا لا يمكن أن ينسى، ولسوف تظل في البال والخاطر، ما دامت أفكارك باقية، وتعلقك بالعروبة والإسلام، كصنوين متلازمين، مستمرة وضرورة يومية، لهذا الوطن الغارق في آلامه، إلى أن نلقاك هناك حيث الكلّ في الواحد، ستظل الصحافة النزيهة تذكرك، وسيبقى القلم الطاهر النقي والجريء، معلمًا مستقبليًا، ينهل من معين النموذج والأمثولة من الكتاب الأنقياء، في زمن عزّ فيه النقاء، وقلّ فيه الشرفاء، لا نامت أعين الجبناء، الذين ما يزالون يمارسون كبت الأنفاس، واعتقال الصحفيين، وقتل المدنيين، وتدمير الوطن فوق رؤوس ساكنيه، وبيع سيادة الوطن للإيرانيين والروس، ومن يمكنه أن يشتري في سوق النخاسة السورية ـ الأسدية.



