في عمق جوهر الصراع

خاص”المدارنت”..
إن أيّ عملية تغييرية.. في المجتمعات المتخلفة والجاهلة والغير متجانسة اجتماعيا، التي تعيش وتعاني من وعي التخلف, أفرادا عاديين ونخبا.. ومثقفين, سلطة ومعارضة, تسيطر عليها وتتحكم بها تلك الأنظمة الاستبدادية الاستعبادية الشمولية التسلّطية الطغيانية، “أنظمة العصبيات الضيقة والمقيتة”، لا يمكن لها بأن تكون عملية تغييرية حقيقية تنويرية إلا إذا كانت تهدف بالأساس وبالدرجة الأولى والأخيرة، إلى إخراج تلك المجتمعات.. من وعي التخلف إلى وعي التنوير, ولن يكون ذلك ممكنا إلا إذا كان الصراع الدائر فيها هو صراعا بين مشروعين, مشروع تقليدي عصباوي ضيق ومقيت ومتخلف ممثلا برموزه المتمثلة بتلك القوى التقليدية العصبية الضيقة والمقيتة والمتخلفة والجاهلة, سلطة تقليدية…ومعارضة تقليدية…, والتي تسعى جاهدة وبكل الإمكانيات المتاحة لها, مادية كانت أم معنوية أم كليهما معا, على العمل في سبيل الحفاظ على بقائها واستمراريتها وضمان مصالحها الذاتية العصبية الضيقة والمقيتة… عبر الحفاظ على تلك الدولة التقليدية، دولة العصبيات الضيقة والمقيتة..
ومشروع تنويري حداثي، ممثلا برموزه المتمثلين بتلك القوى التنويرية الحداثية, التي تسعى جاهدة وبكل الإمكانيات المتاحة لها, مادية كانت أم معنوية أم كليهما معا, على العمل في سبيل تقويض تلك الدولة التقليدية، “دولة العصبيات الضيقة والمقيتة، دولة الواقع”، ومن ثم العمل مجددا على إعادة بناء تلك الدولة التقليدية المنهارة على أسس مدنية حديثة لتشكل وتتشكل نتيجة لذلك “دولة الحلم”، المتمثلة بالدولة المدنية الحديثة بركائزها الأساسية… بمعنى أن الصراع في تلك الحالة يكون بين مشروعين متضادين جوهريين, فكريا ورؤى, عندئذ نستطيع بأن نقول بأن ذلك الصراع الدائر هو صراعا حقيقيا، نستطيع بموجبه ووفقا له أن نحدد موقفنا تجاهه وموقعنا فيه.. الخ.
وعليه، فإننا إذا نظرنا وبعمق إلى الصراع الدائر في مجتمعنا العربي،وبحيادية تامة، وبعيدا كل البعد عن العاطفية…وعن التعصب…, لوجدنا بأن ذلك الصراع الدائر الآن ما هو إلا صراعا دائرا في إطار المشروع الواحد, المشروع التقليدي العصباوي الضيق والمقيت.., وليس بينه وبين المشروع التنويري الحداثي الأوسع, ممثلا برموزه التقليديين, سلطة ومعارضة, كل يرى لنفسه الحق في إرث تلك الدولة التقليدية… المنهارة, أو كل يحاول ولو بالقدر البسيط الحفاظ على مكاسبه ومكتسباته الذاتية العصبية الضيقة والمقيتة…, والأدهى من ذلك كله والأمر ,والأنكى منه والأفظع, أن من كانت تسمي نفسها بـ”القوى التنويرية الحداثية”، سواء تلك التي كانت في المعارضة أو بعضا ممن كانوا في السلطة المنهارة, والذين ظلوا لفترة زمنية ليست بالقصيرة، يتغنون ويكتبون وينظرون للدولة المدنية الحديثة…, وجدناهم مشاركين وبقوة ومنغمسين في الصراع الدائر, متنكرين لكل المبادئ التي ظلوا يناضلون من أجلها, ومتنكرين وجاحدين لزملاء النضال والكفاح وتركهم وحيدون يلقون مصيرهم البأس ويلاقونه… الخ.
كل ذلك حدث ويحدث، لأنه وببساطة شديدة لأنهم جميعا, نخبا! معارضة! ونخبا! سلطوية! نتاج ثقافة واحدة وموروث واحد ممثلا ومتمثلا بـ”وعي التخلف”، الذي يسيطر عليهم ويتحكم بهم, وعيا وسلوكا, قولا وعملا، ذلك الوعي، “وعي التخلف”، بما هو كائن, وبما ينتج عنه ويترتب عليه…
إنها “ظاهرة الفرز والغربلة”، التي تعتبر من أهم مظاهر “مرحلة التيه العروبي”، التي أسمّيها أنا شخصيا.
الخلاصة:
إن المجتمعات التي أنجبت تلك القوى المتخلفة… ممثلة برموزها والتي تحمل تلك الأفكار والمعتقدات والرؤى المتخلفة، التي تعتبر نتيجة طبيعية وحتمية تاريخية، وانعكاسا حقيقيا وطبيعيا لوعي التخلف الذي تعيشه وتعاني منه, وعيا قبل سلوكا, أفرادا عاديين ونخبا… ومثقفين.. الخ, لهي نفسها القادرة أيضا على إنجاب تلك القوى التنويرية… ممثلة برموزها التي تحمل أفكارا ورؤى تنويرية وتؤمن بها, وعيًا وسلوكًا, وتسعى جاهدة على تنوير تلك المجتمعات المتخلفة الجاهلة، غير المتجانسة اجتماعيا، وذلك عبر نشرها تلك الأفكار والرؤى التنويرية، ومحاولة تنوير عقليتها لتشكل أخيرا ويشكل وفقا لذلك ونتيجة له، وعيًا تنويريًا يرقى بها إلى مستوى تلك المجتمعات المتقدمة والمتحضرة التي سبقتها….
وإن غدا, بإذن الله تعالى, لناظره أقرب وأفضل،طال الزمن أم قصر، شاء من شاء وأبى من أبى..
وما تاريخ المجتمعات…, قديمه وحديثه, إلا خير دليل وانصع برهان وأقوى حجة دامغة, لليأسين والقانطين والمحبطين, على ذلك.. إلخ.




بالعلم والمعرفة تتكسر كل التابوهات والقيود وتتحول المخاوف قوالب وكبسولات وشرنقات لدعاة الجهل والقداسات المفرغة….
دمتم بألف خير ونور