قراءة في السياسة الخارجية الإيرانية الجزء “5”

//خاص المدارنت//… وفقاً للمراجع التاريخية وكل الأبحاث الحديثة الأوروبية، استلم شارلمان الخامس رسالة شاه اسماعيل الأول بعد سنتين، التي ذكر فيها أن العثمانيين كانوا يسيطرون على الطرق بين الشرق وأوروبا، وأنه من الصعب الاتصال بين الدولة الصفوية وبين حكام أوروبا، وذلك لا شك كان صحيحاً. أما عن جواب شارلمان على رسالة اسماعيل، سنتطرق اليه في الجزء القادم حيث سنوضح أن الملك الصفوي كان يعطي الأهمية للمفاهيم السياسية والسلطوية، وأن البعد الديني كان الثالث أو الرابع في أولويات علاقاته السياسية مع الدول الأخرى.
حسب العديد من كتب المؤرخين الغربيين، إن الهجمات العديدة للدولة الصفوية من الشرق ضدّ العثمانيين، والتي جرت خلال عدة عقود، كانت تؤدي الى تخفيف أو إضعاف الهجمات العثمانية على أوروبا. وعندما نعلم أن هذه الهجمات تواصلت بعد سقوط الدولة الصفوية عام ١٧٣٦م، في عهود الدولة الأفشارية (١٧٣٦-١٧٩٦) والدولة القاجارية (١٧٩٦-١٩٢٥)، سنستنتج أن ذلك كان سياسة ثابتة في الدولة الإيرانية. فهذه الدولة بكل أنواع حكامها، كانت دولة قومية، والدين لم يلعب دوراً أساسياً في سياساتها الخارجية، بل كان موظّفاً في خدمة الدولة ومصالحها.
إذ أن الأسر الحاكمة في إيران، على الرغم من أنها لم تكن فارسية وإنما كانت من أصول تركية، فإنها تبنّت واحتضنت الثقافة الفارسية والعقلية الامبراطورية الفارسية. وكانت سياستها الامبراطورية في كثير من المراحل التاريخية، بعيدة كل البعد عن الدين الاسلامي، وعمّا يُسمى التقارب الاسلامي والوحدة الاسلامية، أو وحدة المسلمين المطلوبة في عقيدتهم.
هذا ما يمكن ملاحظته في ما كتبه مثلاً شاه اسماعيل، في رسالته الى شارلمان، ناقداً ثم مشجعاً لحكام أوروبا المسيحيين، ألاّ يقاتلوا بعضهم بعضاً، وأن يتوحّدوا في مواجهة العدو العثماني المشترك، ومؤكداً له إنه رفض طلب سلطانهم الاتحاد ضدّ الأوروبيين.
ونستدرك هنا بالقول، إن استخدامنا للصفات الدينية الاسلامية والمسيحية، يأتي في إطار الكتابة التأريخية لما كان سائداً ومستخدماً من قبل صانعي ذلك التاريخ، وليس تعبيراً عن مواقفنا.
لكن، على الرغم من هيمنة العبارات والشعارات الدينية آنذاك، لم يكن الدين في صلب معتقدات وسياسات الدولة الصفوية، التي كانت تحارب أيّ شيء يعرقل الهيمنة الإيرانية وتوسّعها على حساب الشعوب الأخرى. ومن أجل هذه الهيمنة، كانت إيران مستعدة للتحالف مع أعداء أعدائها، بل طبقت مرّات عديدة عبر التاريخ، مقولة “عدوّ عدوّي صديقي.”
في الجزء “6” القادم، سنتطرق، كما سبق القول، الى ردّ شارلمان على رسالة اسماعيل والى نتائج الحلف بينهما.
*أستاذ التاريخ والدراسات الإسلامية في جامعة بوخوم / ألمانيا



