قــراءة مُـتـجـــددة لـفـلـسـطـيـــن الـقـضيــــــة!

خاص “المدارنت”..
في أربعينيات القرن الماضي؛ وبعد أن أحكمت دول الغرب الاستعماري وربيبتها الصهيونية العالمية؛ قبضتها على أرض فلسطين بإعلان الكيان المغتصب «دول» (الإرهاب الصهيونية) ذات سيادة مصطنعة في العام 1948، إثر التخاذل العربي الرسمي، وخيانة الحكام العرب. كان لمؤسّس « البعث » الأستاذ ميشيل عفلق نظرته الاستراتيجية الثاقبة لوضع الأمة العربية، وما يمكن أن يجرّه عليها الاحتلال الصهيوني لفلسطين من مصائب وويلات، حيث حدّد أن مواجهة هذا العدو الاستيطاني الغادر تكمن في أمرين اثنين:
الأول: إن فلسطين، وبعد أن ثبُتَ خيانة من تولّوا المتاجرة بقضيتها، وتسببوا باحتلالها، لن تتحرر إلّا عن طريق الكفاح الشعبي المسلح، وأبرز تجلياته هي حرب التحرير الشعبية، التي كانت الملهم الأساسي لكل حركات التحرر العالمي، بدءًا من الجزائر إلى فيتنام. وبالتالي، لا يمكن المراهنة على الحكام في ظل تنامي الإرادة الشعبية الحرة المستقلة، التي تدفع الجميع إلى الاستقواء بها، وهي التي لا تستقوي سوى بعزيمتها، وإصرارها، وتصميمها على القتال والتحرير.
الثاني: إن الأقنوم الآخر للتحرير، يكمن بالوحدة في سبيل فلسطين، حيث ربط الوحدة العربية وتناميها بقدر قربها من تحرير فلسطين، وإن لم تكن هذه الوحدة للتحرير، فذلك يعني أنها صورية، غايتها إرضاء الحكام للغرب، وطلب حماية انظمتهم، مقابل التخلّي عن القضية الفلسطينية، والعمل على تصفيتها مع الأيام والسّنين، مراهنين على أن أجيالًا ستُفنى، وأجيالًا جديدة سَتنسَى قضيتها، إلى أن يصبح الوجود الصهيوني في حياتنا حالة طبيعية جدًا، لا يمكن العيش بسلام من دونها.
خمس وسبعون عامًا انقضت، ولم يتوان الغرب الأوروبي والأميركي الاستعماري عن قضم القضية الفلسطينية، تمهيداً لابتلاعها من قِبَل الاحتلال الصهيوني، وتكريس «صهينة» الكيان (الإرهابي) بعد «تهويده»، ولم تكن الحسابات على أرض فلسطين؛ مطابقة لأماني من راهنوا على تصفية قضيتها، لتتوالى العقود والسنين، ويتأكد بؤس الرهان على الأنظمة، ورجحان نظرية المراهنة على الأمة بكل تجلّيات أبنائها، ولتحفر مسيرة الشعب العربي في أقطار المنازلة طرقًا وأخاديد، لم تكن لتخطر على بال المتخاذلين ورعاع الغرب.
لم تكن الأنفاق في غزة، سوى إحدى إبداعات شعب فلسطين، والصفعة القاتلة المدويّة لكل من راهن على استغباء هذا الشعب، وهوانه، واستمرائه لليأس والإحباط، ليتبيّن أن غياب الأمة عن واقعها المحطّم لم يُعَوّض عنه سوى حمل أفرادٍ منها السلاح، مؤكدين وجودها وقيامتها، كطائر الفينيق الذي يعود إلى الحياة كلما زاد جسده احتراقًا، وكاد أن يتحول رمادًا.
وكما كان صاعقاً على أعداء الأمة أن يقف القائد صدام حسين (الرئيس العراقي الراحل) على أرجوحة الأبطال، يُحيّي فلسطين من البحر إلى النهر، متمثلًا بأدبيات الحزب، الذي استشهد وهو أمينه العام، كانت تلك الإطلالة من التأثير أن زرعت في وجدان الأمة أن قادةً عظماء على طراز القائد الشهيد، لم يأبَهوا بالسلطة يومًا، وضحّوا بالدم والجسد، ولم يفرّطوا في ذرة انتماء للقضية التي أخذت بعدها التحرري العالمي مع «طوفان الأقصى»، والتمسُّك بمقولة الخالد (الزعيم العربي الراحل) جمال عبد الناصر: «ما أُخِذَ بالقوة، لا يُستَرّد إلّا القوة » وتفضيل ختيار فلسطين ورمزها (الراحل) ياسر عرفات (أبو عمّار) الموت شهيدًا، على التفريط بإعطاء إمضائه تخليًا عن القدس، وحق العودة، والقرار السيادي المستقل، إلى المجاهد الشهيد أحمد ياسين الذي جعل من العجز في الجسد انبعاثًا لروح الشهادة، والسعي للحياة الأبدية.
لقد أثمر الزرع، وأعطى حصادًا لن يكتفي بطوفان الأقصى وإعصاره، الذي أحيا قضية فلسطين، وأوقد شعلتها التي من المُحال أن تنطفئ، ولن يكتمل إلا بوحدة الأمة حول فلسطين، مقرونةً بتوحيد البندقية الفلسطينية، وإمساكها بإرادة موحدة، مقتدرة، لتكون مثالًا للعالم أجمع، أن يتحد حول فلسطين وقضيتها العادلة، التي تعود اليوم لتهز الضمير العالمي والوجدان العربي من جديد، وتحث أحرار العالم على أن يعوا أن لا أمان ولا استقرار بعد اليوم بوجود كيان غاصب يقتل ويدمر ويشرد، آن له أن يدفع الثمن، بعد ان تحطمت «أسطورته» العسكرية والأمنية، كما صوّروه لنا قبل السابع من أكتوبر، وبعد أن أثبت المقاتل الفلسطيني أنه القادر على ذلك عندما يتوفر له الإعداد والتدريب والتجهيز والكفاءة العلمية والهندسية…
وفوق ذلك الإيمان الأكيد بالانتصار إلى حدود اليقين، الذي يدفع المقاتل للالتصاق بدبابة الميركافا ويفجرها، ويعود سالمًا، وقد خلع حذاءه، ومشى الهُوَينا، عرفانًا بقداسة الأرض التي يحمي ترابها، وتصميمًا على تطهيرها من دَنَس احتلالٍ غاصب، بدأت تُسَدُّ أمامه كل آفاق البقاء على ارض فلسطين، فإما الرحيل عن هذه الأرض، أو الموت الزؤام على أيادي أبنائها، وما عاد ذلك بالمستحيل..!



