مقالات

“كلّن يعني كلّن”.. “فصّ ملح وذاب”!

محمود القيسي/ لبنان

خاص “المدارنت”..

في ذكرى ثورة 17 تشرين الأول 2019

“عزيزتي تانيا، سأقصُّ عليكِ حكايةَ عصفوريَّ.
فلتعلمي إذن أنَّ لديَّ عصفورَ دوريٍّ، وكنتُ قبلُ قد امتلكتُ واحداً آخر لكنَّه مات، مسموماً على ما أعتقد من حشرةٍ ما. كان الدوريُّ الأوَّل أظرفَ بكثيرٍ من الحالي. كان فائق الاعتداد بنفسه ومتوقِّداً حيويَّةً وعافية. أمَّا الدُّوريُّ الحالي فحيِيُّ جدَّاً، خانعُ النَّفْسِ وفاقدُ لروحِ المبادرة”.
أنطونيو غرامشي من سجنه..

كشف يوم “حبل” الشعب اللبناني “السرّي”، أو يوم 17 تشرين الاول 2019 التاريخيّ، النظام السياسي اللبناني الهزيل والدولة المأزومة، وكشف أزمة الجمهورية اللبنانية الهشّة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً في عصر المعلوماتية والذكاء الاصطناعي والجيوش الإلكترونية، وأطلق شرارة أكبر ثورة “إجتماعية” في تاريخ البلاد، والتي سوف تأخذ سفينة بلاد الأرز إلى مرحلة “نوعية” جديدة.. الثورة الإجتماعية التي نعت معظم برامج الأحزاب والمنظمات والتيارات والجمعيات اللبنانية، وأعلنت موتها السريري. ثورة الخطوة الاولى “افتراضيًا” نحو جمهورية وقيامة دولة المواطنة والدستور العصري الحديث، أو جمهورية الحبل السرّي بين الدولة والمواطن والدستور.

ثورة الحبل السريّ “العفوية” تاريخياً، التي تعرضت في مهدها وفي يومها الأول “نظريًاً و”عمليًا إلى خيانة القفازات السوداء والقفازات البيضاء من ناحية، وإلى خيانة النخب المشبوهة والمؤللة من ناحية أخرى، بالاضافة إلى خيانة “المثقفين”، وتلك أخطر وأبشع الخيانات..

أعتقد إن النخب الجديدة في مجتمعات الاستبداد والنزاع، ليست سوى نخب “اصطناعية”، أو مجرد أدوات “جديدة” ووسائل “حديثة”.. أدوات ووسائل “افتراضية” تعمل من خلال شبكات “متقاطعة”، أو كلمات متقاطعة و“أجندات” مشبوهة من أجل إعادة “رسم” خرائط المنطقة بما يخدم “إستراتيجية النيوليبرالية” الغربية، أو “النيو-كولونيالية” الجديدة في “المئة” سنة “الجديدة” القادمة.. النخب التي تأتي في “مرحلة” معيّنة مثل “الطوفان” تارةً بصفة “الربيع”، وتارةً آخرى بصفة “الخريف”.. وطورًا بحجة “الثورة”، وطورًا آخر بحجة “المقاومة”.. وحينا بشعارات “التحرير”، وحينا آخر بأعلام “الوحدة”.. ومرّة بإسم “التغيير”، ومرّة آخرى “كلّن يعني كلّن” .. وفجأة، من دون سابق إنذار.. “فصّ ملح وذاب”.

هذا.. ناهيك عن أن الحبل السريّ في “ثورة” العلوم “البيولوجية”، والارتقاء والتطور الطبيعي لاصل الأنواع، أو الثورة “الإجتماعية” الحديثة “مجازيًاً من أجل مقارنة وتشابه العوامل المشتركة بين “الجسد” و”الوطن”، مجرد شريان دموي لا يحتوي على أعصاب أو “عُصب” أو “عصبيات” نظريات “الخلدونية” الإجتماعية، ولكن ينقل الدم المحمل بالاوكسجين والمواد الغذائية من الأم أيّ (الوطن) إلى الجنين أيّ (المواطن) والمواطنة، ومن وظائفه الرئيسية إمداد الجنين بكل ما يحتاجه وجوديًا وفوائده كثيرة، إذ تستخرج الخلايا الجذعية السرّية المأخوذة من دم الحبل السرّي عند “الولادة”، وتستخدم في عمليات زرع النخاع العظمي، أيّ (إعادة الهيكلة) والهيكلية، ومعالجة عشرات الأنواع المختلفة من أمراض الجهاز (المناعي) والدم. أن أهمية هذه الخلايا الجذعية، شجعت على تأسيس العشرات من بنوك الدم السرّي وليس (الحسابات المصرفية السرذية المشبوهة) في مختلف أنحاء العالم، لحفظ الدم لسنوات طويلة مقبلة، وليس لحفظ (الأموال المنهوبة والمهرّبة على حساب المناعة الوطنية)، واستخدامه عند الحاجة إليه في معالجة الكثير من الأمراض “البيولوجية”، والأمراض (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية). وثمّة اعتقاد علمي سائد أن المستقبل القريب سيشهد إسهام هذه الخلايا (الحداثوية) والاهتمام بكل ما هو عصري وحديث في معالجة أمراض متعددة أخرى، وتجديد الخلايا المصابة والمتضررة وترميمها “بيولوجيًا” كانت، أم اجتماعيًا.

نحن بحاجة إلى ثورة الخطوة الاولى واقعياً نحو قيامة دولة المواطنة والدستور العصري الحديث، والمساواة التامة بين المرأة والرجل، استناداً إلى المواطنة المتساوية دستوريًا وحقوقيًا وقانونيًا، والخروج من انفاق ونفاق “دويلة” المزارع والشحن السلبية، والارتقاء إلى مستوى الجسد، والوطن.. وطن قانون أحوال شخصية يحمي المواطنة الفردية وحرياتها، ويحمي المجتمع المدني وتطوره، واعتبار المواطنة الرقمية بُعداً حداثياً عصرياً مضافاً بصورة تفاعلية مع المواطنة الدستورية. وصوغ الحقوق الرقمية – الالكترونية للمواطنة وحمايتها استناداً إلى المواثيق الدولية EDRI GDPRS، مع التركيز خصوصاً على حماية البيانات والخصوصية، وانشاء/ بلورة/ رعاية جمعيات مدنية لحماية الحقوق الرقمية والشبكية للمواطن.

يجب إعادة صوغ/ تحديث قوانين حرية الرأي، كي تصبح عصرية وتستوعب المُتغير العالمي، المتمثّل في عصر الإنترنت وشبكات “السوشيال ميديا”. كما يجب ان يشارك لبنان بفاعلية في الجهود الدولية لحماية حيادية “الإنترنت”، ويعمل على تحقيقه وطنيّاً، والحق الكامل للمواطن الوصول إلى المعلومات. وتعزيز الإحصاءات والمعلومات والبيانات الرسمية، ودعم التشارك مع مؤسسات القطاع الخاص والجامعات في ذلك. يجب أيضاً إدراج مادة التشفير “coding” في المناهج الرسمية في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية.

إستناداً إلى الدينامية الواضحة للشباب اللبناني في المعلوماتية والإتصالات المتطورة، يجب العمل على نقل “التكنولوجيا”، عبر العمل بفاعلية مع الدول والشركات الكبرى، لنقل “التكنولوجيا” وتوطينها. ودعم الشركات الناشئة للشباب “start up”، خصوصاً في المعلوماتية والاتصالات. يجب أيضاً التفاوض والعمل مع الشركات الكبرى لدعم جعل الشركات الناشئة جزءًا من المسؤولية الاجتماعية للشركات، التي يجب ان تشمل نقل “التكنولوجيا”. كما يجب أن يكون الاتصال بالشركات الرقمية العالمية حق أساسي للمواطن.

كما يجب العمل والتفاوض مع الشركات الكبرى في المعلوماتية والاتصالات، بشأن تحصيل ضرائب على أعمالها في لبنان.. خصوصاً نقل البيانات والمعلومات والاعلانات، أسوة بدول أوروبية. ووضع خطة بالتشارك بين الدولة والقطاع الخاص والجامعات لإنشاء حاضنة معلوماتية لبنانية عالمية في “وادي السيليكون”. كما يجب اعطاء رعاية خاصة جذرياً في المناهج التعليمية، لتصبح متوافقة مع عصر المعلوماتية والشبكات و “السوشيال ميديا”، ونقل تركيزها من الحفظ إلى تحليل المعلومات وفهمها ونقدها. يجب أيضاً العمل على تقوية الملكات الفكرية اللغوية للطلبة، عبر مناهج تركز على الفهم والاستعمال، وليس الحفظ والتكرار.

دعم صناعة الدواء المحلي والاستفادة من التجارب العالمية، بخاصة في الادوية البديلة “Generic”.. وتوسيع التشاورات بين القطاعين الرسمي والخاص (مختلط).. وتمديد إجازة الأمومة، واحترام جميع حقوق الأفراد في مختلف المجالات، ممّا يدفع المواطنين الى المشاركة في الشأن العام، حيث يُقوّي ذلك المواطنة الفاعلة ويُساعد على بناء الدولة.. وحماية العملة الوطنية المحلية، واخراج الاقتصاد من “الدولرة”. والتفاعل مع ظواهر الدين – السياسي كافة، لإدراجها في بلورة دولة المواطنة، وتحقيق الانسجام بين أفراد المجتمع عن طريق استخدام لغة الحوار لحلّ جميع أنواع الخلاف التي تنشأ بين مختلف فئاته. واحترام الاختلاف والتنوع العرقيّ والعقائديّ والفكريّ بين أفراد المجتمع، وتقديم مصلحة الوطن على المصالح الخاصة، والإسهام في ترسيخ المبادئ الأساسية؛ كالكرامة، والحرية، والمساواة.

نحن بحاجة إلى ثورة تغيير حقيقية، نحو دولة المواطنة والدستور العصري الحديث، وعصبها الذي يستند إلى شرعية شعبية وطنية، والانتقال التدريجي والمنهجي والواقعي إلى عصر الحداثة في الشكل والمضمون، في الممارسة والتطبيق.. ومواكبة “الجيل الذكي” على قاعدة “النزعة الحداثوية”، نزعة الاهتمام بكل ما هو عصري وحديث في قراءة وكتابة المجتمع-الدولة-المواطنة-الدستور.. والاستثمار بالعقول الشابة والحقول المعرفية، والخروج من “صندوق” التقليدية الى فضاءات المعرفة، حيث أن الزمن يسير دائماً الى الأمام، والتاريخ لا يعود إلى الوراء.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى