مقالات

لبنان.. ديموقراطية أنصاف الآلهة..

د. حسام محيي الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”..

بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، ودخول القوى العظمى على خط هندسة الدول في المشرق العربي وفق ترتيب دقيق للمصالح الفرنسية والبريطانية، تحول لبنان من مجرد متصرفية ممتازة ترعى منعتها الدول الخمس العظمى، الى دولة موسعة دعيت دولة لبنان الكبير. وكان من المحتم أن تشهد هذه الدولة المستحدثة كمثيلاتها في المشرق عدد من عمليات المأسسة والتغيير الإداري، من خلال الاشراف الفرنسي المباشر على حداثة عهدها وتأكيد وجودها بين الأمم. وليس بعيداً عن هذا الاستحداث، النية الفرنسية بجعل هذا البلد دولة ديمقراطية، ولكن بطريقة تحفظ الوجود المسيحي وقوته وغلبته على سلطة الدولة ضمن تركيبة متوازنة تتوزع فيها باقي الطوائف على مواقع سلطوية في هيكل الدولة.
ووفق هذه الرؤية المعقدة، والتي يتداخل فيها الدين بالسياسة، كان من المحتم أن لا يكون نظام هذه الدولة ديموقراطياً بالمفهوم الغربي، أي قريباً من العلمنة، بل دولة مدنية لا تزال ترتدي العباءة الطائفية وتمارس عصبياتها المقيدة بجذور دينية، في إطار سياسي: ولعل هذا ما أنتج ديمقراطية فريدة في المشرق العربي، اختلفت عن الجوار، وتطورت تفاصيلها في هذه الكيمياء السياسية الغريبة بين الدين والسياسة. إذ يبدو فعلاً أن العلمنة لم تكن سلعة صالحة للتصدير من فرنسا باتجاه لبنان، على الرغم من كل محاولات التحديث التي قام الجنرال ساراي قبل أن تبوء محاولاته بالفشل.
ما حدث فعلاً، وعلى الرغم من وجود الشكل الديموقراطي في ممارسة السلطة، أن المواطنين اللبنانيين، وبدلاً أن ينزعوا عنهم رداء الدين والطائفة ليدخلوا الى المدنية الكاملة، “طيّفوا” الديموقراطية، فتعمدّت وتأسلمت وارتدت رداء الحكمة، وتلونت بألوان الطوائف التي توزعت عليها المناصب في فترة الانتداب ضمن ميزان الذهب السياسي الدقيق. قد تكون الفكرة الفرنسية هي عبر صهر هذه الطوائف شيئاً فشيئاً في هذا القالب العصري كما شُبّه لهم، ولكن الواقع أن هذه الطوائف صهرت بناء الدولة في قوالبها وحولت الديموقراطية الى شكل فريد من التقاسم والتوازنات الغريبة، يلعب أحيانا القانون في ضبطها، وتلعب أحياناً أخرى الأعراف وموازين القوى في ترجمتها وإضفاء صبغة الموزاييك عليها.
إنها ديموقراطية الفرادة التي لم تشبه أيّ ديموقراطية في المشرق، حيث كانت وما تزال شكلاً محدّثاً للسلطة أُسقط على مسارات تاريخية لطوائف أبت أن تتخلى عن عصبيتها، ورفضت أن يكون ولاء الفرد للدولة مباشرة، بل أن يمر عبر زعماء الطوائف ضمن إطار قداسي غير قابل للرفض؛ إذ لا ولاء دون القبول بزعامة الطائفة، ولا انتماء الا للطائفة، لتكون هذه الأخيرة المواطن الكبير مبتلعة المواطن الصغير، ومشاركة مواطنين كبار آخرين في إدارة البلد: إنها ديموقراطية المواطنين الكبار، المنتخب الكبير، حيث لا مكان للفرد في هذه المعادلة، بل للجماعة التي تمارس هذه الديمقراطية بطريقة مقوننة، ومتوازنة حسب دستور أراد لها هذه الصورة.
هذه المواطنية، مواطنية الطوائف وليس الأفراد، تركّبت في ظل الانتداب الفرنسي، ولو أنه أراد لها أن تذوب شيئاً فشيئاً في المدنية والحداثة، إلا أنها كبرت ونمت، وقوّت مواقعها، وصغّرت الفرد، وعطلت مسار حداثته، وتركته رهينة رضاها في إدارة الدولة: فإن رضيت نال الفرد مكتسبات ووظائف وخدمات، وإذا غضبت، تُرك مهملاً وحيداً شريداً تتقاذفه أحكام الإهمال من مكان الى آخر. لقد ابتلعت هذه المواطنيات الكبرى أصول الديموقراطية الحديثة، وعبرت عن قلقها أكثر من مرة ضد العلمنة وضد الفردانية، وحافظت على الشكل السياسي الحديث دون أن تفقد ارتباطها بالدين والماضي الذي ألقى بظله على هذه المعادلة الهجينة.
إن ديموقراطية الفرادة في لبنان والتي استمرت بعد الانتداب الفرنسي، كانت مزيجاً من الماضي الاقطاعي، والعصبية الطائفية، وحداثة الديموقراطية المعدلة وراثياً كي تتناسب مع هذا المركب الهجين. وبدل أن تتروض الطوائف، تروض النظام ليحافظ على وجود هذه الجماعات الكبرى، فخرج لبنان من الانتداب، بدولة محدّثة، ولكن يسكنها ثماني عشر مواطن فقط، يمارسون السلطة، ويتقاسمون المكاسب الاقتصادية، ويوازنون وجودهم مع وجود خيار الاستقواء من حين الى آخر، لترجيح كفة سياسية، وزيادة مكاسب، ولتحقيق الغلبة كما لو كانت إدارة البلد حرب قبلية، يحاول كل زعيم قبيلة أن يحقق أكبر قدر ممكن من المكاسب على حساب الآخرين.
وفق هذه الديموقراطية الفريدة، لم يكن ولن تسمع في لبنان أصوات جماعية تواقة الى العلمنة، وفصل الدين عن السياسة، وبقي الصوت الأعلى هو صوت الطائفية الحريصة على إبقاء هذا النظام، وممارسة رعايتها لأفرادها، والتألق في مواطنيتها الكبرى على حساب الآخرين. وأية محاولة استثنائية لإدخال ولو تفصيل من العلمنة ستبوء بالفشل، لأنهم-هم آلهة الطوائف – يعتبرون أن أي خرق، ولأي طرف من الأطراف، يمس الجميع، ويقضي على هوية لبنان السياسية، وربما يحرر الأفراد من التبعية لهذه المواطنيات الكبرى وينقلها الى الولاء للدولة، دون العبور بالطائفة.
في لبنان الذي خرج بهذه الهوية الديموقراطية من الانتداب، مسموحٌ لك كفرد أن تؤمن أو لا تؤمن بالسماء، ولكن من غير المسموح الكفر بالزعيم المنزل من السماء، العالم بكافة خفايا الدولة، والخبير بكيفية توزيع المغانم على افراد الطائفة: فهو يعطي ويحرم، ويقدم ويؤخر، ويرفض ويقبل، ويعين ويعزل، ولا نقاش لقراراته المقدسة ولا استثناء.
ليس هو الوحيد الذي يستنكر حالة فردية قد “تشذ”، بل قل أكثر ما يكرهه القطيع، الوفي له، هو انسان يفكر بشكل مختلف.. كما يقول أرثر شوبنهار. القطيع لا يكره رأيه في الحقيقة.. ولكن يكره جرأة هذا الفرد على امتلاك الشجاعة للتفكير بنفسه ليكون مختلفا.. وهذا تحديدا ما لا يعرفه القطيع..”
والزعيم المؤله، المدعوم بوفاء القطيع، في الوقت عينه، ممنوع من الانتقاد، حتى لو بنى لنفسه صرحاً يصل الى السماء من حقوق الناس، وعلى حساب حياتهم الكريمة بالحد الأدنى وليس رفاهيتهم.
فهل ستبقى هذه الديموقراطية الفريدة أسيرة هذه العلاقة المشوهة بين السماء والأرض، وهل سيبقى أنصاف الآلهة يحكمون لبنان الى الأبد؟!
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى