لبنان ينتفض.. ثورة جيل!

كتبت د. غادة مصطفى الشموري
ما يحدث في لبنان اليوم ثورة إرتدادية “لثورة الأرز” التي نجح حزب الله بخنقها. تلك الثورة التي يمكن إعتبارها المبشر الاول بقدوم الربيع العربي، بعد ان نجحت بإخراج النظام السوري وقواه الأمنية من لبنان بعد سيطرة دامت أكثر من ثلاثين عاماً!
صحيح انه منذ بداية الربيع العربي، شهد لبنان محاولات كثيرة للحراك إلا ان رجال السياسة إستطاعوا الإلتفاف عليها ووأدها في المهد. فالحراك الكبير الذي بدأ في لبنان في ٢٧ شباط/فبراير من العام ٢٠١١، والذي إستمر لعدة أشهر، إستطاعت الطبقة الحاكمة إستيعابه وتسييسه. ثم حراك “طلعت ريحتكم” الذي بدأ في نهاية آب/اغسطس من العام ٢٠١٥ بسبب تراكم النفايات وعدم قدرة الحكومة على إيجاد حل لها والذي نجح في البداية بتجاوز اصطفافات ٨ و١٤ آذار الا انه عاد وسُيِّسَ فإنتهى في نيسان/أبريل من العام ٢٠١٦. ثم حراك الأساتذة في العام ٢٠١٨ الذي ورغم أهميته، لم يستطع أن يكون جامعا وعابراً للاصطفافات الطائفية التقليدية في لبنان.
فشل هذه الثورات الإرتدادية شكَّل شبه قناعة لدى كل المحلّلين عن إستحالة مرور الربيع العربي من جديد في لبنان. ما عزّز هذا الإعتقاد هو طبيعة النظام الطائفي للبلاد والإنقسام العامودي للمجتمع الذي يقف حائلا كبيرا أمام تنسيق حراك إجتماعي عابر للطوائف خاصة بعد خيبات الأمل التي أصابت اللبنانيين من طبقتهم الحاكمة بكل أطيافها!
لكن منذ ١٧ تشرين الأول/أكتوبر والشعب اللبناني مرابط في ساحات الإعتصام على خلفية فرض ضريبة على مكالمات الواتس أب المجانية ! المدهش فيما حدث أن تكون هذه الضريبة هي القشة التي قصمت ظهر البعير بعد أن صمت اللبنانيون على أعتى السرقات وعلى غياب أبسط مقومات الحياة، من كهرباء وماء وطبابة ومدارس رسمية ذات مستوى، وعلى فضائح المسؤولين!
السؤال الذي يُطرح هنا، لماذا ضريبة الواتس أب كانت وحدها القادرة على إعادة الحياة الى الساحات وهل ما يعيشه لبنان اليوم هو عصر الثورة الإرتدادية “لثورة الأزر”؟ هل ستكون نهاية ما نراه اليوم كغيره مما شهدته الساحة اللبنانية ؟ ثم ما الذي يميز ما نراه عما قبله حتى نتوقع إستمراره ووصوله الى تحقيق مطالب الشعب؟
لقد حاول رجال السياسة في لبنان إيجاد حلّ للتظاهرات بتقديم رئيس الوزراء ورقة اصلاحية تحتوي على إجراءات سريعة لحل الأزمة. إلا أن الإعتصامات ما زالت مستمرة بسبب إنعدام ثقة الشعب بقدرة السياسيين الحاليين على تقديم حلول لما يعاني منه لبنان، وبالتالي قدرتهم على إنجاز الإصلاحات المطلوبة خاصة ان معظمهم شريك في الفساد حتى لا نقول كلهم. هذا الأمر صحيح لكنه يبقى أمراً إجرائيا لو لم تكن الأزمة بنيوية تكمن في طريقة حكم “قروسطية” إقطاعية لجيل “ما بعد حداثي”. وهنا تكمن رمزية الانتفاضة وسببها.
إن ما يحدث ليس حراكا مطلبيا فحسب بل هو ثورة حقيقية. إنها ثورة جيل يعيش في القرن الواحد والعشرين بكل ما فيه من تقدم تقني وتكنولوجي وينتمي الى عصر العولمة حيث الوصول الى المعلومات لم يعد حكراً على طبقة معينة بل أصبح متاحا للجميع.
لقد حولت وسائل التواصل الاجتماعي وبشكل عميق العلاقات بين الأفراد والمجموعات وساهمت بشكل كبير في خلق أشكال جديدة من الروابط الاجتماعية وفي إحداث مسلكيات جديدة.
وتختلف وسائل التواصل الاجتماعي عن وسائل الاعلام الأخرى بأنها تفاعلية بمعنى ان الفرد لا يبقى متلقيا فحسب بل يتحول الى “فاعل اجتماعي” وبالتالي تمنح من يستعملها حرية لامحدودة. “الواتس اب” لغة الشباب والعصر التي لم يستطع رجال السياسة في لبنان إستيعابها. أكثرهم ينتمي الى الجيل التقليدي إن لم يكن بالعمر فبمنهجية التفكير وطريقة التعاطي السياسي. لبنان ومؤسساته يدار بعقلية العشيرة – الطائفة دون الأخذ بعين الاعتبار ان علاقات الانتاج التي اصبحت في العالم “ما بعد رأسمالية”.
ما لم يفقهه الزعماء أن الزمن قد تغير وان ما يدور خلف الأبواب المغلقة اصبح يُعرف في العلن وعلى منصات التواصل الاجتماعي. وكنتيجة حتمية لهذه العقلية، لم يستطع هؤلاء رؤية القنبلة الاجتماعية الموقوتة وتلاشي الحدود الطائفية والمذهبية بين اللبنانيين في العالم الافتراضي.
ان ما يحدث هو ثورة على السلطة التقليدية بوجوهها السياسي والاجتماعي والديني. بعد انتهاء الحرب الاهلية والتوقيع على اتفاق الطائف، الذي كرس السلم الأهلي وظن معه اللبنانيون ان معاناتهم انتهت، خلع أمراء الحرب بذّاتهم العسكرية ليدخلوا ومن الباب العريض كرجال سياسة لحكم لبنان بالاضافة الى طبقة رجال السياسة التقليديين الموجودة منذ ما قبل الحرب. خطوط التماس التي كانت موجودة بين الطوائف رسمت وحددت بالخط العريض بحيث أصبح لكل طائفة حدودها ورجالها ووظائفها. وتجمعت كل طائفة حول زعيمها، فتحوّل لبنان ما بعد الحرب إلى ما يشبه “puzzle” من الطوائف، تعيش في “كونفدرالية” ادارية غير معلنة. وبقي الاستزلام والزبائنية ومحاباة الاقارب والمقربين منهجية متبعة في الحكم. وزاد عليها أمراء الحرب نظام “الخّوات”، اي اشراك الزعيم في اي مشروع مستحدث على الارض. ثم “بازار” شراء الوظائف العامة كالدخول الى السلك العسكري. وتحوّلت ادارات الدولة الى دكاكين مشرعة للرشاوى والفساد والثراء الغير مشروع. ولم يتوقف فساد السياسيين عند هذا الحد بل تجاوزه إلى سرقة المال العام والقروض الدولية والمساعدات الأجنبية بدون رقيب او حسيب.
وقد شدّ من أزر هذه الطبقة من السياسيين طبقة من المرجعيات الدينية التي إستثمرت الانشقاق المذهبي في لبنان لصالحها. فمع الصحوة الاسلامية التي دعمتها السعودية ومصر السادات في وجه المد القومي ولمحاربة الشيوعية إنتشر نوع جديد من “التأسلم” لم يكن معروفا في لبنان قبل الحرب، سِمَتُه خلع الانسان من عصره وإدخاله في عالم “طوباوي” لا مكان فيه “للآخر”. وقد ساهم النظام السوري في إدخال مجموعات دينية كان هدفها استقطاب شباب السنة، فتشكلت مجموعات تابعة له كالأحباش (اتباع عبدالله الهرري) والأخوات السحريات.
هذا بالنسبة للسنّة، اما عند الشيعة فقد خلقت إيران ميليشيا حزب الله بعد انتصار ثورتها الاسلامية وجعلت منها ذراعها الأيمن في حروبها الخارجية. وقد دخل النظام الإيراني بين الشباب الشيعة عبر بوابة فلسطين وتحرير القدس وجنوب لبنان.
إن هذه المجموعات قد فصلت الشباب في لبنان عن واقعه وعصره لتدخله إلى سراديب الحروب المقدسة وتفصله عن دنياه وتجعله يحيى في “الآخرة”. المشكلة فيما حدث لا تكمن في الدين كمنظومة أخلاقية وكمنهجية مناقبية للفرد، بل تكمن في إصرار هذه المجموعات على الشعائرية وإبراز الفرق مع الآخرين وتكفيرهم إذا لزم الامر.
ما يحدث في لبنان اليوم له رمزية أكبر مما يبدو للوهلة الأولى. ثورة لبنان هي ثورة شباب ينتمي الى عصر “ما بعد الحداثة” على حكام وسياسيين ينتمون الى زمن الإقطاع مدعومين برجال دين كل همّهم الحفاظ على الوضع القائم والانقسامات المذهبية ضمانا لديمومة سلطتهم وتسلطهم.
إن العقلية التقليدية في الحكم التي كانت تؤتي ثمارها زمن الآباء والأجداد لم تعد تنفع اليوم. الأزمة اللبنانية أزمة لغة وتواصل واتصالات ولا عجب ان تنطلق شرارتها من محاولة فرض ضريبة على إحدى وسائل الاتصال. لا يمكن ان يُحكَم شباب جامعي من حملة الشهادات بالطريقة الإقطاعية القديمة. لبنان بلد يبلغ عدد جامعاته ٣٨ جامعة، وتشير إحصاءات البنك الدولي الى ان اكثر من ٢٣٠٠٠ الف متخرج يدخلون الى سوق عمل لا تؤمن اكثر من ٤٠٠ وظيفة. وأكثر القطاعات التي توفر أعمالا هي قطاعات البناء والزراعة التي لا تحتاج الى كفاءات عالية. أزمة البطالة تنذر بكارثة اجتماعية خاصة ان ٣٦٪ من الشباب اللبناني عاطل عن العمل. وهذه النسبة يمكن ان ترتفع في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان وفي ظل غياب المبادرات الاستثمارية الحكومية والخاصة.
ثم ان أغلب شباب لبنان الذي يغذي صفوف الثورة ربما ولد بعد خروج إسرائيل من لبنان او ربما كان صغيرا حين خرجت. والإنتصار الذي يدّعيه حزب الله في حرب تموز لم يعط الشباب، خاصة الشيعة منهم، حياة تليق “بالمنتصرين” بل جرّهم إلى مزيد من الحروب تحت مسميات ومبررات وثارات تاريخية لا تمت الى العصر بصلة وعمقت الشرخ مع مواطنيهم. لقد أدخل حزب الله هؤلاء الشباب في “مأتمية” لا تنتهي وكأن قدرهم ان يولدوا ليموتوا “شهداء”، كل هذا وأقرانهم في الوطن يحييون عصرهم ويواكبون ما يحدث في عالمهم.
إن ما يحدث ليس ثورة للشباب فقط بل هي ثورة المرأة ايضاً على الغبن الذي تعيشه في ظل مجتمع ذكوري. بالعودة الى الساحات في لبنان، حيث المتظاهرون، نرى وبكل وضوح أن الذين يملؤون صفوفها وبقوة هنّ من النساء. فالمرأة اللبنانية هي التي تدفع أبهظ الاثمان بسبب التركيبة التقليدية للسلطة والحروب التي لا تنتهي وهجرة الشباب لأرض الوطن. ان التناقض الصارخ بين “الصورة النمطية” التي تروج للمرأة اللبنانية وتمتعها بالحرية التي تصل الى حد “التحرر” أحيانا يناقض واقعها بشكل كبير. هي الضحية الاولى للعنف الاسري وقانون العمل وقانون الأحوال الشخصية خاصة بالنسبة لحضانة الاولاد ومنعها من إعطاء الجنسية اللبنانية لأولادها وقد حان الوقت للتغيير!
حينما إتحدوا في حكومة الائتلاف التي ضمت كل الأطراف، لم يدرك الزعماء في لبنان أنهم إنما “وحّدوا” اللبنايين ومعاناتهم من كل الطوائف في وجههم. طغمة حاكمة تأكل الاخضر واليابس وترفض حتى ترك الفتات وتعيش كطفيليات خبيثة لم تسلم حتى البيئة من شرورها . وقد رأى اللبنانيون في النيران التي إندلعت وأكلت غابات لبنان في العاشر من تشرين الحالي، أن الاستخفاف بحياتهم قد بلغ الذروة بعد أن إكتشفوا ان طائرات إطفاء الحرائق لا تعمل. لقد كان محزناً جداً منظرُ تلك الحرائق لكن الجميل فيها أن نيرانها أحرقت معها جدران الفصل الطائفي التي نجح زعماء لبنان في بنائها بين المواطنين.
المختلف في ثورة اللبنانيين اليوم انهم بكل أطيافهم ومن كل مناطقهم وفي كل مدنهم مرابطون في الساحات. إن الثورة الحالية التي أعلنوها في وجه نظام المحاصصة والفساد والهدر والسرقات التي تجاوزت كل الحدود، أقلها فتحت باب التغيير على مصراعيه ووحدت شعباً تجاوز كل إنقساماته السابقة في وجه قيادات آتية من الماضي لم تقرأ الواقع ولم تدرك أن لا مكان لها في لبنان المستقبل!
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



